رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

195

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

الفوضى الفكرية المعاصرة.. وآفاق المعالجة

05 فبراير 2026 , 02:06ص

أصبحت الفوضى الفكرية إحدى السمات البارزة للعصر الحديث، لا بوصفها ظاهرة عابرة، بل كحالة بنيوية تتغلغل في الوعي الفردي والجمعي على حد سواء. فهي لا تتجلى فقط في تضارب الآراء أو تعدد الاتجاهات الفكرية، بل في اختلال منظومة الفهم ذاتها، وفي العجز عن بناء تصور متماسك للعالم والذات والقيم. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في كونها تُنتج وعيًا هشًا، قابلًا للتأثر السريع، وغير قادر على التمييز المنهجي بين المعرفة والرأي، أو بين الحقيقة والتأويل.

تنشأ الفوضى الفكرية، في أحد أهم أسبابها، من التسارع المعرفي غير المصحوب بتأهيل نقدي كافٍ. فقد أتاح التطور التقني ووسائل الإعلام الرقمية تدفقًا هائلًا للمعلومات والأفكار، متجاوزًا الحدود الجغرافية والثقافية، ومُلغيًا الوسائط التقليدية التي كانت تضطلع سابقًا بدور “الفلترة” المعرفية. ونتيجة لذلك، بات الفرد يتلقى في زمن قصير خطابات متناقضة في منطلقاتها ومرجعياتها، دون أن يمتلك الأدوات المفاهيمية أو المنهجية التي تمكّنه من تحليلها أو تقييمها.

ويزداد الأمر تعقيدًا حين تتحول المعرفة من غاية في ذاتها إلى وسيلة للهيمنة أو التوظيف الأيديولوجي. ففي سياق الفوضى الفكرية، تُنتزع المفاهيم من سياقاتها الأصلية، وتُعاد صياغتها بما يخدم مصالح سياسية أو اقتصادية أو ثقافية محددة. فتُستخدم مصطلحات مثل “العقلانية” أو “الحداثة” أو “الحرية” استخدامًا انتقائيًا، يُفرغها من مضمونها الفلسفي، ويحوّلها إلى شعارات خطابية قابلة للتأويل المتناقض. وهكذا، لا يعود الخلاف حول مضمون الفكرة، بل حول تعريفها ذاته.

كما ترتبط الفوضى الفكرية ارتباطًا وثيقًا بأزمة المرجعيات المعرفية. فالتشكيك في المرجعيات التقليدية – الدينية والفلسفية والأخلاقية – كان في جوهره جزءًا من مشروع نقدي مشروع يهدف إلى تحرير العقل من الجمود. غير أن هذا التشكيك، حين لا يُستكمل ببناء بدائل معرفية واضحة، ينقلب إلى حالة من الفراغ الفكري. وفي هذا الفراغ، تتعايش أفكار متنافرة دون إطار ناظم، ويُختزل التفكير في ردود أفعال آنية، لا في رؤى متكاملة.

ومن مظاهر الفوضى الفكرية أيضًا هيمنة النزعة النسبية المطلقة، التي تنكر وجود أي حقيقة موضوعية أو معايير معرفية مشتركة. فبينما تسهم النسبية المنضبطة في توسيع أفق الفهم واحترام التعدد، تؤدي النسبية المطلقة إلى تساوي جميع الآراء بغض النظر عن أسسها أو منهجها. وفي هذه الحالة، يفقد العقل قدرته على الترجيح، ويتحول النقاش الفكري إلى صراع انطباعات لا حوار حجج.

ولا يمكن إغفال دور المؤسسات التعليمية والثقافية في تكريس هذه الفوضى أو الحد منها. فحين يركّز التعليم على التلقين بدل التحليل، وعلى الكم بدل الكيف، فإنه يُخرّج أفرادًا يمتلكون معلومات متفرقة دون القدرة على تركيبها في نسق معرفي متماسك. كما أن غياب التربية على التفكير النقدي يجعل المتلقي عرضة للتبني غير الواعي للأفكار السائدة، أياً كان مصدرها أو اتجاهها.

في مواجهة هذه الظاهرة، لا يكمن الحل في الدعوة إلى فكر واحد أو مرجعية مغلقة، بل في إعادة الاعتبار للمنهج بوصفه أساسًا للتفكير. فالتفكير المنهجي لا يلغي التعدد، بل ينظمه، ولا يقمع الاختلاف، بل يضبطه بقواعد الحوار العقلي. كما أن ترسيخ ثقافة السؤال المعرفي – القائم على الفهم لا الاستفزاز – يشكّل خطوة جوهرية في تجاوز حالة التشوش الفكري.

إن الخروج من الفوضى الفكرية يتطلب مشروعًا ثقافيًا طويل الأمد، يبدأ من التعليم، ويمر بالإعلام، وينتهي بتعزيز المسؤولية الفردية في التعامل مع الأفكار. فالفكر ليس مادة استهلاكية عابرة، بل ممارسة واعية تتطلب جهدًا وانضباطًا وصبرًا. ومن دون هذا الوعي، سيظل الإنسان المعاصر يدور في حلقة مفرغة من التناقضات، عاجزًا عن بناء موقف فكري متماسك.

لا تمثل الفوضى الفكرية أزمة أفكار بقدر ما هي أزمة وعي ومنهج. فهي انعكاس لعصر سريع التغير، لم يمنح الإنسان الوقت الكافي لإعادة تنظيم أدوات فهمه. غير أن إدراك هذه الأزمة هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها. فحين يستعيد العقل ثقته بالمنهج، ويعيد للمفاهيم معناها، ويوازن بين الانفتاح والانضباط، يصبح قادرًا على تحويل التعدد من مصدر للفوضى إلى مصدر للثراء. وعندها فقط، يغدو التفكير فعلًا تحرريًا حقيقيًا، لا مجرد صدى للضجيج السائد.

مساحة إعلانية