رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في حياة الإنسان تتقاطع الأقدار على نحوٍ قد يفوق قدرة العقل على الفهم والتحليل. بعض ما يأتيك يفرحك، وبعضه يربكك، وبعضه يطرق باب قلبك بقوةٍ لا تملك أمامها سوى الصمت. وهنا يظهر الفارق بين من يُسْلِم أمره لله، ومن يقف في مواجهة قدرٍ لا يستطيع دفعه ولا تغيير وجهته. وقد تحدّث الشيخ الشعراوي – رحمه الله – في الكثير من خواطره عن هذا المعنى، مؤكّدًا أن العبد إذا نزل به ما يكره، وجب عليه ألا يغضب، بل أن يسلّم لِمَن دبّر الأمر، وأن يطمئن لأن الله لا يقضي إلا بما هو خير. فالإنسان بطبيعته يحب التحكم في التفاصيل وينزع للامتلاك والسيطرة، لكن الحكمة الإلهية تخرجه من هذا الوهم، وتعيده إلى إدراكٍ بالغ بأنّ ما يجري عليه ليس عشوائيًّا ولا بلا معنى، بل هو مقدَّرٌ بحسابٍ لا يطاله العقل البشري. وما دام الأمر كذلك، فإن مواجهته بالغضب أو التمرد لن تغيّره، بل تزيد الألم ألمًا، وتُثقل الروح بما لا طاقة لها به. إنّ التسليم ليس ضعفًا ولا استسلامًا سلبيًا، بل هو وعيٌ عميق بأنّ العبد لا يرى الصورة كاملة. قد تأتيك مصيبة فتضيق بها، ثم تكتشف بعد حين أنّ الله صرف بها عنك شرورًا أكبر، أو هيّأ لك من خلالها طريقًا جديدًا لم تكن لتسلكه لولا هذا الحدث. ولو كُشف لك وجه الحكمة في بعض ما تكره، لارتفعت يداك إلى السماء شاكرًا، بدلًا من أن تغضب أو تجزع. وهنا يتجلّى معنى مقولة الشعراوي: «إذا جاءك قدرٌ من الله لا يرضيك فلا تغضب، بل سلّم الأمر لمن لا يجري في ملكه إلا ما يريد.» هذه العبارة ليست مجرد موعظة، بل هي نموذج في التعامل مع الحياة. ففي لحظة البلاء، تتغير المقاييس؛ القوي يضعف، والضعيف قد يقوى، لكن الثابت في الحالتين أن ما كتبه الله هو الأصل، وأن الأقدار لا تخطئ طريقها. والعجيب أن من يسلّم لله يشعر براحةٍ لا يفهمها إلا من جرّبها. كأن الله يسكب على قلبه سكينةً خاصة، تكفيه ليقف على قدميه ويواصل الحياة وقد تخلّص من همّ الاعتراض وثقل التسخّط. بينما يبقى من يغضب أسيرًا للألم مرتين: مرةً بما نزل به، ومرةً بردّ فعله عليه. لقد أثبتت تجارب البشر عبر العصور أن التسليم لا يمنع السعي، ولا يعطل العقل، ولا يلغي مسؤولية الإنسان، بل يمنحه قدرةً إضافية على مواجهة الأحداث دون أن تنكسر روحه. فالقلب المطمئن بقضاء الله أقوى من القلب المذعور بما يخبّئه الغد. إن أعظم ما يمكن للإنسان أن يبلغه في علاقته بربه هو هذا اليقين: أن ما يقدّره الله لك، ولو كان في ظاهره ألمًا أو ضيقًا، فهو خيرٌ لك مما تختاره لنفسك. وحين تدرك ذلك، يصبح كل ما يأتيك من الله نورًا، وكل ما يصرفه عنك رحمة، وكل ما يؤخره عنك لطفًا. فسلّم… ولا تغضب، فما دام الله يدبّر أمرك، فلن يأتيك إلا الخير.
150
| 06 يناير 2026
حين نزل قول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ كان النداء صريحاً وقوياً ومزلزلاً، يحمل في حروفه وعيداً شديداً لمن يخدع أو يغش أو ينقص حقوق غيره. فكلمة “ويل” ليست مجرد تحذير عابر، بل هي كلمة توعد بالعذاب الشديد، وقيل إنها وادٍ في جهنم تستعيذ منه النار نفسها، مما يدل على أن التطفيف ليس خطأً بسيطاً، بل جريمة أخلاقية تهدم ميزان العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض. والمطففون ليسوا فقط الذين ينقصون الكيل والميزان في التجارة، بل كل من يأخذ حقه كاملاً ويعطي الناس منقوصاً، وكل من يظلم في شهادة أو قرار أو موقف، وكل من يبدي للناس وجهاً ويخفي عنهم حقيقة أخرى. فالتطفيف قد يكون في كلمة، وقد يكون في وعد، وقد يكون في معاملة أو مسؤولية أو أمانة، لأن روح الآية تقوم على مبدأ واحد: لا حقّ لك أن تنقص من حقّ غيرك شيئاً. وهذا المعنى العميق هو لبّ الرسالة التي يريد القرآن أن يغرسها في النفوس، لأن المجتمع الذي يشيع فيه التطفيف مجتمع يسوده الظلم، ويختل فيه ميزان العدالة، ويتلاشى فيه الشعور بالإنصاف. وحين يتوعد الله المطففين بالويل، فذلك لأن التطفيف يجمع بين الغش والخداع وأكل أموال الناس بالباطل، وهي صفات تحطم الثقة بين البشر وتفتح أبواب الفساد. فالإنسان المطفف يريد كل شيء كاملاً لذاته، ولا يعيره ناقصاً إلا للآخرين، وهذه الأنانية القاتلة هي بداية سقوط الأخلاق وسقوط الأمم. إن العدل الإلهي لا يترك المطفف مهما ظن أنه أفلت، فالله يمهل ولا يهمل، ومن ظن أن نقصه لحقوق الناس يمر دون حساب فهو واهم، فالأعمال تُعرض، والحقوق تُعاد، والظلم مهما خفي سيظهر يوم تُوضع الموازين القسط. وقد رأى الناس عبر العصور أن الظالم قد يعيش قوياً ولكنه لا يعيش مطمئناً، وأن من بنى حياته على التطفيف يسقط حين تتضح الحقائق وتنكشف الأقنعة، بينما يبقى العدل مرفوع الرأس مهما قلّ أهله. إن الآية الكريمة تضع الإنسان أمام مرآة نفسه، وتدعوه أن يقيس عدله قبل أن يُقاس، وأن ينتبه لكل موقف صغير قبل أن يصبح كبيراً في صحائفه، لأن التطفيف قد يبدو بسيطاً لكنه في ميزان الله عظيم. فالكلمة التي تُجامل بها أحداً على حساب الحق تطفيف، والوظيفة التي تؤخذ بلا أداء تطفيف، والصفقة التي تُزوّر فيها المواصفات تطفيف، وحتى الابتسامة التي تخفي خلفها غشاً هي تطفيف بمعناه الحقيقي. وما أجمل أن يعيش الإنسان بقلب عادل لا يظلم ولا يخدع ولا ينقص حقاً، لأن العدل ليس فقط سلوكاً وإنما نجاة، وهو الطريق الذي يجعل يومه مطمئناً وغده أخف حملاً. والآية جاءت لتذكّر البشرية كلها أن العدل أساس البقاء، وأن الله لا يرضى بانتقاص الحقوق ولا يقبل أن يعلو الإنسان بباطل على أخيه الإنسان. وهذه هي حقيقة الآية وجوهر رسالتها… فويل للمطففين، ونجاة لمن عدل، وعبرة لمن يعتبر.
243
| 04 يناير 2026
نحن اليوم لا نعيش زمنًا عاديًا من تواريخ البشر، بل نقف عند عتبة مرحلة مفصلية تتشكل فيها ملامح عالم جديد بهدوء، دون إعلان رسمي أو لحظة فاصلة. فالعالم لا يتغير فجأة كما نتصور، بل يتسلل التغيير إلى حياتنا اليومية خطوة خطوة، حتى نجد أنفسنا نعيش واقعًا مختلفًا كليًا عمّا اعتدناه، دون أن نشعر متى بدأ التحول. لسنا في عالم ينتظر التغيير، بل في عالم يعيد تعريف ذاته. أنماط الحياة، والعمل، والتفكير، والعلاقات الإنسانية تشهد تحولات عميقة لم يشهدها التاريخ بهذا التسارع. التكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت بيئة نعيش داخلها. الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، والمنصات الرقمية باتت تتداخل مع قراراتنا اليومية، وتؤثر في رؤيتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا. العالم الجديد لا يُبنى فقط بالاختراعات، بل بانهيار مسلّمات ظلت لعقود طويلة تشكل أساس الحياة. لم تعد الوظيفة الدائمة ضمانًا للاستقرار، ولم يعد النجاح مرهونًا بشهادة واحدة أو مسار تقليدي. الأجيال القادمة قد لا تعرف مفهوم “المهنة الواحدة” طوال العمر، بل ستنتقل بين مجالات متعددة تتغير بوتيرة سريعة، حيث تصبح المرونة والتعلم المستمر أهم من الخبرة الجامدة. وفي قلب هذا التحول، يبرز سؤال الإنسان ومكانته. فحين تستطيع الآلة أن تحلل، وتكتب، وتنتج، وتخطط، يثور القلق: ما الذي يتبقى للإنسان؟ والجواب ليس في الصراع مع التقنية، بل في العودة إلى جوهر الإنسان ذاته. فالقيم، والأخلاق، والضمير، والقدرة على الإبداع، والتعاطف الإنساني، كلها عناصر لا يمكن للآلة أن تستحوذ عليها مهما بلغت من تطور. لكن العالم الجديد لا يحمل وعودًا وردية فقط، بل يحمل تحديات عميقة. الفجوة بين من يملك المعرفة ومن يفتقر إليها تتسع، والخصوصية باتت مهددة، والإنسان أصبح مكشوفًا أكثر من أي وقت مضى. في المقابل، يشعر الفرد بالعزلة رغم وفرة وسائل التواصل، إذ تحولت العلاقات في كثير من الأحيان إلى تفاعلات سريعة تفتقر إلى العمق الإنساني. ويعيد هذا الواقع الجديد تعريف السلطة والنفوذ. لم تعد القوة محصورة في السلاح أو المال وحدهما، بل في القدرة على التحكم بالمعلومة، وتوجيه الوعي، وصناعة الرأي العام. من يملك البيانات، ومن يفهم الخوارزميات، يملك قدرة غير مرئية على التأثير في المجتمعات، دون حاجة إلى ضجيج أو استعراض. أما الهوية، فهي أكثر ما يتعرض للاختبار في هذا العالم المتغير. تتشظى الهوية بين ما نعيشه فعليًا وما نعرضه رقميًا، وبين ما نؤمن به وما يُتوقع منا إظهاره. وفي غياب الوعي، قد يضيع الإنسان بين صور مصقولة وأدوار افتراضية، بينما يفقد صلته بجذوره وقيمه الأصيلة. العالم الجديد أيضًا يفرض على الدول والمجتمعات إعادة ترتيب أولوياتها. لم تعد الثروات وحدها ضمانة للمستقبل، بل الاستثمار الحقيقي أصبح في الإنسان: تعليمًا، ووعيًا، وقدرة على الابتكار. المجتمعات التي لا تجعل التعليم مشروعًا وطنيًا مستدامًا، ستجد نفسها في موقع المتلقي لا الشريك، مهما بلغت إمكاناتها المادية. ولعل أخطر ما في انتظار هذا العالم الجديد، أن البعض يظنه أمرًا مؤجلًا، أو شأنًا خاصًا بالأجيال القادمة، بينما الحقيقة أننا نعيشه الآن. كل تأخير في الاستعداد هو شكل من أشكال الغياب عن المستقبل. فالزمن لا ينتظر المترددين، ولا يمنح الفرص لمن يكتفي بالمشاهدة. الاستعداد للمستقبل لا يكون بالخوف من التغيير، ولا بالانبهار الأعمى به، بل ببناء عقل نقدي قادر على الفهم والاختيار. أن نعلّم أبناءنا كيف يفكرون لا ماذا يحفظون، وكيف يتعاملون مع التقنية دون أن يفقدوا إنسانيتهم، وكيف يوازنون بين السرعة والتأمل، وبين الإنجاز والمعنى. وفي خضم هذا التحول، يبقى السؤال الأخلاقي حاضرًا بقوة: كيف نستخدم ما نملك من قوة معرفية وتقنية؟ هل نجعلها أداة للهيمنة أم وسيلة للشراكة؟ هل نخضع الإنسان للأنظمة أم نطوّر الأنظمة لخدمة الإنسان؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد ملامح العالم القادم، لا مستوى التقدم التقني وحده. في النهاية، العالم الجديد ليس قدرًا غامضًا ينتظرنا، بل نتيجة مباشرة لاختياراتنا اليوم. المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع. ومن يعي لحظة التحول، ويستعد لها بوعي وقيم، سيكون جزءًا من صناعته لا ضحية له. نعم نحن، في عالمٍ ينتظر عالمًا جديدًا، لكن الحقيقة الأعمق أن العالم الجديد ينتظر إنسانًا جديدًا: إنسانًا واعيًا، متوازنًا، متصالحًا مع قيمه، وقادرًا على أن يسير بثبات وسط سرعة الزمن. فهل نكون على قدر هذا الانتظار، أم نترك الغد يكتب قصته دوننا؟
255
| 01 يناير 2026
لم تعد الأسئلة الكبرى في عالم اليوم تدور حول متى تنتهي الأزمات، بل حول كيف ستُدار. فالعالم، وهو يقترب من عامي 2026 و2027، يقف عند مفترق طرق سياسي دقيق، تتشابك فيه الأزمات الدولية مع التحولات الاقتصادية والاضطرابات الداخلية في كبرى الدول، بما يثير تساؤلًا مشروعًا: هل نحن مقبلون على سنين عجاف سياسيًا؟ الحديث عن «السنين العجاف» لا يعني بالضرورة توقع حروب شاملة أو انهيارات مفاجئة، بل يشير إلى مرحلة جفاف في الحلول السياسية، وندرة في التسويات العادلة، وتراجع في منسوب العدالة الدولية، مقابل تصاعد منطق القوة وإدارة الأزمات بدل حلّها جذريًا. إنها سنوات يُدار فيها العالم بمنطق تقليل الخسائر لا تحقيق الإنجازات، وتُؤجل فيها القرارات المصيرية خشية كلفتها السياسية. لقد تركت السنوات الماضية إرثًا سياسيًا مثقلًا بالأزمات المؤجلة. حروب لم تُحسم، وصراعات لم تُحل، واتفاقيات سلام لم تكتمل، وأزمات اقتصادية جرى ترحيلها بدل معالجتها. من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، مرورًا بتوترات الممرات البحرية وصراعات النفوذ في آسيا، يبدو المشهد العالمي وكأنه يعيش حالة إنهاك سياسي عام، حيث تتداخل الملفات ويصعب فصل أزمة عن أخرى، وتغيب الرؤية الشاملة للحل. ما يزيد المشهد تعقيدًا هو عودة السياسة الواقعية الخشنة إلى الواجهة. فالعلاقات الدولية باتت تُدار بمنطق المصالح المجردة، بعيدًا عن القيم التي طالما رُفعت شعارات في المحافل الدولية. حقوق الإنسان، والقانون الدولي، والشرعية الأممية أصبحت تُستخدم بانتقائية، ما يضعف فرص التسويات العادلة ويجعل الدول المتوسطة والصغيرة أكثر عرضة للضغط والمساومة، ويُعمّق الشعور بعدم العدالة في النظام الدولي. وتدخل قوى دولية كبرى المرحلة المقبلة وهي تعاني من انقسامات داخلية واستقطاب سياسي حاد، ما ينعكس سلبًا على أدائها الخارجي. فحين ينشغل القرار السياسي بصراعات الداخل، تتراجع القدرة على اتخاذ قرارات دولية حاسمة، وتسود سياسات الانتظار والتردد، فتُدار الأزمات بدل إنهائها، وتبقى الملفات الكبرى معلّقة بلا أفق واضح، ما يطيل أمد المعاناة الإنسانية والسياسية. ولم يعد الاقتصاد منفصلًا عن السياسة، بل أصبح أحد أهم أدواتها. الطاقة، الغذاء، وسلاسل التوريد باتت أوراق ضغط سياسي تُستخدم في النزاعات الدولية. وفي عالم يعاني من تضخم الديون وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن أي أزمة اقتصادية تتحول سريعًا إلى أزمة شرعية سياسية داخل الدول، تهدد الاستقرار الاجتماعي وتزيد من حدة التوترات الداخلية، وتغذي موجات الاحتجاج وعدم الثقة بالمؤسسات. أما الدول النامية والمتوسطة، فهي الأكثر تأثرًا بسنوات الجمود السياسي العالمي. فهي تدفع كلفة الصراعات دون أن تكون طرفًا فيها، وتتأثر بتقلبات الاقتصاد العالمي، وتجد نفسها في هامش القرار الدولي. ومع ضعف آليات الحماية الدولية، تصبح هذه الدول أمام تحديات مركبة تتعلق بالتنمية والاستقرار والسيادة السياسية. ولا يمكن فصل هذه السنين العجاف المحتملة عن عجز النظام الدولي عن إصلاح ذاته. فالمؤسسات الدولية التي أنشئت لضمان التوازن والسلام باتت عاجزة عن مواكبة التحولات، في ظل غياب الإرادة السياسية لإعادة هيكلتها بما يعكس واقع العالم اليوم. هذا العجز يفتح المجال أمام سياسات الأمر الواقع، ويُضعف الثقة بالحلول متعددة الأطراف. ورغم قتامة الصورة، فإن وصف المرحلة بالسنين العجاف لا يعني غياب الأمل. فقد تعلّم العالم، بعد تجارب قاسية، كلفة الانفجار الشامل، ولم تعد الحروب الكبرى خيارًا قابلًا للتحمّل. كما بدأت بعض المناطق تبني مسارات تهدئة تقوم على الدبلوماسية وتوازن المصالح، إدراكًا منها أن الاستقرار بات ضرورة وجودية وليس خيارًا سياسيًا مؤقتًا. السنين العجاف في نسختها الحديثة لا تُقاس بعدد الحروب، بل بغياب الحلول، وتآكل الثقة في المؤسسات الدولية، وجمود القرار السياسي. والخطر الحقيقي لا يكمن في الانفجار المفاجئ، بل في استمرار هذا الجمود، لأن تراكم الإحباط وغياب العدالة يفتحان الباب لتحولات غير متوقعة. ويبقى السؤال الجوهري: هل يدخل العالم عام 2028 بنظام دولي أكثر عدالة وقدرة على التكيّف، أم بنظام أكثر هشاشة وعجزًا؟ الإجابة ستتحدد بقدرة الدول اليوم على تغليب الحكمة على القوة، والحلول على الأزمات، لأن حين تُجاع العدالة، تتكاثر الأزمات، حتى في زمن السلام.
237
| 30 ديسمبر 2025
لم تكن كأس العرب لكرة القدم مجرّد بطولة رياضية تُضاف إلى سجل المنافسات، بل جاءت بوصفها ملتقى عربيًا جامعًا، أعاد التذكير بما تستطيع الرياضة أن تصنعه حين تُدار برؤية إنسانية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. ففي الدوحة، لم تلتقِ المنتخبات العربية للتنافس فحسب، بل اجتمعت شعوب وثقافات ومشاعر، لتقدّم صورة مشرقة عن وحدة الهدف رغم اختلاف اللهجات والأعلام، في مشهدٍ تجاوز الرياضة إلى ما هو أعمق وأبقى. وقد لخّص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، جوهر هذا الحدث بكلمات موجزة وعميقة حين قال: «كأس العرب جسّدت مشاعر الأخوّة والاحترام». وهي مقولة لم تكن توصيفًا إنشائيًا، بل قراءة دقيقة لما شهده الجميع، داخل الملاعب وخارجها، من سلوك رياضي راقٍ، وتفاعل جماهيري حضاري، وتنظيم عكس وعي الدولة المستضيفة برسالة الرياضة ودورها الثقافي والإنساني. منذ اللحظات الأولى لانطلاق البطولة، بدت الصورة واضحة: تنظيم محكم، واستعدادات دقيقة، وترتيبات شاملة لم تترك شيئًا للصدفة. فقد تعاملت قطر مع كأس العرب باعتبارها مناسبة عربية جامعة، وليست مجرد بطولة تنافسية محدودة الزمن. لذلك، وُفّرت للمنتخبات المشاركة بيئة مثالية من حيث الملاعب الحديثة، ومرافق التدريب المتكاملة، والإقامة المريحة، والتنقّل السلس، بما يضمن تركيز اللاعبين على الأداء داخل الملعب، ويمنحهم شعورًا بالاحترام والتقدير. أما الجماهير، فقد كانت جزءًا أساسيًا من نجاح البطولة. إذ حظيت بتجربة متكاملة، بدأت من سهولة الوصول إلى الملاعب، ومرّت بالتنظيم الدقيق للدخول والخروج، وانتهت بأجواء احتفالية عكست كرم الضيافة القطري، وحرص المنظمين على أن تكون البطولة تجربة إنسانية قبل أن تكون حدثًا رياضيًا. وقد أسهم هذا التفاعل الجماهيري الواعي في خلق أجواء إيجابية انعكست على مستوى المباريات وروح المنافسة. ولم يقتصر نجاح البطولة على الجوانب التنظيمية فقط، بل امتد ليشمل الرسائل الثقافية والحضارية التي حملتها، حيث قدّمت نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه الرياضة حين تُوظَّف لتعزيز التقارب بين الشعوب، وترسيخ قيم الاحترام المتبادل، وتأكيد المشترك الإنساني قبل الاختلافات العابرة، في زمن تزداد فيه الحاجة إلى مثل هذه الرسائل الجامعة. اللافت في هذه النسخة من كأس العرب لم يكن فقط المستوى الفني المتصاعد للمنتخبات، بل المشهد العام الذي رافق البطولة؛ مشهد الجماهير المتجاورة رغم اختلاف الأعلام، واللاعبين المتصافحين بروح رياضية عالية، والأهازيج التي ارتفعت من المدرجات لتشكّل لوحة عربية واحدة، متنوّعة لكنها منسجمة. وهو مشهد يؤكد أن الرياضة، حين تُدار بعقلية مسؤولة، قادرة على بناء الجسور بدل تعميق الفوارق. وعلى مستوى التنظيم، أثبتت قطر مرة أخرى أنها تقف اليوم في مصاف الدول الرائدة في استضافة المنتديات والبطولات الرياضية الكبرى. فقد أظهرت خبرة واسعة في إدارة الحشود، وتنسيق الجداول، وتوظيف التقنيات الحديثة، إلى جانب الجاهزية الإعلامية التي أسهمت في نقل الحدث بصورة احترافية إلى الملايين من المتابعين في مختلف أنحاء العالم. هذه الخبرة التنظيمية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج سنوات طويلة من التخطيط والعمل المتواصل، والاستثمار في البنية التحتية الرياضية، وتطوير الكوادر الوطنية، وصياغة رؤية إستراتيجية جعلت من الرياضة إحدى أدوات التواصل الحضاري، ووسيلة لتعزيز الحضور الإقليمي والدولي لدولة قطر، وترسيخ مكانتها كمركز إقليمي موثوق لاستضافة الفعاليات الكبرى. كما أسهمت هذه البطولة في تعزيز ثقة الاتحادات والجهات الرياضية الدولية بقدرة قطر على إدارة الأحداث الكبرى، ليس فقط من حيث الإمكانات المادية، بل من حيث الفهم العميق لطبيعة هذه الفعاليات، ومتطلباتها التنظيمية، وأبعادها الثقافية والإعلامية، وهو ما ينعكس إيجابًا على مستقبل استضافة البطولات المختلفة. ويؤكد هذا النجاح أن قطر ماضية بثبات نحو ترسيخ مكانتها الرياضية مستقبلًا، مستندة إلى رؤية واضحة، وبنية تحتية متقدمة، وخبرة تنظيمية متراكمة، تجعلها قادرة على استضافة كبرى البطولات العالمية بكفاءة واقتدار. فالمستقبل الرياضي لدولة قطر لا يقوم على حدث واحد، بل على مسار متكامل يضع الرياضة في قلب التنمية، ويجعل منها جسرًا للتواصل، ومنصة للحوار، وعنوانًا للحضور الدولي المستدام. كما يعكس هذا التوجّه التزامًا طويل الأمد بتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز الشراكات الرياضية الدولية، والاستثمار في الإنسان قبل المنشآت، بما يضمن استدامة النجاح، واستمرارية الحضور القطري في المشهد الرياضي العالمي، ليس كمستضيف فحسب، بل كشريك فاعل في صناعة الرياضة الحديثة، وقيمها، ورسالتها الحضارية. وهو ما يعزز الثقة بأن التجربة القطرية ستظل نموذجًا يُحتذى، وقاعدة انطلاق لمبادرات رياضية مستقبلية تخدم المنطقة، وتفتح آفاقًا أوسع للتعاون، وتمنح الرياضة دورها الحقيقي في التقريب بين الشعوب. وتؤكد مكانة قطر كدولة رائدة في استضافة وتنظيم الأحداث الكبرى دائمًا.
405
| 28 ديسمبر 2025
في لحظةٍ فارقة من التاريخ الثقافي العربي، يبرز اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بوصفه إنجازًا يتجاوز حدود العمل اللغوي إلى آفاق أوسع تمسّ جوهر الهوية العربية ومسارها الحضاري. وقد عبّر حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى عن هذا المعنى العميق حين أكد أن اكتمال المعجم يُعد مظهرًا من مظاهر التكامل العربي المثمر، في إشارة تحمل دلالات ثقافية ومعرفية تتجاوز الظرف الآني إلى الرؤية الاستراتيجية للمستقبل. إن أهمية هذا المعجم لا تكمن فقط في كونه يوثق ألفاظ اللغة العربية عبر تاريخها الطويل، بل في كونه يعيد تعريف العلاقة بين العرب ولغتهم في زمن تتسارع فيه المتغيرات. فاللغة هنا ليست مجرد أداة تواصل، بل كيان معرفي يعكس مسيرة أمة بأكملها، بما شهدته من تحولات فكرية وثقافية وعلمية. ومن خلال تتبع نشأة الكلمات وتطور دلالاتها، يقدّم المعجم سردًا غير مباشر لتاريخ العقل العربي وتفاعله مع محيطه الإنساني. ويمثل هذا المشروع انتقالًا نوعيًا من التعامل العاطفي مع اللغة إلى التعامل العلمي المنهجي معها، حيث يعتمد على أسس بحثية دقيقة تستند إلى التوثيق والتحليل الزمني. وبهذا، يضع اللغة العربية في مصاف اللغات التي تمتلك معاجم تاريخية شاملة، ويكسر الصورة النمطية التي طالما حصرت العربية في إطار التراث الجامد. كما يعكس اكتمال المعجم نموذجًا عمليًا للتكامل العربي القائم على المعرفة، إذ شارك في إنجازه باحثون وخبراء من مختلف الدول العربية، اجتمعوا حول هدف علمي مشترك بعيدًا عن الخلافات والحدود. ويؤكد ذلك أن الثقافة يمكن أن تكون المدخل الأصدق للوحدة، وأن المشاريع المعرفية الكبرى قادرة على توحيد الجهود العربية. ومن الجانب المستقبلي، يفتح معجم الدوحة التاريخي آفاقًا واسعة أمام تطوير التعليم وصناعة المحتوى الرقمي والبحث العلمي، خاصة في ظل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تمثل المعاجم التاريخية قاعدة أساسية لفهم اللغة بدقة وعمق. ويتضح أن اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية ليس إنجازًا لغويًا فحسب، بل علامة فارقة في مسار العمل الثقافي العربي المشترك، ودليل حي على أن الاستثمار في المعرفة هو أساس النهضة الحقيقية. ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون الإشادة بالدور الريادي لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي جعل من دعم اللغة العربية والمشاريع الفكرية الكبرى ركيزة أساسية في مسيرة دولة قطر. وبرؤيته الحكيمة وإيمانه العميق بقيمة الهوية والإنسان، تحوّل هذا المعجم إلى منارة معرفية عربية، وسيبقى شاهدًا على مرحلة مضيئة من تاريخ الثقافة العربية، وعلى دور قطر، بقيادة سمو الأمير المفدى، في ترسيخ مكانة اللغة العربية وتعزيز حضورها عالميًا، ليكون إرثًا معرفيًا للأجيال القادمة ورمزًا للفخر لكل عربي يعتز بلغته وهويته.
234
| 23 ديسمبر 2025
يمثّل قرار رفع العقوبات المفروضة على الجمهورية العربية السورية الشقيقة، ولا سيما تلك الصادرة بموجب قانون «قيصر»، محطة مفصلية في مسار الأزمة السورية، وتحولًا بالغ الأهمية على الصعيدين الإنساني والسياسي. فبعد سنوات من القيود الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطن السوري، جاء هذا القرار ليكسر حلقة الحصار، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة يصبح فيها التعافي ممكنًا، والاستقرار هدفًا واقعيًا. وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لدولة قطر، بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بوصفه أحد أبرز الداعمين لرفع العقوبات، انطلاقًا من رؤية دبلوماسية إنسانية واعية. منذ فرض العقوبات، عبّرت دولة قطر عن موقف واضح يؤكد أن العقوبات الاقتصادية الشاملة لا تصنع حلولًا سياسية، ولا تحقق السلام المنشود، بل تُعمّق الأزمات الإنسانية، وتضاعف معاناة الشعوب، وتُضعف فرص الوصول إلى تسوية مستدامة. وانطلاقًا من هذا المبدأ، ظلّت القيادة القطرية تؤكد في مختلف المحافل الإقليمية والدولية أن رفع العقوبات ليس مكافأة سياسية، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل. وقاد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بحكمة وثبات، تحركًا دبلوماسيًا نشطًا جعل من ملف رفع العقوبات عن سوريا أولوية حاضرة في النقاشات الدولية. وخلال لقاءاته مع قادة الدول الشقيقة والصديقة، شدد سموه على أن استمرار العقوبات يُقوّض أي جهد لإحلال السلام، ويعيق إعادة الإعمار، ويحدّ من فاعلية العمل الإنساني، مؤكدًا أن السلام لا يمكن أن يُبنى على معاناة الشعوب أو خنق اقتصاداتها. وفي الإطار العربي، عملت دولة قطر، بتوجيهات سمو الأمير، على تعزيز التنسيق مع إخوانه من رؤساء الدول الشقيقة، إيمانًا بأن الموقف العربي الموحد يشكّل ركيزة أساسية في إعادة توجيه السياسات الدولية تجاه سوريا. وأسهم هذا الجهد الجماعي في إعادة طرح مسألة العقوبات بوصفها عبئًا إنسانيًا ثقيلًا، لا أداة فعّالة لتحقيق الاستقرار، ما مهّد الطريق نحو اتخاذ قرار رفعها. ولا يعني رفع العقوبات عن سوريا تجاهل تعقيدات المشهد السياسي، بل يمثل خطوة ضرورية لفك الخناق عن الاقتصاد، وتحسين الواقع المعيشي، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للحوار والمصالحة الوطنية. وهو ما ينسجم تمامًا مع الرؤية القطرية التي ترى أن الاستقرار الحقيقي يبدأ بتخفيف المعاناة، وإعادة الأمل، ودعم مسارات التعافي. كما توازى هذا الدور السياسي مع دعم إنساني قطري متواصل، حيث كانت دولة قطر في طليعة الدول التي قدمت المساعدات الإغاثية والطبية والتعليمية للشعب السوري، تأكيدًا على أن الدعوة إلى رفع العقوبات كانت موقفًا مبدئيًا مدعومًا بالفعل، لا مجرد خطاب سياسي. وفي المحصلة، فإن رفع العقوبات عن الجمهورية العربية السورية الشقيقة لم يكن حدثًا عابرًا، بل ثمرة رؤية قيادية حكيمة قادها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي جعل من الإنسان محور السياسة، ومن الحوار نهجًا ثابتًا، ومن السلام غاية لا تحيد عنها الدبلوماسية القطرية. لقد أثبتت دولة قطر، بقيادتها الرشيدة، أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بحجم الدول، بل بثبات المواقف، وصدق الالتزام، والقدرة على تحويل القيم الإنسانية إلى إنجازات سياسية ملموسة. وفي عالم تتشابك فيه المصالح، تظل قطر منحازة للإنسان أولًا، وساعية إلى سلامٍ عادل يفتح آفاق الأمل والاستقرار للشعوب العربية كافة.
372
| 22 ديسمبر 2025
يأتي اليوم الوطني لدولة قطر في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، بوصفه مناسبة وطنية تحمل أبعادًا تتجاوز حدود الاحتفال التقليدي، لتغدو مساحة واعية للتأمل في مسار الدولة، وطبيعة التحولات التي شهدتها، والأسس التي بُني عليها حاضرها. ففي هذا العهد، ارتبط اليوم الوطني بقراءة متأنية للتجربة القطرية الحديثة، وما حملته من دروس في الصمود، وحسن الإدارة، وبناء الثقة بين القيادة والمجتمع. لم يكن هذا العهد عابرًا في تاريخ الدولة، بل شكّل مرحلة فارقة واجهت فيها قطر اختبارات حقيقية مست جوهر السيادة والاستقلال والقرار الوطني. وقد أظهرت تلك المرحلة قدرة الدولة على التعامل مع التحديات بعقلانية واتزان، بعيدًا عن الانفعال أو الارتجال. ومن هنا، أصبح اليوم الوطني مناسبة لاستحضار تلك اللحظة التاريخية التي أعادت تعريف العلاقة بين الوطن وأبنائه، ورسخت مفهوم الاعتماد على الذات كخيار استراتيجي راسخ. في نهج الحكم، برزت قيادة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى بوصفها قيادة هادئة، واضحة الرؤية، تؤمن بأن بناء الدول لا يتحقق بالقرارات المتسرعة ولا بالشعارات العابرة، بل بالعمل المتراكم، والتخطيط طويل المدى، والالتزام الصارم بالمصلحة الوطنية. وقد انعكس هذا النهج على أداء مؤسسات الدولة، وعلى استقرار السياسات العامة، وعلى شعور المواطن بالطمأنينة تجاه مستقبل بلاده، حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا. ومن السمات البارزة لهذا العهد إعادة الاعتبار لمفهوم الإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها. فلم تعد التنمية تُقاس فقط بحجم المشاريع أو الأرقام الاقتصادية، بل بمدى انعكاسها على جودة حياة الفرد، وعلى قدرته على المشاركة في صناعة المستقبل. وقد تجلّى ذلك في الاستثمار في التعليم، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز الهوية الثقافية، وبناء مجتمع واثق بذاته ومؤمن بدوره. كما شهدت الدولة في هذه المرحلة تحولًا نوعيًا في رؤيتها للتنمية الشاملة، حيث جرى تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي والاستدامة الاجتماعية، وبين التحديث والحفاظ على الخصوصية الوطنية. هذا التوازن لم يكن سهلًا، لكنه عكس نضج التجربة القطرية وقدرتها على التوفيق بين متطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل. ويأتي اليوم الوطني ليجسد هذه الرؤية بوصفها مسارًا متكاملًا لا إنجازات منفصلة. وعلى الصعيد المجتمعي، تجلّى تماسك المجتمع القطري كأحد أبرز مكاسب هذا العهد، حيث أظهر المواطنون وعيًا عاليًا بطبيعة المرحلة، وقدرة على تجاوز الاختلافات، والالتفاف حول قيادة الدولة في اللحظات الحاسمة. هذا التلاحم لم يكن وليد ظرف مؤقت، بل نتيجة سياسات عززت الثقة المتبادلة، ورسخت الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الوطن. أما في المجال الخارجي، فقد نجحت قطر في ترسيخ حضورها كدولة ذات قرار مستقل، تنتهج سياسة متوازنة تقوم على الحوار، واحترام القانون الدولي، والدفاع عن مبادئها دون مساومة. وقد أكسبها هذا النهج احترامًا دوليًا، ومكانة متقدمة على الساحة الإقليمية والعالمية. وفي اليوم الوطني، يُستعاد هذا الحضور بوصفه أحد ملامح الهوية القطرية المعاصرة. ويحمل اليوم الوطني في هذا العهد رسالة واضحة مفادها أن الاستقرار ليس حالة جامدة، بل نتاج عمل مستمر، وإدارة واعية، وقدرة على استشراف المستقبل. فالدولة التي تعرف أولوياتها، وتستثمر في إنسانها، وتدير مواردها بحكمة، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى دوافع للتطوير. ولا يقتصر الاحتفاء بهذه المناسبة على استذكار ما تحقق، بل يمتد ليؤكد أن المسيرة الوطنية لا تزال مفتوحة على آفاق أوسع، وأن كل إنجاز يحمل في طياته مسؤولية جديدة. ومن هنا، يصبح اليوم الوطني محطة لتجديد الالتزام بالقيم التي قامت عليها الدولة، وتعميق الإيمان بدورها، وتعزيز الثقة بمسارها. وفي كل عام، يؤكد اليوم الوطني أن قطر، بقيادتها وشعبها، اختارت طريق البناء الهادئ، والعمل المتزن، والرؤية الواضحة. وهو يوم يعكس تجربة دولة أدركت أن قوتها الحقيقية تكمن في وعي مجتمعها، وتماسكه، وثقته بقيادته، أكثر مما تكمن في أي عنصر آخر. وهكذا، لا يُقرأ اليوم الوطني في عهد صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى بوصفه ذكرى تاريخية فحسب، بل باعتباره تعبيرًا متجددًا عن مشروع وطني متكامل، تشكّل بالصبر، وترسّخ بالحكمة، ويتجه بثبات نحو المستقبل، محافظًا على جوهره، ومفتخرًا بما أنجز، وواثقًا بما هو قادم.
390
| 18 ديسمبر 2025
لا يزال التعليم في كثير من مدارسنا وجامعاتنا قائمًا على نموذج قديم، جوهره الحفظ واسترجاع المعلومة، لا فهمها ولا توظيفها. ينجح الطالب حين يحفظ، ويتفوق حين يستظهر، ويحصل على الدرجات العليا كلما كان أكثر قدرة على تكديس المعلومات، لا على تفكيكها أو إعادة إنتاجها. هذا النموذج، الذي كان مناسبًا لعصور سابقة، أصبح اليوم عاجزًا عن مواكبة عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة. إن التعليم القائم على الحفظ ربما كان مناسبًا في زمن كانت فيه المعرفة محدودة، والوظائف تقليدية، وسوق العمل ثابتة المعالم. أما اليوم، فنحن نعيش عصر البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتقدمة، حيث لم تعد المعلومة بحد ذاتها ذات قيمة إن لم يُحسن استخدامها وتحليلها وتطويرها. العالم لا ينتظر من خريج الجامعات أن يكون ذا ذاكرة قوية، بل ينتظر عقلًا قادرًا على حل المشكلات، والتكيف مع المتغيرات، والتعلم الذاتي المستمر. المشكلة لا تكمن في الحفظ بوصفه أداة تعليمية، فالحفظ جزء من العملية التعليمية ولا يمكن الاستغناء عنه بالكامل، خصوصًا في المراحل الأولى. الإشكال الحقيقي هو تحويل الحفظ إلى غاية بدل أن يكون وسيلة. حين يُقاس تميز الطالب بقدرته على استرجاع النصوص حرفيًا في ورقة الامتحان، لا بقدرته على الفهم والتحليل والتطبيق، فإننا نُعده لعالم لم يعد موجودًا. كثير من خريجي المدارس والجامعات يكتشفون فجوة واسعة بين ما درسوه وما يواجهونه في الواقع العملي. يتخرج الطالب حاملاً شهادة، لكنه يفتقر إلى مهارات أساسية مثل التفكير المنطقي، العمل الجماعي، إدارة الوقت، أو حتى القدرة على التعبير عن أفكاره بوضوح. هذه الفجوة ليست خطأ الطالب، بل نتيجة طبيعية لمنظومة تعليمية ما زالت تعطي الأولوية للاختبارات النهائية على حساب المهارات الحياتية. في المقابل، سبقتنا دول كثيرة حين أعادت صياغة فلسفتها التعليمية. تحوّل التعليم هناك من قاعات صامتة إلى بيئات تفاعلية، ومن كتاب واحد إلى مصادر متعددة، ومن امتحان واحد إلى تقييم مستمر يعتمد على المشاريع والبحث والتجربة. الطالب في هذه النماذج لا يُسأل: ماذا حفظت؟ بل: ماذا فهمت؟ ماذا طبّقت؟ وكيف توصلت إلى النتيجة؟ إن العالم يتجه بقوة نحو تعليم يقوم على البرمجة، والبحث، والتجربة، والتفكير الإبداعي. الوظائف المستقبلية – كثير منها – لم تُخلق بعد، والتقنيات التي ستقود الاقتصاد العالمي ما زالت في طور التطور. فكيف نُعد أبناءنا لمستقبل مجهول بأدوات ماضٍ معروف؟ وكيف ننافس عالميًا إذا ظلّ نظامنا التعليمي يقيس النجاح بعدد الصفحات المحفوظة؟ المطلوب اليوم ليس تغيير المناهج فقط، بل تغيير العقلية التعليمية كاملة. نحتاج إلى معلم يوجّه لا يلقّن، وإلى طالب يُسائل لا يكتفي بالتلقي، وإلى جامعة تكون حاضنة للفكر والابتكار، لا مجرد محطة عبور نحو الشهادة. نحتاج إلى نظام تعليمي يشجّع الخطأ بوصفه خطوة في طريق التعلم، لا وصمة تُعاقب. إن الاستثمار الحقيقي في التعليم ليس في المباني أو الكتب فقط، بل في بناء عقلٍ ناقد، مرن، ومبدع. وحين ندرك أن العالم سبق مدارسنا وجامعاتنا لأنه غيّر طريقته في التفكير، سنفهم أن اللحاق به لا يكون بالشعارات، بل بإرادة إصلاح حقيقية تضع الفهم قبل الحفظ، والإنسان قبل المنهج، والمستقبل قبل الماضي.
438
| 16 ديسمبر 2025
يحل اليوم الوطني لدولة قطر في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، بوصفه مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي، لتصبح لحظة وطنية جامعة تستدعي التأمل في مسيرة دولة صنعت مكانتها بثبات، وبنت نموذجها الخاص القائم على الاستقلال، والوضوح، واحترام الذات الوطنية. فهو يوم لا يُستحضر فيه الماضي لمجرد الاستذكار، بل يُعاد فيه فهم التاريخ بوصفه أساسًا لصياغة الحاضر ورسم المستقبل.يرتبط هذا اليوم ارتباطًا وثيقًا بالمؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، طيب الله ثراه، الذي قاد مرحلة التأسيس في زمن كانت فيه التحديات الإقليمية حاضرة، والموارد محدودة، لكن الإرادة كانت صلبة، والرؤية واضحة. لقد أدرك المؤسس أن بناء الدولة لا يبدأ من الأرض وحدها، بل من وحدة الصف، ومن ترسيخ القرار المستقل، ومن احترام العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهي قيم شكلت جوهر الكيان القطري منذ نشأته.ولا يُنظر إلى اليوم الوطني على أنه ذكرى تاريخية ساكنة، بل باعتباره محطة وعي تُراجع فيها الدولة مسيرتها، وتستحضر الأسس التي قامت عليها، وتقيّم من خلالها ما تحقق من إنجازات، وما يتطلبه المستقبل من جهد ومسؤولية. فالدول التي تحافظ على حضورها واستمراريتها هي تلك التي تقرأ تاريخها بوعي، لا بعاطفة فقط، وتتعامل مع ذاكرتها الوطنية باعتبارها مصدر إلهام لا عبئًا رمزيًا.وعلى مدى العقود، انتقلت دولة قطر من مرحلة التأسيس إلى بناء مؤسسات الدولة الحديثة، ثم إلى ترسيخ التنمية الشاملة، وصولًا إلى مرحلة الحضور الفاعل والمؤثر إقليميًا ودوليًا. ولم يكن هذا التحول نتاج ظروف مواتية فقط، بل نتيجة تخطيط استراتيجي، وإدارة واعية للموارد، ورؤية أدركت مبكرًا أن الاستدامة لا تتحقق إلا بتوازن دقيق بين الاقتصاد، والمجتمع، والهوية. وقد أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا ببناء مؤسسات قوية وقادرة على أداء دورها بكفاءة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبادئ الشفافية والمسؤولية، بما يضمن الاستقرار السياسي والاجتماعي. كما شهدت البنية التحتية تطورًا نوعيًا، انعكس على جودة الحياة، وساهم في تهيئة بيئة داعمة للنمو والتنمية، دون أن يكون ذلك على حساب القيم الثقافية أو الخصوصية الوطنية. ويأتي الإنسان القطري في قلب هذه المسيرة، باعتباره الهدف الأول للتنمية وأداتها في آن واحد. فقد آمنت الدولة بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الموارد وحدها، بل في الإنسان القادر على التعلم، والتطوير، والمشاركة الفاعلة في بناء وطنه، لذلك، كان التركيز على التعليم، وبناء القدرات، وتمكين الشباب، نهجًا ثابتًا يعكس رؤية طويلة الأمد لمستقبل الدولة. وفي هذا الإطار، شكلت رؤية قطر الوطنية 2030 علامة فارقة في التخطيط التنموي، حيث وضعت مسارًا واضحًا للتنمية المستدامة، يقوم على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية، وحماية البيئة، مع الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم الثقافية. ويبرز اليوم الوطني أيضًا كفرصة للتأمل في قدرة دولة قطر على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بحكمة واتزان. فقد أثبتت التجارب أن قوة الدولة لا تُقاس بحجمها الجغرافي أو بعدد سكانها، بل بصلابة مؤسساتها، ووحدة شعبها، ووضوح سياستها، وقدرتها على اتخاذ القرار المستقل في اللحظات الفارقة. وفي ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، واصلت دولة قطر مسيرتها بثبات، معززة حضورها الدولي، ومتمسكة بثوابتها الوطنية، ومنفتحة على العالم بلغة الحوار والتعاون. إن الاحتفال باليوم الوطني لا يقتصر على المظاهر والفعاليات، بل يحمل في جوهره رسالة عميقة مفادها أن الوطن مسؤولية مستمرة، وأن الحفاظ على منجزاته واجب جماعي، وأن المستقبل لا يُترك للصدفة، بل يُبنى بالعمل، والانضباط، واستشعار الأمانة. وفي هذا اليوم المجيد، تتجدد مشاعر الفخر والانتماء، وتتوحد القلوب على حب قطر، وطنًا نعتز بتاريخه، ونثق بحاضره، ونؤمن بمستقبله. وطن أثبت أن الإرادة الواعية تصنع الفارق، وأن الوفاء للماضي لا يكتمل إلا بالعمل للحاضر والتخطيط للغد. كل عام وقطر بخير.. وطنٌ يمضي بثقة، ويكبر بوعي أبنائه، ويحفظ تاريخه وهو يصنع مستقبله بثبات.
141
| 14 ديسمبر 2025
تعكس موازنة الدولة للعام المالي 2026 جملة من المؤشرات الإيجابية التي تؤكد حرص الدولة على ترسيخ الاستقرار المالي، وفي الوقت نفسه المضي قدمًا في تعزيز مسار التنمية المستدامة، وفق رؤية متوازنة تراعي المتغيرات الاقتصادية العالمية وتحافظ على مكتسبات الداخل. وجاءت الموازنة في توقيت بالغ الأهمية، حيث يفرض الواقع الاقتصادي الإقليمي والدولي التعامل بحكمة مع الموارد، وهو ما يظهر جليًا في تبنّي نهج الانضباط المالي دون المساس بجودة الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين، بل مع تعزيزها وتطويرها بما يواكب تطلعات المرحلة. ومن أبرز ما يُحسب لموازنة 2026 تركيزها الواضح على توجيه الإنفاق نحو القطاعات الحيوية ذات الأثر المباشر في حياة المجتمع، وفي مقدمتها التعليم والصحة والخدمات البلدية والتنمية الاجتماعية، بما يعكس فهمًا عميقًا لأولوية الإنسان في سياسات الإنفاق العام. كما تحمل الموازنة بعدًا نوعيًا يتمثل في تعزيز كفاءة الإنفاق والانتقال من مفهوم الصرف إلى مفهوم العائد والأثر، بما يضمن أن تتحول المخصصات المالية إلى نتائج واقعية يشعر بها المواطن في جودة الخدمات والمرافق والبرامج الحكومية. وتعكس الموازنة استمرار الدولة في دعم القطاع العام بوصفه ركيزة الخدمات الأساسية، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص ليكون شريكًا فاعلًا في التنمية، وهو توجه يُسهم في تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستدامة المالية دون تحميل الموازنة أعباء إضافية غير ضرورية. وفي الجانب الاجتماعي، تؤكد موازنة الدولة التزامها بالحفاظ على التوازن الاجتماعي ودعم الشرائح المختلفة من المجتمع، من خلال استمرار برامج الرعاية الاجتماعية، وتمكين الشباب، وتحسين الخدمات الموجهة لكبار السن والمتقاعدين وذوي الاحتياجات الخاصة، بما يعزز التماسك الاجتماعي والاستقرار الأسري. أما على مستوى الخدمات البلدية والبيئية، فقد عكست الموازنة اهتمامًا متناميًا بتطوير المشهد الحضري، وتعزيز الاستدامة البيئية، في مؤشر واضح على أن جودة الحياة أصبحت جزءًا أصيلًا من التخطيط المالي للدولة. ولا يمكن إغفال ما تتمتع به موازنة 2026 من مرونة مالية تتيح للدولة التعامل مع أي مستجدات أو تقلبات اقتصادية محتملة، دون الإخلال بأولوياتها الأساسية أو التأثير على مسار التنمية، وهو ما يعكس خبرة متراكمة في إدارة المال العام. وفي المحصلة، تمثل موازنة الدولة للعام المالي 2026 تعليقًا عمليًا على نهج حكومي ناضج، يجمع بين الانضباط المالي، وحسن توجيه الموارد، وتعزيز التنمية المستدامة، لتكون موازنة تخاطب الواقع بثقة، وتستشرف المستقبل بتوازن.
153
| 13 ديسمبر 2025
تشهد العلاقات القطرية السعودية اليوم مرحلة متقدمة من النضج السياسي، تعكس إدراكًا عميقًا لدى البلدين لأهمية التعاون والتكامل في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. فالعلاقة بين الدوحة والرياض لم تعد تقتصر على التنسيق السياسي التقليدي، بل تطورت لتأخذ بعدًا استراتيجيًا تُترجم فيه الإرادة السياسية إلى شراكات عملية ومشاريع مستقبلية تخدم مصالح الشعبين والمنطقة بأسرها. وترتكز العلاقات بين دولة قطر والمملكة العربية السعودية على أسس ثابتة من الجغرافيا المشتركة، والعمق الاجتماعي، والمصالح المتبادلة، وهي عوامل رسخت عبر عقود من التفاعل والتواصل. وقد أثبتت هذه الأسس قدرتها على الصمود أمام مختلف المتغيرات، لتعود العلاقة اليوم أكثر توازنًا ونضجًا، قائمة على احترام الخصوصية الوطنية، وتغليب لغة الحوار، والسعي إلى بناء مستقبل مشترك. واعتمد البلدان خلال المرحلة الماضية نهجًا دبلوماسيًا هادئًا اتسم بالحكمة وضبط الخطاب، الأمر الذي أسهم في تهيئة بيئة سياسية مستقرة، وانتقال العلاقة من مرحلة التفاهم إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. هذا النهج عزز الثقة المتبادلة، وفتح المجال أمام معالجة الملفات المختلفة بروح مسؤولة بعيدة عن الضغوط الإعلامية أو الحسابات الآنية. ولا تقتصر أهمية التقارب القطري السعودي على الإطار الثنائي فحسب، بل تمتد لتشمل منظومة مجلس التعاون الخليجي ككل. فالتفاهم بين دولتين محوريتين يعزز من تماسك البيت الخليجي، ويدعم قدرة المجلس على التعامل مع القضايا الإقليمية، ويمنح المنطقة مساحة أوسع للاستقرار في ظل عالم تتزايد فيه الأزمات والتحديات. كما أظهرت مواقف البلدين تقاربًا واضحًا في الرؤى تجاه عدد من الملفات الإقليمية، مع ميل صريح لدعم الحلول السياسية، وتهدئة التوترات، وتغليب الدبلوماسية على التصعيد، إدراكًا لكلفة عدم الاستقرار على الأمن والتنمية في المنطقة. وعلى الصعيد الاقتصادي، تشهد العلاقات مرحلة متقدمة عنوانها التكامل وبناء المصالح المشتركة. فالتنسيق الاقتصادي بين الدوحة والرياض يفتح آفاقًا واسعة في مجالات الطاقة، والاستثمار، والتجارة، والنقل، ويسهم في تعزيز قدرة البلدين على مواجهة التحديات العالمية، خاصة في ظل ما يشهده الاقتصاد الدولي من تقلبات وتسييس متزايد. ويأتي في مقدمة هذه المرحلة الحدث البارز الذي شهده أمس الاول في مدينة الرياض، حيث وقَّع حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود ولي العهد، مشروع إنشاء القطار المشترك بين الدوحة والرياض، في خطوة تاريخية تمثل نقلة نوعية في مسار العلاقات بين البلدين. ولا يقتصر مشروع القطار المشترك على كونه وسيلة نقل حديثة، بل يحمل أبعادًا استراتيجية واقتصادية واجتماعية عميقة. فهو يعزز الربط بين عاصمتين محوريتين في الخليج، ويسهم في تسهيل حركة التنقل، وتنشيط التبادل التجاري والسياحي، ويدعم التكامل الاقتصادي بين البلدين، بما ينعكس إيجابًا على التنمية المستدامة. كما يجسد المشروع رؤية مشتركة للاستثمار في بنية تحتية متطورة عابرة للحدود، تتماشى مع الخطط التنموية الطموحة في كلا البلدين، وتسهم في تنويع مصادر الدخل، ورفع كفاءة النقل، وتحسين جودة الحياة، وترسيخ مفهوم الترابط الخليجي على أرض الواقع. وتكتسب هذه الشراكة أهمية مضاعفة في ظل محيط إقليمي يمر بمرحلة دقيقة، تتطلب من دوله بناء نماذج تعاون متوازن وقادر على الصمود. فالتفاهم القطري السعودي يشكل عامل توازن واستقرار، ويسهم في تقليل حدة الاستقطاب، ويعزز من قدرة المنطقة على إدارة شؤونها بعيدًا عن الضغوط الخارجية. إن العلاقات القطرية السعودية اليوم علاقات رؤية مستقبلية تقوم على تحويل الإرادة السياسية إلى مشاريع ملموسة، وفي مقدمتها مشروع القطار المشترك، الذي يمثل رمزًا لمرحلة جديدة من العمل الخليجي المشترك، قوامها الشراكة، والتكامل، والعمل من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. وحين تتحول الرؤى إلى مشاريع تخدم الإنسان وتعزز الاستقرار، يصبح التعاون خيارًا استراتيجيًا راسخًا، ويغدو المستقبل أكثر وضوحًا وثقة.
255
| 10 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة...
1512
| 14 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة...
825
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات...
813
| 13 يناير 2026
في خطوة تنظيميّة مهمّة تهدف إلى ضبط سوق...
624
| 14 يناير 2026
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس...
600
| 12 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي،...
588
| 15 يناير 2026
الوساطة أصبحت خياراً إستراتيجياً وركناً أساسياً من أركان...
570
| 09 يناير 2026
الوقوف على الأطلال سمة فريدة للثّقافة العربيّة، تعكس...
561
| 09 يناير 2026
تقابلت مع أحد الزملاء القدامى بعد انقطاع طويل،...
558
| 12 يناير 2026
في عالم تتسارع فيه المنافسة على استقطاب أفضل...
549
| 15 يناير 2026
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر...
504
| 14 يناير 2026
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في...
498
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية