رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

270

موزا محمد الكواري

ما الذي نكسبه حين نبطئ؟

05 فبراير 2026 , 02:05ص

في عالم يُقاس فيه النجاح بالسرعة، ويُربط فيه الإنجاز بعدد المهام المنجزة في أقصر وقت ممكن، أصبح التمهّل يُنظر إليه، في كثير من الأحيان، على أنه ترف لا تسمح به متطلبات الحياة الحديثة. غير أن هذا التصور يخفي حقيقة أعمق، وهي أن البطء، حين يكون واعيًا ومقصودًا، قد يكون أحد أهم شروط الجودة، سواء في التفكير أو في العمل أو في العلاقات الإنسانية.

لقد أدت ثقافة الاستعجال إلى تحويل الزمن من مساحة للتجربة والفهم إلى مجرد مورد يُستهلك. فالأيام تمضي محكومة بالجداول، والقرارات تُتخذ تحت ضغط اللحظة، والتفاعل السريع يحلّ محل التقدير المتأني. وفي هذا السياق، لا يخسر الإنسان فقط قدرته على التأمل، بل يخسر أيضًا جزءًا من علاقته بذاته، حيث يصبح الانشغال الدائم بديلاً عن الحضور الحقيقي.

إن التمهّل لا يعني التراجع عن الطموح، ولا يتعارض مع روح الإنجاز، بل على العكس، قد يكون شرطًا لتحقيق إنجاز أكثر رسوخًا. فالتفكير المتأني يسمح برؤية البدائل، وفحص النتائج المحتملة، وتقليل هامش الخطأ. وكثيرًا ما تُظهر التجارب أن القرارات التي تُتخذ تحت ضغط السرعة تكون أكثر عرضة للمراجعة والتصحيح، بما يحمله ذلك من كلفة زمنية ومادية ومعنوية.

وعلى المستوى الاجتماعي، ينعكس إيقاع السرعة على طبيعة العلاقات، حيث يطغى التفاعل العابر على الحوار العميق، وتتحول اللقاءات إلى محطات سريعة بدل أن تكون فضاءات للتواصل الحقيقي. ومع هذا التحول، تتراجع القدرة على الإصغاء، ويضعف الإحساس بالآخر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الفهم المتبادل في مجتمعات تتسم بالتنوع والتعقيد.

أما في المجال المؤسسي، فإن ثقافة التمهّل الواعي يمكن أن تشكّل رافعة لتحسين جودة السياسات والبرامج. فالتخطيط الذي يمنح وقتًا كافيًا للدراسة والتقييم لا يهدف إلى تعطيل العمل، بل إلى ترشيده، بما يضمن استدامة النتائج وتجنب القرارات المتسرعة التي قد تحقق مكاسب آنية، لكنها تترك آثارًا بعيدة المدى يصعب تداركها.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل نملك الوقت لنُبطئ؟ بل: هل نملك القدرة على تحمّل كلفة الاستمرار في هذا الإيقاع المتسارع؟ فربما يكون التمهّل، في جوهره، شكلًا من أشكال الحكمة العملية، التي لا ترفض التقدّم، لكنها تطالب بأن يكون التقدّم مصحوبًا بالبصيرة، لا بالاندفاع.

 

مساحة إعلانية