رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

240

د. فاطمة سعد النعيمي

ليس كل معركة تستحق أن تخوضها

11 يونيو 2026 , 11:26م

في عالم يزداد ضجيجا كل يوم، ويضيق فيه صدر الإنسان من كلمة عابرة أو تعليق جارح، تأتي التوجيهات القرآنية لتعيد ترتيب الداخل الإنساني قبل الخارج، ولتبني النفس على الطمأنينة لا على الاستنزاف. ومن أبلغ هذه التوجيهات قول الله تعالى:

﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: 199].

هذه الآية ليست مجرد توجيه أخلاقي عابر، بل منهج حياة متكامل؛ يبدأ بالعفو، ويمر بصناعة الخير، وينتهي بحماية النفس من معارك الجاهلين. فالقرآن لا يريد للمؤمن أن يعيش أسير كل إساءة، ولا أن يستهلك طاقته في الرد على كل استفزاز، لأن الأرواح الكبيرة لا تنشغل بصغائر الناس، بل تنشغل بما يرفعها عند الله.

لقد أصبح كثير من الناس اليوم يعيشون حالة استنزاف نفسي بسبب التفاعل المستمر مع الآخرين، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كلمة قد تفسد يوما كاملا، ونقد بسيط قد يتحول إلى أزمة داخلية، حتى صار البعض يقيس قيمته بعدد الإعجابات والردود والانتصارات الكلامية. وهنا يأتي القرآن ليقول للإنسان: ليست كل معركة تستحق أن تدخلها، وليس كل جاهل يستحق أن تمنحه من هدوئك ووقتك وسلامك النفسي.

إن الإعراض عن الجاهلين ليس ضعفا ولا هروبا، بل قوة أخلاقية عالية، تدل على نضج الإنسان واتزانه. فالجاهل يريد أن يجرك إلى مستواه المليء بالغضب والفوضى، بينما المؤمن الحقيقي يرتفع بنفسه عن المهاترات، لأنه يعلم أن الكرامة ليست في كثرة الرد، وإنما في حسن التجاوز. ولذلك مدح الله عباد الرحمن بقوله: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [الفرقان: 63].

والأعجب أن هذا التوجيه الرباني وجه إلى النبي ﷺ، وهو أكمل الناس خلقا وأعظمهم حلما، ليكون درسا خالدا لكل من يتعب من أذى الناس أو يرهقه الجدل العقيم. فالحياة أقصر من أن تهدر في إثبات نفسك لكل أحد، وأثمن من أن تستهلك في تتبع كلام الناس وتقلباتهم.

إن من أعظم نعم الله على الإنسان أن يرزقه قلبا يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى ينسحب حفاظا على سلامه الداخلي. فليس الانتصار الحقيقي أن تربح كل جدال، بل أن تربح نفسك، وتحافظ على نقاء قلبك، وتسير إلى الله بقلب سليم.

مساحة إعلانية