رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلطان الهاجري

- محاضر وباحث في الإدارة والأداء المؤسسي

مساحة إعلانية

مقالات

606

د. سلطان الهاجري

أين المسؤول؟

29 ديسمبر 2025 , 01:43ص

أين المسؤول؟ سؤال يتصدر المشهد الإداري ويحرج الإدارة كلما تعطلت المعاملات، أو تكررت الأخطاء، أو غابت الإجابات، هذا السؤال لم يعد همسًا داخلياً بين الموظفين وغيرهم، وإنما أصبح عنواناً لمرحلة كاملة من التساؤل حول جدوى الإدارة، وفاعلية القيادات، وقدرة المؤسسات على مواكبة الواقع المتسارع.

فالمشكلة لا تتعلق بنقص أنظمة أو موارد، فالكثير من المؤسسات تمتلك لوائح متقدمة وخططاً طموحة وهياكل تنظيمية أنيقة، وانما الإشكالية الحقيقية تظهر في غياب القرار، وضعف المتابعة، وتراجع الحضور القيادي في اللحظات المفصلية، فالإدارة التي تكتفي بالمشاهدة من بعيد تترك فراغاً إدارياً سرعان ما يتحول إلى ارتباك، ثم إلى تراجع في الأداء، ثم إلى فقدان ثقة يصعب استعادته.

في بيئات العمل، الموظف لا يبحث عن شعارات، بقدر ما يبحث عن اتجاه واضح، يريد أن يعرف من يقود، ومن يقرر، ومن يتحمل المسؤولية عند الخطأ قبل الإنجاز، فغموض الدور القيادي يدفع الفريق إلى الاجتهاد الفردي، ويخلق تبايناً في القرارات، ويحول العمل المؤسسي إلى جزر معزولة، فالعمل بلا قيادة واضحة استنزاف جماعي.

فالمسؤول الذي يتردد في الحسم، أو يؤجل القرار، أو يكتفي بالتفويض دون متابعة، يراكم المشكلات دون أن يشعر، وكل ملف مؤجل يتحول إلى عبء، وكل توجيه غير مكتمل يفتح باب التأويل، وكل صمت إداري يُفسر على أنه غياب اهتمام، فالإدارة الحديثة لا تُدار بالمسافات، بل بالحضور الذكي والقراءة الدقيقة لما يجري على أرض الواقع.

والأكثر خطورة أن بعض البيئات الإدارية تطلب الإنجاز دون توفير دعم، وتطالب بالالتزام دون وضوح، وتطبق المحاسبة دون معايير معلنة، في هذا المناخ يفقد الأداء معناه، وتضعف المبادرة، ويتحول العمل إلى روتين بلا روح، فالموظف يراقب السلوك القيادي يومياً، ويتأثر بالفعل أكثر من أي خطاب رسمي.

فالمعادلة الإدارية الناجحة تبدأ بمسؤول حاضر، يسمع قبل أن يقرر، ويوجه قبل أن يحاسب، ويتابع قبل أن يلوم، فحضور المسؤول لا يعني التدخل في كل صغيرة وكبيرة، ولكن يعني ضبط الإيقاع العام، وحماية الاتجاه، وضمان العدالة، وربط الصلاحيات بالنتائج، القيادة هنا ممارسة يومية وليست صورة في الهيكل التنظيمي.

لذا فالحل يتطلب شجاعة إدارية تعيد تعريف الدور القيادي، وتربط المنصب بالأثر، وتحول المسؤول من مراقب إلى قائد فعلي، كما يتطلب بيئة تسمح بالتغذية الراجعة، وتدعم التطوير، وتكافئ الجدية، وتعالج الخلل في وقته.

سؤال أين المسؤول؟ سيبقى مطروحاً ما دام الأداء متعثراً، وسيتوقف فقط عندما يصبح الجواب واضحاً في القرارات، وفي الحضور، وفي النتائج، فالمؤسسات التي تفهم هذا السؤال مبكراً تحمي نفسها من التآكل الإداري، وتبني مستقبلًا أكثر اتزاناً وثقة وقدرة على الاستمرار.

 

مساحة إعلانية