رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

495

إبراهيم عبد المجيد

الوطن بين الكذبة والحقيقة

29 أبريل 2026 , 10:45م

"ماذا أنت أيها الوطن، وماذا فيك من سر يهيج كوامن الشجن، وهل أنت إلا أرض وماء؟ حقا أنت قبضة من تراب، وحفنة من ماء، لكنها قبضة يختلط بها دماء القلب، وحفنة يمتزج بها عبير الروح. ما أنت أيها الوطن إلا أنا في أجل المعاني، وما أنا إلا أنت في أرق تلك المعاني".

هذا حديث قديم لمحمود تيمور في نص بعنوان "أرض الوطن" قرأته وأنا في المدرسة الإعدادية، وظل يمشي معي طوال حياتي. لم اندهش قط من روايات قرأتها يطول الحديث عنها، عن حب الوطن، ولا من أفلام عن رحلة العودة إلى الوطن من الحروب أو من المعتقلات. سأقف من بينها عند فيلم "إي تي". هو فيلم خيال علمي انتجه وأخرجه ستيفين سبيلبرج عام 1982 وفيه يجد الصبي إليوت كائنا فضائيا ضل طريقه إلى الأرض، هو" إي تي" تلخيصا لمعنى الكائن الفضائي بالإنجليزية. يحتفظ به إليوت ويحميه من أعين الغرباء، لكن تتدهور صحة "إي تي" الذي لا يستطيع التكيف مع كوكب الأرض ويبدأ في النداء:

"Home. Home"

وهي تعني البيت، وهنا تعني الوطن، فيفتح له الطفل إليوت طريق العودة.

ظل نداء الكائن الفضائي يمشي معي، كما ظلت كلمات محمود تيمور، وحين أنظر حولي يزداد يقيني بها، وأنا أرى ما حدث ويحدث في غزة ولبنان وغيرها، من تحطيم لمدن وقرى كاملة بيد الدولة الصهيونية، وفراق ونزوح. كم شخصا في لبنان أو غزة يقول الآن " Home .. home" وهل سيتخلون عن البيت الذي هو الوطن. بالطبع لا.

قد يسألني شخص كيف لا تنظر حولك، وترى كيف كانت كلمة "وطن" شعارا لكثير من الحركات الثورية والانقلابات العسكرية، وحين يستقر النظام الجديد يبدأ في القهر، وفتح السجون للمعارضين، كأن كلمة وطن تخص من يملك القوة والسلاح فقط. وأن أصعب أزمات الوطن هي حين يكون حكامه من أهل البلد، أكثر قسوة من القوى الخارجية. ألم تعرف مثلا ما جرى في سوريا بعد الربيع العربي. سأقول له هذه بلادنا، وكل من فعل ذلك ذهب إلى قاع التاريخ، وعاد الوطن الحقيقي لأصحابه. لكن درس التاريخ هذا غائب عن الدولة الصهيونية، لأنها تصنع وطنا لمن ليسوا أهله. لقد اعتبرت فلسطين وطنا ضائعا لهم، على عكس كل تاريخ اليهود في العالم. كلنا نعرف كيف تم اغتصاب فلسطين وكيف تم طرد وتهجير أهلها الأصليين منذ وعد بلفور، الذي أرادت به بريطانيا وضع دولة وسط العالم العربي الذي ينمو ويتحرر، ليظل في صراع وتخلف. كيف أقامت "وطنا" كاذبا لمن كانوا عبر التاريخ بلا وطن. لكن في السنوات الأخيرة بعد جرائم اسرائيل في غزة، هاجر منها مليون صهيوني، ولابد أن هناك أعدادا أخرى هاجرت، بعد صواريخ إيران وحزب الله، لكن إسرائيل تخفي الحقائق.

لم نعد نسمع عن هجرة إليها، لكن جاءت الأخبار بهجرة بعض الهنود وتم الترحيب بهم.

حدث ذلك هذه الأيام بعد لقاء نتنياهو برئيس الهند، وتصريحه بأن ذلك سيحدث. وإذا عرفت كيف أن " الجرين كارد" أو البطاقة الخضراء لدخول أمريكا والإقامة بها، مفتوحة للهنود دائما بلا شروط، فستدرك أي نوع من الهنود يصل أو سيصل، إلى الكيان الصهيوني. وهكذا نحن بين وطنين. وطن حقيقي لنا نحن العرب، لن نتخلى عنه مهما حدث فيه من ظلم، أو عليه من عدوان، ووطن مصطنع هو الكيان الصهيوني، حين يدرك من فيه كذبته، يلجأ الحكام إلى فقراء وبؤساء من دول أخرى، لتستمر الكذبة.

مساحة إعلانية