رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلطان الهاجري

- محاضر وباحث في الإدارة والأداء المؤسسي

مساحة إعلانية

مقالات

318

د. سلطان الهاجري

الإدارة بين الشكل والجوهر

26 يناير 2026 , 01:34ص

تتشكّل أزمات المؤسسات في العمق، في مساحة لا تلتقطها المؤشرات السريعة ولا تنقذها حملات العلاقات العامة، فالتجربة العملية عبر عقود من الإدارة تؤكد أن الانشغال بالمشهد التنظيمي يسبق غالبًا تراجع المعنى، فهناك مؤسسات كثيرة امتلكت لوائح محكمة وخططًا متقنة، ومع ذلك تراجع أداؤها وتآكلت ثقة العاملين فيها، فالدليل لا يأتي من التنظير، ولكن من الواقع الذي يكرر النتيجة نفسها، فالصورة لا تصنع أثراً مستداماً.

البيانات الميدانية تدعم هذا الاستنتاج. تقارير معروفة في سلوكيات العمل تشير إلى ارتباط مباشر بين جودة القيادة وارتفاع الإنتاجية والانتماء الوظيفي، مقابل تراجع واضح في البيئات التي تهيمن فيها الإدارة الإجرائية الصارمة دون تمكين أو وضوح غاية، فالمنظمات التي تركز على الامتثال وحده تسجل معدلات دوران أعلى، وتغيب فيها المبادرة، ويتسع فيها الفاصل بين القرار والتنفيذ، هذا نمط متكرر، لا استثناء عابر.

فالمظهر الإداري يمنح شعورًا بالضبط، غير أن الضبط وحده لا يقود إلى إنجاز ذي قيمة، كثرة الاجتماعات، وفرة التقارير، وتعدد اللجان قد تخلق حركة كثيفة دون اتجاه، فالبرهان يظهر في مؤسسات خففت الإجراءات ورفعت مستوى التفويض فحققت نتائج أفضل بزمن أقل وتكلفة أدنى، فالتجربة اليابانية في تحسين الجودة الشاملة قدمت مثالًا واضحاً وهو التركيز على تمكين العاملين وتحسين العمليات من الداخل رفع الجودة وخفض الهدر، دون ضجيج تنظيمي.

ولذلك جوهر الإدارة يبدأ من فهم الإنسان ودوافعه، والأبحاث في علم الإدارة السلوكية تؤكد أن الثقة والعدالة تسبقان الحوافز المادية في تأثيرهما على الأداء، والقيادة التي تنظر إلى العامل بوصفه شريك أثر تحصد التزاماً أعمق، فالقائد الحكيم ينجز العمل فيقول الناس أنجزناه، هذا القول يجد صدقه في مؤسسات نجحت عبر بناء ثقافة مشاركة لا ثقافة أوامر.

وأما اعتماد الشكل معيارًا للنجاح يقود إلى انحراف الغاية، تُحتسب الإنجازات عبر مؤشرات سهلة القياس، بينما الأثر الحقيقي يتراجع، التاريخ الإداري يقدم شواهد عديدة على مؤسسات أبهرت الأسواق في البداية ثم انهارت مع أول اختبار، بسبب قرارات اتخذت لحماية المواقع لا الرسالة، كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، والسلطان المقترن بعدل يخلق التزاماً واعياً، أما السلطان المجرد فيصنع خوفاً قصير العمر.

فالاختبار الأخلاقي يكشف عمق القيادة، طريقة التعامل مع الخطأ، أسلوب توزيع الفضل، شجاعة المراجعة، هذه عناصر تحدد مصير المؤسسة، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه «من نصب نفسه للناس إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه»، فالقيادات التي بدأت بالمحاسبة الذاتية بنت ثقة مكّنتها من قرارات صعبة حافظت على الاستدامة.

فخبرة الإدارة الحديثة تؤكد أن القرارات المنفصلة عن السياق تفشل، مهما بلغت دقتها التقنية، فأخطر القرارات تلك التي تُتخذ دون فهم عميق للسياق، والسياق يشمل الثقافة، والتاريخ التنظيمي، وتوقعات الناس، وأثر القرار بعيد المدى.

الخلاصة واضحة ومدعومة بالبرهان، بأن الإدارة فعل أخلاقي ومعرفي قبل أن تكون ممارسة تنظيمية، وتقديم المعنى يرفع الأداء ويصون الثقة، وتقديم الصورة يمنح نجاحاً مؤقتاً سرعان ما يتلاشى، الواقع شاهد، والتجربة حَكم، ومن أراد أثرًا باقياً فعليه أن يقود الجوهر قبل أن يزين الشكل.

 

اقرأ المزيد

alsharq مشكلتنا أننا اعتدنا المشهد

تجدونهم إما مع الأب فقط أو مع الأم فقط أو مع الخادمة فقط! قبل أن تتساءلوا عن سر... اقرأ المزيد

171

| 02 فبراير 2026

alsharq لماذا صار «العقل السيبراني» ضرورة في علاقاتنا؟

ماذا لو كانت أثمن فضائلنا الإنسانية هي نفسها أخطر نقاط ضعفنا؟ في المخيال الأخلاقي تبدو الثقة قيمةً خالصة... اقرأ المزيد

108

| 02 فبراير 2026

alsharq عبدالعزيز السريع.. رجل المسرح النبيل

لم يكن خبر رحيل عبدالعزيز السريع خبرًا عابرًا في صباح عادي، بل كان أشبه بانطفاء مصباح قديم اعتدنا... اقرأ المزيد

156

| 02 فبراير 2026

مساحة إعلانية