رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بين المرونة والهوية العمرانية

حظيت التعديلات والإضافات الجديدة على الاشتراطات التخطيطية والمعمارية بترحيب واسع من المواطنين، لما حملته من حلول عملية ومرونة أكبر في البناء والتوسعة، بما يواكب احتياجات الأسرة القطرية ويعزز جودة الحياة. وتأتي هذه التعديلات في إطار حرص الدولة على تطوير البيئة العمرانية ومواكبة المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، بما يحقق الاستفادة المثلى من الأراضي السكنية ويمنح المواطنين خيارات أوسع عند التخطيط لمساكنهم أو تطويرها. ومن أبرز الجوانب الإيجابية لهذه التعديلات أنها تتيح مرونة أكبر في استغلال المساحات المتاحة ضمن ضوابط هندسية وتنظيمية واضحة، الأمر الذي يسهم في تلبية احتياجات الأسر المتزايدة، مع المحافظة على سلامة المباني وجودة التخطيط العمراني. كما تعكس هذه التحديثات رؤية متقدمة تهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الحديثة واحتياجات المواطنين، وهو ما يؤكد حرص وزارة البلدية على مراجعة الاشتراطات بصورة مستمرة بما يتوافق مع التطور العمراني الذي تشهده الدولة. ولا شك أن الجهود التي تبذلها وزارة البلدية بقيادة سعادة السيد عبدالله بن حمد بن عبدالله العطية وزير البلدية تستحق الإشادة والتقدير، لما لها من دور مهم في تطوير الأنظمة والإجراءات وتقديم حلول عملية تسهم في رفع مستوى جودة الحياة وتحقيق رضا المواطنين. كما أن لهذه التعديلات آثاراً إيجابية على الاستقرار الأسري، إذ تساعد الأسر على التكيف مع المتطلبات المتزايدة للأبناء والأحفاد، وتوفر حلولاً عملية للمساحات السكنية بما ينعكس إيجاباً على راحة الأسرة واستقرارها. ومن المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في دعم الحركة العمرانية والإنشائية وتشجيع المواطنين على تطوير مساكنهم والاستفادة من الإمكانات المتاحة وفق ضوابط واضحة ومحددة. ومع أهمية هذه المرونة، فإن المحافظة على المظهر العام للأحياء السكنية والهوية العمرانية للدولة تظل أولوية لا تقل أهمية عن تحقيق الاستفادة القصوى من العقارات. فنجاح أي تعديل تنظيمي يرتبط بقدرته على تحقيق التوازن بين التطوير والحفاظ على الطابع الجمالي الذي يميز المدن والمناطق السكنية في دولة قطر. إن التعديلات والإضافات الجديدة على الاشتراطات التخطيطية والمعمارية تمثل خطوة إيجابية ومهمة نحو تطوير البيئة العمرانية وتلبية احتياجات المواطنين بصورة أكثر مرونة وواقعية. ومع الترحيب بهذه التحديثات، يبقى من الضروري التأكيد على ألا تؤثر هذه التعديلات على المظهر العام والهوية العمرانية للأحياء السكنية، بما يحافظ على جمال المدن القطرية ويعزز جودة الحياة للأجيال الحالية والقادمة.

153

| 09 يونيو 2026

الحرب النفسية في الصراعات الحديثة

في أوقات الأزمات الكبرى لا تكون الحروب كلها بالصواريخ والطائرات، فهناك نوع آخر من الصراع لا يقل تأثيراً وخطورة، وهو الحرب النفسية. وما نشهده اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يمثل نموذجاً واضحاً لهذا النوع من المواجهات، حيث تتبادل الأطراف الرسائل السياسية والعسكرية والإعلامية في محاولة للتأثير على قرارات الخصم وإرادته قبل الوصول إلى مرحلة المواجهة المباشرة. فالولايات المتحدة تسعى إلى إظهار قدرتها على حماية المصالح الدولية وضمان استمرار حركة الملاحة والتجارة العالمية، وتؤكد باستمرار أنها تمتلك من الإمكانات العسكرية ما يمكنها من فرض الاستقرار متى ما رأت ذلك ضرورياً. وفي المقابل، تحرص إيران على التأكيد بأنها ما زالت تمتلك أوراق قوة مؤثرة، وأن موقعها الجغرافي وإمكاناتها العسكرية يمنحانها القدرة على الدفاع عن مصالحها والتأثير في مجريات الأحداث. وبين هذه الرسائل المتبادلة يعيش العالم حالة من الترقب والحذر، خاصة أن منطقة الخليج العربي تمثل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على أسواق النفط والغاز والتجارة الدولية. ولهذا السبب لا تنظر الدول الكبرى إلى ما يحدث باعتباره أزمة إقليمية فحسب، بل باعتباره قضية ترتبط بالاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق الدولية. ويمكن تحليل واقع الأمر الحالي بين ثلاثة مسارات: المسار الأول: أن يتمثل في نجاح الجهود السياسية والدبلوماسية في التوصل إلى تفاهمات مؤقتة تسمح بتهدئة الأوضاع وإعادة الاستقرار إلى الممرات البحرية، وهو الخيار الذي تفضله غالبية دول العالم لما يحمله من تجنب للخسائر والمخاطر. أما المسار الثاني: فيقوم على استمرار حالة الاستنزاف الحالية، حيث يبقى التصعيد الإعلامي والسياسي والعسكري ضمن حدود محسوبة دون الوصول إلى مواجهة شاملة. وهذا المسار قد يستمر لفترة من الزمن، لكنه يبقي المنطقة والعالم في حالة قلق دائم ويؤثر على الاستثمارات والأسواق. أما المسار الثالث: والأكثر حساسية فيتمثل في أن يؤدي استمرار التوتر وتعطل حركة الملاحة أو إمدادات الطاقة إلى تحرك دولي أكثر قوة وحزماً لإعادة الاستقرار وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية. فالتاريخ يؤكد أن المجتمع الدولي لا يقبل عادة بقاء الممرات الإستراتيجية مغلقة لفترات طويلة لما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واسعة النطاق. ومن وجهة نظري، فإن ما يجري حالياً هو مرحلة اختبار للإرادات أكثر منه سعياً إلى حرب شاملة. فكل طرف يحاول إقناع الآخر بأنه قادر على الصمود وتحمُّل الضغوط لفترة أطول. غير أن استمرار هذا الوضع إلى ما لا نهاية يبدو أمراً صعباً، لأن تكلفة التوتر لا تقتصر على طرف دون آخر، بل تمتد إلى المنطقة بأكملها وإلى الاقتصاد العالمي. وإيران في هذه الحرب النفسية، تسعى إلى إظهار قدرتها على مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، وإقناع خصومها بأنها لا تزال لاعباً مؤثراً في المنطقة. كما تعتمد على توجيه رسائل متعددة تؤكد استعدادها للدفاع عن مصالحها وعدم التراجع تحت الضغط، في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ على توازن دقيق بين إظهار القوة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تكون مكلفة للجميع. وفي الخلاصة تؤكد هذه الأزمة أن الحرب النفسية أصبحت أداة رئيسية في إدارة الصراعات الحديثة، وأن الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران لا تستهدف فقط الخصم المباشر، بل تؤثر أيضاً في حسابات الدول والأسواق والرأي العام العالمي. وبين احتمالات التهدئة والتصعيد، يبقى الخيار الأكثر عقلانية هو تجنب الانزلاق إلى مواجهات أوسع قد يدفع الجميع ثمنها. لذلك، فإن الحاجة اليوم أصبحت أكثر إلحاحاً إلى خفض التصعيد، وتفعيل قنوات الحوار والدبلوماسية، وتغليب لغة السلام على لغة التهديد والمواجهة. فاستقرار المنطقة ليس مكسباً لطرف دون آخر، بل مصلحة مشتركة تخدم شعوبها والعالم بأسره. ومهما بلغت حدة الخلافات، فإن التفاهم والحلول السياسية تظل الطريق الأقصر والأقل تكلفة لتحقيق الأمن والاستقرار الدائمين.

582

| 07 يونيو 2026

رحلتي وعودتي من الحج.. ذكريات لا تغيب

عندما غادرت أرض الوطن متوجهاً إلى الديار المقدسة، كنت أحمل شوقاً طال انتظاره إلى بيت الله الحرام، لكنني عدت من الحج أحمل ما هو أعظم من الذكريات؛ عدت بقلب أكثر قرباً من الله، ونفس أكثر طمأنينة، وإيمان متجدد بأن هذه الشعيرة العظيمة ليست رحلة أيام معدودة، بل محطة عمر تترك آثارها في الإنسان ما بقي حياً. في رحاب المشاعر المقدسة تتساوى الوجوه واللغات والأوطان، ويلتقي الجميع تحت راية واحدة مرددين «لبيك اللهم لبيك»، فتذوب الفوارق وتبقى حقيقة واحدة هي أن الإنسان مهما بلغ من مكانة أو جاه فإنه يقف بين يدي خالقه مجرداً من كل شيء إلا عمله الصالح. وفي هذه المناسبة، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر ممثلة بمكتب شؤون حجاج دولة قطر، على ما بذلته من جهود كبيرة في تنظيم شؤون الحجاج ورعايتهم ومتابعتهم منذ مغادرتهم أرض الوطن وحتى عودتهم سالمين، وهي جهود تستحق كل الثناء والتقدير. كما أتوجه بالإشادة إلى المملكة العربية السعودية الشقيقة قيادةً وحكومةً وشعباً، على ما قدمته من خدمات متطورة وإمكانات هائلة سخرتها لخدمة ضيوف الرحمن. فقد لمسنا حسن الاستقبال والتنظيم وسهولة الإجراءات وجودة الخدمات المقدمة في مختلف المشاعر المقدسة، إلى جانب المعاملة الطيبة التي عكست أصالة الشعب السعودي وكرمه وحرصه على خدمة الحجاج وتوفير سبل الراحة لهم. ومن الإنصاف أن أسجل كلمة حق في حق حملة الهدى للحج بقيادة الأخ الفاضل عبدالرحمن الحمادي، فقد أثبتت الحملة أن خدمة الحاج ليست مجرد ترتيبات إدارية، بل رسالة إنسانية وأخلاقية سامية. لقد لمس الحجاج روح الاحترام والاهتمام والمتابعة المستمرة من جميع أعضاء الحملة والإداريين والمشرفين الذين عملوا بإخلاص وتفانٍ لتوفير أقصى درجات الراحة والطمأنينة للحجاج. وقد انعكست جودة التنظيم وحسن الإدارة على نجاح الرحلة وتمكين الحجاج من أداء مناسكهم في أجواء يسودها الهدوء والسكينة، كما كان لاستقبال الحملة للحجاج العائدين إلى أرض الوطن بعد انتهاء المناسك أثر بالغ في نفوس الجميع، حيث جسد هذا الاستقبال روح الوفاء والاهتمام التي رافقت الحجاج منذ بداية الرحلة وحتى نهايتها. إن رحلة الحج ستبقى ذكرى خالدة في الوجدان، ليس فقط لما تحمله من معانٍ إيمانية عظيمة، بل لما شهدناه من جهود مخلصة وتعاون صادق من جميع الجهات التي سخرت إمكاناتها لخدمة ضيوف الرحمن. أجدد الشكر لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، وللمملكة العربية السعودية قيادةً وحكومةً وشعباً، ولحملة الهدى للحج وجميع القائمين عليها، على ما قدموه من جهود مخلصة وخدمات راقية أسهمت في إنجاح هذه الرحلة المباركة. نسأل الله أن يتقبل من الحجاج حجهم، وأن يعيد الجميع إلى بيته الحرام مرات عديدة في أمن وإيمان وصحة وعافية.

591

| 02 يونيو 2026

أبواب لم تعد تُطرق

في الماضي، لم يكن صوت طرق الباب يثير القلق أو التساؤل كما يحدث اليوم، بل كان يحمل شعوراً مختلفاً؛ زيارة عفوية، جار مرّ للاطمئنان، قريب جاء بلا موعد، أو صديق قرر أن يشارك لحظة بسيطة دون ترتيبات مسبقة. أما الآن، فقد أصبح كثير من الناس ينظرون إلى الطرق على الباب وكأنه اقتحام لمساحتهم الخاصة، حتى لو كان القادم شخصاً قريباً منهم. تغير المجتمع بهدوء دون أن ينتبه كثيرون إلى حجم هذا التغير. فالبيوت ما زالت قائمة، والعلاقات ما زالت موجودة بالاسم، لكن طبيعة التواصل نفسها تبدلت. أصبح الإنسان يفضل الرسالة السريعة على اللقاء، والمكالمة المختصرة على الجلسة الطويلة، حتى تحولت العلاقات الاجتماعية تدريجياً إلى تواصل إلكتروني أكثر منها علاقة إنسانية حقيقية. الغريب أن الناس اليوم يملكون وسائل تواصل أكثر من أي وقت مضى، لكن العلاقات أصبحت أقل دفئاً. فالكثير يعرف أخبار أشخاص بعيدين عبر الهاتف، بينما قد تمر أيام دون حديث حقيقي مع جار أو قريب يعيش على بعد أمتار قليلة. حتى الزيارات العائلية التي كانت جزءاً ثابتاً من الحياة الاجتماعية، أصبحت تحتاج أحياناً إلى تنسيق مسبق وكأنها اجتماع رسمي. ولا يتعلق الأمر فقط بضيق الوقت، بل بتغير مفهوم الراحة الاجتماعية. فبعض الناس أصبح يشعر أن العزلة أكثر راحة من الالتزام بالعلاقات، وأن الهاتف يمنحه مساحة للهروب من اللقاءات المباشرة وما تحمله من مسؤوليات اجتماعية أو مجاملات أو أحاديث طويلة. ومع مرور الوقت، بدأت العلاقات تفقد عفويتها القديمة. اختفت الجلسات المفاجئة، وضعف حضور الجار، وأصبح كثير من الأطفال يعرفون أسماء مشاهير مواقع التواصل أكثر مما يعرفون جيرانهم أو حتى بعض أقاربهم. والأخطر أن هذا التحول لا ينعكس فقط على شكل العلاقات، بل على الإحساس الداخلي بالطمأنينة والانتماء. فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الشعور بأنه جزء من مجتمع حي، يسمع فيه صوت الناس ويرى وجوههم ويتبادل معهم تفاصيل الحياة اليومية، لا أن يعيش داخل دائرة مغلقة تحيطها الشاشات والصمت. ورغم أن الحياة الحديثة فرضت إيقاعاً مختلفاً، فإن الإنسان لا يستطيع أن يستبدل التواصل الحقيقي بالكامل بعالم افتراضي مهما بدا مريحاً. فالرسائل مهما كثرت لا تعوض دفء اللقاء، والصوت عبر الهاتف لا يشبه جلسة صادقة تجمع الناس دون تكلف أو مواعيد مسبقة. وربما لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي أعادت بها تشكيل العلاقات الإنسانية دون أن نشعر. فحين يخاف الناس من الطرق على الأبواب، فالمسألة لا تتعلق بالباب وحده، بل بعلاقة كاملة بدأت تبتعد بهدوء عن معناها القديم. قد لا نستطيع إعادة الزمن القديم كما كان، لكننا نستطيع أن نحافظ على ما تبقى من روح العلاقات الإنسانية قبل أن تتحول البيوت إلى أماكن صامتة، والجيران إلى أسماء مجهولة، والأقارب إلى أرقام في الهاتف. فالحياة لا تُقاس بعدد المتابعين والرسائل، بل بعدد الوجوه التي تشعر بالراحة حين تراها، والأبواب التي ما زالت تُفتح بمحبة دون خوف أو تردد.

540

| 21 مايو 2026

لبنان المنسي.. يستغيث

لبنان ذلك البلد العربي الصغير بمساحته، الكبير بتاريخه وثقافته وحضوره في الوجدان العربي. بلدٌ عرفه العالم بأنه أرض الحضارة والفكر والفن والتعليم، واحتضن على مدى عقود واحدة من أهم البيئات الثقافية والإعلامية في المنطقة. من بيروت التي سُمّيت يوماً “باريس الشرق”، إلى جباله وقراه وشعبه المعروف بحبه للحياة، ظل لبنان رغم كل أزماته رمزاً للصمود والانفتاح والتنوع. لكن هذا البلد العريق يقف اليوم أمام واحدة من أصعب مراحله، في ظل الحرب الإسرائيلية التي ألقت بثقلها على أرضه وشعبه، وسط صمت عربي ودولي يثير كثيراً من التساؤلات. فالمشهد لم يعد مجرد توتر عابر، بل أصبح واقعاً يومياً من القصف والخوف والنزوح والدمار. القرى والمناطق اللبنانية تعيش تحت ضغط مستمر، والأبرياء هم من يدفعون الثمن الأكبر. أطفال يفقدون الأمان، ونساء يهربن من القصف، وشيوخ ينتظرون المساعدة في ظروف معيشية واقتصادية صعبة يعيشها لبنان منذ سنوات. وكأن هذا البلد لم يكفه ما مر به من أزمات مالية وسياسية حتى يجد نفسه مرة أخرى وسط النيران. المؤلم في المشهد ليس الحرب وحدها، بل حالة الغياب العربي الواضحة. أين جامعة الدول العربية؟ وأين المواقف التي تعبر عن الحد الأدنى من التضامن العربي؟ بل أين المنظمات الحقوقية والإنسانية من مشاهد القتل والدمار التي تتكرر يومياً؟ إن البيانات وحدها لم تعد تكفي أمام ما يحدث على الأرض. لبنان لم يكن يوماً بعيداً عن محيطه العربي، بل كان دائماً حاضراً بثقافته وإعلامه وأدبه وفنه، ومؤثراً في مختلف القضايا العربية. وما يحدث اليوم لا يهدد لبنان وحده، بل يهدد استقرار المنطقة بأكملها، لأن اتساع دائرة الحرب يعني فتح أبواب جديدة للتوتر وعدم الاستقرار. ورغم كل هذه الظروف، ما زال الشعب اللبناني يحاول التمسك بالحياة، كما اعتاد دائماً بعد كل أزمة وحرب. لكنه اليوم يحتاج إلى دعم حقيقي وموقف جاد يوقف هذا النزيف، ويحمي المدنيين، ويعيد لهذا البلد حقه في الأمن والاستقرار. لبنان اليوم يستغيث، لا طلباً للتعاطف فقط، بل طلباً لموقف ينقذ وطناً عربياً عريقاً أنهكته الحروب، وترك وحيداً يواجه مصيراً مجهولاً.

201

| 19 مايو 2026

السلوكيات اليابانية وواقعنا الخليجي

تجربة اليابان في النظافة والانضباط ليست مجرد صورة جذابة يتداولها الناس في وسائل التواصل، بل هي نموذج حضاري يمكن لأي مجتمع الاستفادة منها إذا أراد الارتقاء بواقعه اليومي. والسؤال: هل نستطيع نحن في دول الخليج الاستفادة من سلوكيات اليابانيين؟ الإجابة المؤكدة: نعم، ويمكن أن يكون الأثر أسرع مما نتوقع إذا بدأنا بالطريقة الصحيحة. فالأساس الأول في التجربة اليابانية هو ترسيخ فكرة المسؤولية الفردية قبل كل شيء. في اليابان لا ينتظر الشخص موظف البلدية ليقوم بالمهمة، ولا يعتمد على وجود عامل نظافة في الشارع، بل يرى أن الحفاظ على المكان واجب عليه هو قبل غيره. هذه الفكرة لو أصبحت جزءًا من ثقافتنا اليومية، فإن الشوارع ستتغير، والمرافق ستبقى نظيفة، وستنخفض التكاليف التشغيلية بشكل كبير دون الحاجة إلى حملات موسمية سرعان ما تتراجع نتائجها. ومن أهم ما يمكن الاستفادة منه أيضًا هو التركيز على الطفل والمدرسة. فالطالب الياباني هو الذي ينظف فصله وممرات المدرسة، ليس لأنه مجبر، بل لأن المنهج الدراسي نفسه يغرس هذا السلوك باعتباره قيمة حضارية. ولو طُبّق جزء من هذا النهج في مدارسنا مثل أن ينظف الطالب طاولته أو يشارك مع زملائه في ترتيب الصف - لظهرت نتائج إيجابية خلال سنوات قليلة، إذ تنشأ أجيال تحترم المكان العام وتُدرك أن النظافة ليست مهمة جهة معينة بل مسؤولية الجميع. أما احترام المرافق العامة فهو درس آخر مهم يمكن نقله بسهولة. في اليابان تبدو دورات المياه العامة وكأنها داخل فندق فاخر، ومع ذلك لا أحد يفسدها أو يتركها في حالة سيئة، لأن المجتمع يرى أن إهمال المكان العام تصرف غير مقبول. وإذا استطعنا ترسيخ هذا المفهوم في مجتمعنا من خلال الإعلام، والتوعية، والقوانين، وغرس القدوة - فإن مستوى المرافق سيرتفع تلقائيًا وستصبح بيئتنا أكثر جودة وراحة للجميع. ولا يمكن تجاهل جانب الانضباط والتنظيم، وهو عنصر رئيسي في نجاح اليابانيين. فمن احترام الوقت إلى ترتيب الطوابير، ومن الصمت في وسائل النقل إلى الحركة المنظمة في الشوارع، كلها تفاصيل تصنع مجتمعًا يسير بانسجام. وهذا السلوك لو طُبّق في بيئتنا، سيخفف الازدحامات، ويحسّن الخدمات، ويرفع كفاءة المؤسسات، ويجعل الحياة اليومية أكثر سلاسة. الجميل أن هذه الدروس لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة أو مشاريع معقدة، بل تحتاج إلى إرادة مجتمعية تبدأ بالأسرة والمدرسة وتُعزَّز عبر الإعلام وتُدعم بسياسات واضحة. فاليابان نجحت ليس لأنها دولة غنية فقط، بل لأنها دولة بنَت إنسانًا يحمل سلوكًا مسؤولًا يشعر أنه جزء من المكان، وأن ما يتركه خلفه يعكس صورته وصورة وطنه. إن الاستفادة من التجربة اليابانية ممكنة ومجدية، بل هي ضرورة إذا أردنا بناء بيئة حضارية متطورة تتناسب مع طموحات دول الخليج ورؤية قطر الوطنية 2030. فالتقدم الحقيقي يبدأ من سلوك بسيط كالتزام النظافة، واحترام الوقت، والمحافظة على المرافق، وهذه اللبنات الصغيرة هي التي تبني الأمم قبل ناطحات السحاب والطرق الحديثة. اليابان ليست معجزة، لكنها نموذج يُثبت أن السلوك الجيد قادر على صناعة الفرق، وأن المجتمعات ترتقي عندما يتحمل كل فرد دوره بإخلاص ومسؤولية.

501

| 16 مايو 2026

التفكك الأسري.. أزمة صامتة

يمثل التفكك الأسري أحد أبرز التحولات الاجتماعية التي برزت في المجتمعات المعاصرة، لا سيما في البيئات التي عُرفت تاريخيًا بقوة الروابط العائلية. ولم يعد التفكك يقتصر على الطلاق أو الانفصال الرسمي، بل أصبح يظهر في صورة جفاء عاطفي، وضعف في الحوار، وتصاعد في النزاعات، بل وفي بعض الحالات إنكار الأبناء لسلطة الوالدين أو ضعف البر بهما. خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في بعدها الفردي فحسب، بل في آثارها الممتدة على الاستقرار الاجتماعي والهوية الثقافية. ومفهوم التفكك الأسري هو حالة من ضعف الترابط العاطفي والتواصل الفعَّال بين أفراد الأسرة، مع تراجع الإحساس بالانتماء وغياب وضوح الأدوار داخل المنزل. قد تعيش الأسرة تحت سقف واحد، لكنها تعاني من عزلة داخلية وصمت طويل يحل محل الحوار. في هذه الحالة تتحول الأسرة من كيان داعم إلى إطار شكلي يخلو من الدفء الحقيقي. ومن التحولات المؤثرة فقد شهدت المجتمعات الخليجية انتقالًا سريعًا من نمط الحياة التقليدي إلى نمط حديث قائم على السرعة والانشغال الدائم. أدى ذلك إلى تقليص الوقت المخصص للأسرة، وارتفاع الضغوط الاقتصادية والنفسية. كما لعبت الثورة الرقمية دورًا بارزًا في إعادة تشكيل العلاقات داخل البيت؛ إذ أصبح لكل فرد عالمه الخاص عبر الأجهزة الذكية، مما قلل من فرص التفاعل المباشر. إلى جانب ذلك، تغير مفهوم السلطة الوالدية. لم تعد الطاعة المطلقة مقبولة كما في السابق، بل حل محلها نموذج قائم على النقاش والمساءلة. هذا التحول إيجابي بطبيعته، لكنه يحتاج إلى مهارات حوار متقدمة حتى لا يتحول إلى صدام دائم. كذلك فإن التركيز المفرط على النجاح الأكاديمي والإنجاز المادي أضعف الاستثمار في الجانب العاطفي، فغابت مهارات التعبير عن المشاعر والاستماع المتبادل. الأسباب النفسية والسلوكية من أبرزها تراكم الخلافات دون معالجة، استخدام النقد بدل الاحتواء، المقارنة بين الأبناء، وغياب التقدير. في مرحلة المراهقة تحديدًا، يحتاج الأبناء إلى مساحة آمنة للتعبير عن الذات. وعندما لا يجدون هذه المساحة داخل الأسرة، قد يتجهون إلى الانسحاب أو التمرد. كما أن ضعف التواصل يولد شعورًا بعدم الفهم، ما يضعف الروابط تدريجيًا. ومن مظاهر التفكك تتجلى مظاهره في العزلة داخل المنزل، النزاعات المتكررة، ضعف الاحترام المتبادل، وانعدام المشاركة في اتخاذ القرارات. قد يظهر التفكك في صورة صمت طويل، أو استخدام ألفاظ جارحة، أو غياب الاهتمام بالمناسبات العائلية. هذه المؤشرات الصغيرة إذا لم تُعالج مبكرًا قد تتراكم لتصبح فجوة يصعب ردمها. وحول الآثار المجتمعية يمتد تأثير التفكك إلى زيادة السلوكيات السلبية، وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وضعف الانتماء الاجتماعي. الأسرة هي الوحدة الأساسية في بناء المجتمع، وأي خلل في بنيتها ينعكس على الاستقرار العام. كما أن ضعف الرقابة الأسرية قد يفتح المجال أمام التأثر بأفكار متطرفة أو سلوكيات منحرفة، ما يشكل تحديًا طويل المدى. ولمسارات معالجة التفكك الأسري لا تتطلب حلولًا معقدة بقدر ما تحتاج إلى وعي وإرادة. أولى الخطوات إعادة بناء الحوار الأسري عبر جلسات منتظمة يُسمح فيها لكل فرد بالتعبير عن رأيه دون خوف. كما ينبغي تعزيز التربية العاطفية من خلال تعليم مهارات الاستماع والتعاطف، وإشعار الأبناء بقيمتهم داخل الأسرة. تقنين الاستخدام الرقمي خطوة مهمة أيضًا، من خلال تخصيص أوقات خالية من الأجهزة لإحياء التواصل المباشر. كذلك يجب إعادة تعريف السلطة الوالدية باعتبارها قيادة قائمة على القدوة والاحترام، لا على القسوة. وعند تعقّد المشكلات، فإن اللجوء إلى الإرشاد الأسري والنفسي يعكس وعيًا ومسؤولية، لا ضعفًا. الخلاصة، إن التفكك الأسري ليس قدرًا حتميًا، بل نتيجة عوامل يمكن التعامل معها بالوعي والتخطيط. تبدأ إعادة بناء الأسرة بخطوات بسيطة: وقت مشترك، كلمة طيبة، واستماع صادق. وعندما تعود لغة الحوار والرحمة إلى البيت، يعود التماسك تدريجيًا، ويستعيد المجتمع أحد أهم مصادر قوته واستقراره.

273

| 14 مايو 2026

البلاء نقمة... والابتلاء نعمة

البلاء نقمة والابتلاء رحمة تقلب حياة الإنسان بين العافية والمرض والغنى والفقر والفرح والحزن وهذه سنن لا تتبدل لأن الدنيا دار امتحان لا دار جزاء، كما قال تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين. غير أن كثيرًا من الناس يخلطون بين البلاء والابتلاء فيظنون أن كل المصائب غضب ونقمة بينما الحقيقة أن هناك فرقًا واضحًا بينهما، فالبلاء في الغالب عقوبة على الذنوب والمعاصي، كما قال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. فهو تنبيه ورحمة قبل الحساب الأكبر أما الابتلاء فهو امتحان للصالحين ورفعة لدرجاتهم وتكفير لسيئاتهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أحب الله عبدًا ابتلاه فإن صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه، ومن ظن أن كل من أصيب بمكروه مغضوب عليه فقد أساء الفهم، فالله يبتلي أنبياءه وأولياءه أكثر من غيرهم، وقد ابتلى أيوب عليه السلام في جسده وماله وأهله فصبر ورضي، وقال ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فكشف الله عنه الضر وأعاد إليه نعمته، وابتلى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل فامتثل راضيًا ففداه الله بذبح عظيم، وابتلى يوسف عليه السلام بالسجن والظلم فخرج من محنته عزيزًا مكرمًا، لأن الابتلاء كان طريقه إلى النصر لا الهلاك، والفرق الحقيقي بين البلاء والابتلاء يظهر في قلب الإنسان، فإن صبر واحتسب وتذكر الله كان ما أصابه ابتلاء ورحمة وإن سخط وجزع وابتعد عن الله تحول إلى بلاء ونقمة، فالمصيبة نفسها لا تمدح ولا تذم، ولكن يُمدح الصابر ويُذم الجازع، والابتلاء رحمة لأنه يعيد الإنسان إلى فطرته ويوقظه من غفلته ويعلمه التواضع فهو يذكره بضعفه وحاجته إلى ربه ويريه الدنيا على حقيقتها بأنها دار مؤقتة وأن النعم ليست دليل محبة ولا المصائب دليل بغض، بل كلها اختبارات إلهية، وقد قال تعالى: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون، فالصبر عند الشدائد طريق الرحمة والهداية أما من يرى كل محنة نقمة فقد خسر الدنيا والآخرة لأن السخط لا يرد قدرًا ولا يجلب خيرًا، كثير من الناس لا يدركون أن الابتلاء قد يكون خيرًا خفيًا فقد ينقذ الله العبد بمرض أو خسارة من فتنة أعظم، وكم من إنسان عاد إلى ربه بسبب محنة وكم من مريض وجد في مرضه قلبًا جديدًا مطمئنًا وكم من فقير عاش قناعة لم يعرفها الأغنياء، إن الله لا يبتلي ليعذب بل ليهذب ويطهر ويرفع وكل ما يجري بحكمة كما قال تعالى: وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم، والابتلاء يربي الصبر والإيمان ويمنح قوة داخلية لا تمنحها الراحة، وفي المقابل فإن البلاء الحقيقي هو بعد القلب عن الله فمن قسا قلبه فهو في بلاء شديد ولو كان صحيحًا غنيًا ومن رق قلبه فهو في نعمة ولو كان فقيرًا مريضًا، وقد قال تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون فالإنسان لا يُعرف صدقه إلا عند الشدائد ومن هنا كانت سنة الابتلاء ماضية في الأنبياء والأمم والابتلاء قد يكون في المال أو الصحة أو الأهل أو الجاه وكل إنسان له نصيبه من الامتحان بما يناسب حاله فلو خلت الدنيا من الابتلاءات لذهبت قيمة الإيمان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه والمدهش أن بعض الابتلاءات تكون أبوابًا للخير فدمعة واحدة قد تنقذ صاحبها من معصية وتأخير قد يكون فيه خير عظيم وخسارة تفتح باب رزق أكبر ومهما اشتدت المحن فإن الفرج قريب كما قال تعالى: فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا فبعد كل شدة يسران وبعد كل عسر رحمتان والسعيد ليس من عاش بلا مصائب بل من فهم الحكمة منها، فالبلاء نقمة إذا قاد إلى السخط واليأس ورحمة إذا قاد إلى الصبر والرجوع إلى الله والعاقل من يجعل ما يصيبه سلّمًا نحو الإيمان ويقول دائمًا الحمد لله على كل حال فرب ضارة نافعة.

519

| 11 مايو 2026

الميزان المختل.. من يحمي المستهلك؟

قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، وهي آية عظيمة لا تقف عند حدود الكيل والوزن بمعناهما التقليدي، بل تحمل رسالة أخلاقية واسعة تؤكد أن العدالة في التعامل أصل من أصول استقامة المجتمع. فالميزان في المفهوم القرآني لا يقتصر على الأسواق القديمة، بل يمتد إلى كل معاملة مالية أو خدمية أو تعاقدية يكون فيها طرف يدفع وآخر يلتزم بالتقديم أو التنفيذ. في واقع الحياة اليومية، يلاحظ كثير من الناس تفاوتًا واضحًا في الأسعار بين سلعة وأخرى وبين محل وآخر، وأحيانًا يصل الفارق إلى درجات يصعب تفسيرها وفق الجودة أو التكلفة. ومن الأمثلة التي يلمسها المستهلك يوميًا أن بعض السلع الغذائية الأساسية قد تباع في منفذ تجاري بسعر معين ثم توجد في منفذ آخر بسعر أعلى رغم أن المنتج ذاته والمصدر ذاته. كما يحدث أحيانًا في بعض المطاعم أو محال بيع المشروبات أن السعر يختلف بشكل كبير بين منطقة وأخرى دون أن يكون الاختلاف مرتبطًا بمستوى الخدمة أو الجودة بشكل واضح. هذا التفاوت قد يكون مقبولًا إذا كان مبنيًا على اختلاف حقيقي في الجودة أو الخدمة أو الموقع، لكنه يصبح محل تساؤل عندما لا يجد المستهلك سببًا واضحًا لهذا الفرق الكبير، خصوصًا إذا تعلق الأمر بسلع أساسية أو خدمات يحتاجها الناس باستمرار. وقد يلاحظ المستهلك كذلك اختلافًا في أسعار مواد البناء أو الأدوات المنزلية بين متجر وآخر بفارق ملحوظ، رغم تشابه المنتج والعلامة التجارية، مما يجعل السؤال عن حدود التسعير العادل حاضرًا بقوة. ولا يقتصر الأمر على الأسعار فقط، بل يمتد إلى صور متعددة من الغش أو التلاعب قد لا تظهر للمستهلك إلا بعد الشراء أو بعد بدء الاستخدام. فقد تُعرض سلعة على أنها ذات جودة مرتفعة ثم يتبين أنها أقل من المواصفات المعلنة، أو تُستخدم عبارات دعائية توحي بمميزات غير موجودة فعليًا، أو تُخفى بعض التفاصيل المهمة المتعلقة بالمصدر أو مدة الصلاحية أو طريقة الاستخدام. وفي بعض الأحيان يفاجأ المستهلك برسوم إضافية لم تكن واضحة منذ البداية، كما يحدث أحيانًا عند طلب بعض الخدمات أو الشراء عبر بعض العروض التي تبدو منخفضة السعر ثم تظهر لاحقًا تكاليف إضافية لم تكن معلنة بوضوح. التجارة في أصلها تقوم على الربح المشروع، والربح ليس أمرًا مرفوضًا، بل هو أساس النشاط الاقتصادي، لكن الربح يفقد قيمته حين يتحول إلى مغالاة غير مبررة أو استغلال لحاجة الناس. فالسوق الناجحة ليست تلك التي ترتفع فيها الأسعار بلا تفسير، بل السوق التي تقوم على المنافسة العادلة والشفافية والثقة. ومن صور الاختلال التي أصبحت أكثر حضورًا ما يتعلق بعقود العمل والخدمات، خاصة في مجالات البناء والتعمير والصيانة والخدمات المنزلية والفنية. فكثير من الناس يبرمون عقودًا واضحة على مواصفات محددة، ثم يفاجؤون أثناء التنفيذ بأن الواقع يختلف عن الاتفاق. قد يبدأ المشروع بمواد معينة ثم تُستبدل بمواد أقل جودة، أو يُحدد وقت للتسليم ثم يتأخر التنفيذ دون مبرر، أو يتم تسليم العمل ناقصًا أو بصورة لا تعكس ما تم الاتفاق عليه. في قطاع البناء تحديدًا، تظهر أحيانًا شكاوى من عدم الالتزام بالمخططات أو بالمواصفات أو بالجودة المطلوبة، رغم أن العقد واضح بين الطرفين. ومن الأمثلة المتكررة أن يتفق صاحب المنزل مع المقاول على نوع معين من الحديد أو العزل أو الدهانات، ثم يكتشف أثناء التنفيذ أو بعده استخدام مواد مختلفة أقل جودة. وقد يحدث أيضًا أن يتفق الطرفان على إنهاء مرحلة معينة خلال مدة محددة، لكن العمل يتأخر لأشهر دون تفسير مقنع، بينما تبقى الالتزامات المالية قائمة. وقد يدفع صاحب المشروع مبالغ كبيرة على أساس الثقة، ثم يكتشف لاحقًا أن بعض الأعمال لم تنفذ كما يجب أو أن المواد المستخدمة تختلف عما تم الاتفاق عليه. وهنا لا يكون الضرر ماليًا فقط، بل يمتد إلى مشكلات مستقبلية قد تظهر بعد مدة من الزمن مثل تشققات الجدران أو ضعف العزل أو الحاجة إلى إعادة الإصلاح. وفي قطاع الخدمات كذلك، قد يتفق المستهلك مع جهة معينة على خدمة محددة ثم يجد أن مستوى التنفيذ أقل من المتوقع، أو أن الالتزامات لا تُنفذ كاملة، أو أن التواصل بعد الدفع يصبح أقل وضوحًا. وقد يظهر ذلك في بعض أعمال الصيانة المنزلية أو خدمات التنظيف أو التوريد، حيث يكون الاتفاق واضحًا في البداية ثم تختلف النتيجة النهائية عن المتوقع. لذلك فإن حماية المستهلك لا ينبغي أن تُفهم فقط على أنها حماية عند شراء سلعة، بل أيضًا حماية عند التعاقد على خدمة أو تنفيذ أو مشروع. العقد ليس مجرد ورقة توقع، بل هو التزام أخلاقي وقانوني. وإذا لم ينفذ العقد بصدق وأمانة، فإن المتضرر يحتاج إلى جهة تحمي حقه وتعيد له التوازن. وهنا تبرز أهمية الجهات المختصة وفي مقدمتها وزارة التجارة والصناعة ممثلة في إدارة حماية المستهلك، التي يقع على عاتقها استقبال الشكاوى ومتابعة المخالفات والتأكد من التزام المنشآت التجارية والخدمية بالقوانين والأنظمة. كما أن وجود القوانين وحده لا يكفي إذا لم تصاحبه رقابة عملية فعالة وسرعة في معالجة البلاغات. فالمستهلك يحتاج إلى أن يشعر بأن هناك جهة تستمع إليه وتحمي حقه عندما يتعرض لغش أو تضليل أو إخلال بالعقد. وكلما كانت الإجراءات واضحة وسريعة، زادت الثقة بالسوق وقلت فرص الاستغلال. القطاع الخاص أيضًا شريك مهم في هذه المعادلة، لأن المؤسسة التي تفكر في الاستمرار تدرك أن السمعة الجيدة أهم من الربح السريع، وأن العميل حين يشعر بالعدل يعود مرة أخرى، أما حين يشعر بالغبن فإنه ينقل تجربته للآخرين وتضعف الثقة تدريجيًا. أما المستهلك نفسه، فله دور أساسي لا يمكن تجاهله، من خلال قراءة العقود بعناية، والاحتفاظ بالفواتير، وطلب توضيح كل بند قبل الاتفاق، وعدم التردد في تقديم شكوى عند حدوث مخالفة. فالوعي الاستهلاكي هو جزء من قوة السوق، لأن المستهلك الواعي يحد من فرص التلاعب. إن الميزان المختل لا يظهر فقط في سعر سلعة، بل قد يظهر في عقد لا يُنفذ كما يجب، وفي مادة أقل من المتفق عليها، وفي خدمة لا تعكس قيمة ما دفعه المستهلك. أما الميزان العادل فهو الذي يحفظ الحقوق، ويجعل الثقة أساسًا للعلاقة بين البائع والمشتري، وبين مقدم الخدمة والمتعامل معه. ويبقى السؤال حاضرًا: من يحمي المستهلك؟ والإجابة تبدأ حين تتكامل الرقابة، وتُحترم العقود، وتترسخ الأمانة في كل تعامل.

366

| 02 مايو 2026

العزاء.. بين واجب المواساة وكلفة المظاهر

العزاء في أصله موقف إنساني نبيل، يجتمع فيه الناس لمواساة أهل الميت، وتقديم الدعاء الصادق للفقيد، وتخفيف وقع المصاب على أسرته. وهذه من القيم التي حافظ عليها المجتمع القطري عبر أجيال طويلة، حيث كان الحضور إلى مجلس العزاء يحمل معنى التراحم والتكاتف، وتبقى البساطة فيه هي السمة الغالبة، فلا تكلف ولا مبالغة، وإنما مجلس مفتوح، وكلمة طيبة، ودعاء من القلب. لكن مع مرور الوقت، بدأت بعض المظاهر تدخل إلى هذا الجانب الاجتماعي حتى أصبحت في بعض الحالات تشكل عبئًا ماليًا لا ينسجم مع حقيقة المناسبة ولا مع المقصد الشرعي منها. في عدد من مجالس العزاء اليوم، لم يعد الأمر يقتصر على استقبال المعزين وتقديم ما تيسر، بل أصبحت بعض الأسر تدخل في ترتيبات واسعة تشمل نصب الخيام الكبيرة، وتجهيز الذبائح، وتعدد أصناف الطعام، وأحيانًا تستمر هذه الترتيبات عدة أيام، وكأن أهل الميت أمام مناسبة اجتماعية تحتاج إلى إعداد خاص، مع أنهم أصلًا يعيشون ظرفًا نفسيًا صعبًا ويحتاجون إلى من يخفف عنهم لا إلى ما يزيد من انشغالهم. ولا خلاف أن الكرم من الصفات المعروفة في المجتمع القطري، وهو خلق متجذر في الناس، لكن في مثل هذه المناسبات لا بد من التفريق بين الكرم المقبول وبين التكلف الذي قد يتجاوز الحاجة. لأن بعض الأسر قد تتحمل مصروفات كبيرة فقط خشية أن يُقال إن مجلسها كان أقل من غيره، أو أن تجهيزاتها لم تكن بمستوى ما اعتاده الناس، مع أن الجميع يدرك أن قيمة العزاء لا تُقاس بحجم الخيمة ولا بعدد الذبائح، وإنما بما يحمله الحضور من مواساة ودعاء. الشريعة الإسلامية السمحاء وضعت أصلًا واضحًا في هذا الجانب، حين جاء في السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم"، وهذا الحديث يبين أن المقصود هو أن الناس يخففون عن أهل الميت لأنهم منشغلون بالمصيبة، وليس أن يتحمل أهل الميت إقامة الولائم أو الدخول في تكاليف إضافية. فالمعنى الشرعي هنا واضح في التيسير ورفع الحرج، وهو ما يحتاجه الناس فعلًا في مثل هذه المواقف. كما أن الإسلام نهى عن الإسراف في كل الأحوال، قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وهي قاعدة عامة تنطبق على مختلف شؤون الحياة، ومنها ما يتعلق بالمناسبات الاجتماعية. فإذا كان الاعتدال مطلوبًا في الأمور اليومية، فهو في أوقات الحزن أولى وأقرب إلى روح الدين. اللافت أن كثيرًا من الناس اليوم، حين يُطرح الموضوع بينهم، يعبرون عن قناعة واضحة بأن التخفيف أفضل، وأن كثيرًا من المظاهر الحالية يمكن الاستغناء عنها دون أن يتأثر معنى العزاء. لكن العادة الاجتماعية أحيانًا تكون أقوى من الرغبة الفردية، فيستمر البعض في نمط من التكاليف لأنهم يرون أن المجتمع اعتاده، مع أن المجتمع نفسه أصبح أكثر إدراكًا لحاجة التوازن. وفي بعض الحالات، تتحول هذه التكاليف إلى عبء فعلي، خصوصًا إذا كانت الأسرة لديها التزامات أخرى أو ظروف مالية مختلفة، فيصبح الحزن مقرونًا بانشغال إضافي في أمور كان يمكن اختصارها. بينما لو عاد الأمر إلى البساطة، لكان أقرب لراحة الجميع، وأبقى على جوهر العزاء كما هو. ومن الجوانب التي تستحق التأمل أيضًا أن كثيرًا من الأموال التي تُصرف في ساعات قليلة كان يمكن أن يوجه جزء منها إلى صدقة جارية باسم الميت، أو إلى عمل خيري يبقى أثره، لأن الميت ينتفع بالدعاء والصدقة والعمل الصالح أكثر من أي مظهر مؤقت. التخفيف في العزاء لا ينتقص من احترام الناس، بل على العكس، قد يعكس فهمًا أعمق لمعنى المواساة الحقيقي، ويعيد العزاء إلى صورته الطبيعية التي عرفها الناس طويلًا، حيث يكون المجلس مفتوحًا، والحضور حاضرًا، والدعاء هو الأساس. فالعزاء ليس ميدانًا للمظاهر، بل موقف إنساني وديني واجتماعي، عنوانه الرحمة، ومعناه أن يشعر أهل الميت بأن المجتمع معهم، لا أن يشعروا بأن عليهم التزامات إضافية فوق ما هم فيه من ألم. والاعتدال في هذا الباب يظل أقرب إلى الشريعة، وأقرب إلى راحة الناس، وأبقى لأصل العادة الجميلة التي تقوم على المواساة لا على الكلفة.

504

| 27 أبريل 2026

نحو جائزة وطنية شاملة للعطاء المجتمعي

أصبحت ثقافة التكريم في المجتمع القطري اليوم إحدى الصور الحضارية التي تعكس اهتمام الدولة بإبراز النماذج التي تقدم جهداً حقيقياً في خدمة المجتمع، لأن التقدير حين يُمنح في موضعه الصحيح لا يكون مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل يتحول إلى رسالة وطنية ذات أثر معنوي عميق، تؤكد أن العطاء الصادق محل متابعة واعتراف، وأن المجتمع الذي يكرّم أبناءه يرسخ في الوقت ذاته قيمة المبادرة والمسؤولية والانتماء. وقد أثبتت التجارب أن الجوائز الاجتماعية حين تُحسن إدارتها ومعاييرها تصبح أداة لتحفيز العمل الإيجابي، وتفتح المجال أمام نماذج جديدة تتجه نحو خدمة المجتمع بروح أكثر التزاماً وثقة. وفي هذا الإطار جاء تنظيم جائزة روضة للعمل الاجتماعي ليؤكد أن العمل الاجتماعي أصبح يحظى بمكانة متقدمة في المشهد الوطني، ويمكن النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها من الصور المهمة التي اقتربت من مفهوم الجائزة الوطنية للتميز الاجتماعي، لأنها أبرزت قيمة العمل الإنساني وربطت التكريم بالأثر المجتمعي المباشر. والأهمية هنا لا تكمن فقط في أسماء الفائزين، بل في الرسالة التي تصل إلى المجتمع بأن العطاء المنظم والعمل التطوعي والمبادرات الإنسانية يمكن أن تتحول إلى نماذج وطنية يشار إليها بالتقدير. إن أهمية مثل هذه المبادرات لا تقف عند حدود تكريم فئة محددة، بل تمتد إلى بناء ثقافة مجتمعية ترى في العطاء قيمة وطنية ينبغي أن تحظى بالاهتمام، وتمنح رسالة واضحة بأن كل جهد نافع يجد مكانه في الاعتراف المجتمعي. وهذا النهج يحتاج إلى مزيد من الاتساع، لأن المجتمع القطري غني بفئات كثيرة تقدم أعمالاً مؤثرة في مجالات متعددة، وبعضها يؤدي أدواراً يومية ذات أثر مباشر في حياة الناس دون أن يحظى بما يستحقه من إبراز. ومن بين هذه الفئات التي تستحق أن تدخل ضمن نطاق التقدير أعضاء المجلس البلدي المركزي، باعتبارهم يمثلون تجربة وطنية قائمة على الانتخاب وتحمل المسؤولية العامة. فالمجلس البلدي ليس مجرد إطار إداري، بل هو قناة مباشرة لنقل احتياجات المواطنين إلى الجهات التنفيذية، ومن خلاله تُطرح قضايا تمس الحياة اليومية في تفاصيلها المختلفة، من الخدمات العامة والطرق والحدائق والنظافة وتنظيم المناطق إلى متابعة الملاحظات المرتبطة بالمرافق العامة. وقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن عدداً من أعضاء المجلس قدموا جهوداً واضحة في المتابعة الميدانية وطرح القضايا والحضور القريب من المجتمع، وبعضهم استطاع أن يترك أثراً ملموساً في ملفات خدمية متعددة. وهذا الجهد، وإن كان يتم في إطار رسمي، إلا أنه في جوهره يحمل بعداً اجتماعياً مباشراً لأنه يرتبط براحة الناس وتحسين بيئتهم اليومية، وهو ما يجعل من المناسب التفكير في أن يكون لهذا النوع من الأداء نصيب واضح ضمن منظومة الجوائز الاجتماعية الوطنية. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا يكون للعمل البلدي نصيب ضمن الجوائز الوطنية القادمة؟ ولماذا لا تُخصص فئة تُعنى بالمبادرات المحلية أو الأداء المجتمعي المرتبط بالخدمة العامة؟ فتكريم هذا النوع من الجهد سيعزز ثقافة المسؤولية، ويؤكد أن العمل العام حين يقترن بالإخلاص والنتائج يستحق التقدير، كما أنه يمنح رسالة إيجابية لكل من يعمل في الشأن المحلي بأن المجتمع يقدّر أثر الجهد الميداني. ولا يقتصر الأمر على العمل البلدي فقط، فهناك أيضاً شريحة مهمة من المتقاعدين الذين قدموا سنوات طويلة من الخدمة الوطنية في مختلف مؤسسات الدولة، ثم واصل كثير منهم حضورهم الاجتماعي بعد التقاعد عبر مبادرات فردية أو مساهمات مجتمعية أو مشاركات تطوعية. وهذه الفئة تمتلك خبرة متراكمة وتجربة وطنية تستحق أن تبقى حاضرة في المشهد التكريمي، لأن التقدير لا ينبغي أن يتوقف بانتهاء الوظيفة، بل قد يمتد إلى ما بعدها عندما يستمر العطاء بصورة مختلفة. كما أن المجتمع القطري يضم أصحاب مبادرات مجتمعية يعملون بعيداً عن الأضواء؛ منهم من يشارك في التوعية، ومنهم من يسهم في العمل البيئي، ومنهم من يدعم المبادرات الإنسانية أو يقدم خدمات اجتماعية داخل الأحياء والمناطق. وهذه النماذج غالباً ما تكون الأكثر تأثيراً لأنها تعمل بدافع ذاتي وبإحساس مباشر بالمسؤولية تجاه المجتمع، ولذلك فإن منحها مساحة من التقدير يساهم في إبراز قدوات مجتمعية حقيقية للأجيال الجديدة. ويتكامل هذا التوجه مع ما تسعى إليه دولة قطر من ترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية بوصفه جزءاً من مسار التنمية الوطنية، حيث إن بناء المجتمع لا يعتمد فقط على المؤسسات الرسمية، بل أيضاً على المبادرات الفردية والجماعية التي تخلق أثراً إيجابياً وتدعم التماسك الاجتماعي. فكل جهد تطوعي، وكل مبادرة محلية، وكل مساهمة صادقة في خدمة الناس، تمثل في حقيقتها رصيداً وطنياً يجب أن يجد مكانه ضمن منظومة التقدير الوطني. ومن هنا قد يكون من المناسب مستقبلاً التفكير في إطلاق جائزة وطنية سنوية شاملة للعطاء المجتمعي، تضم مسارات متعددة للتميز الاجتماعي، والعمل البلدي، والمبادرات التطوعية، وخبرة المتقاعدين، والجهود البيئية، بحيث تصبح منصة وطنية جامعة تُمنح وفق معايير واضحة وتحتفي بكل من جعل من خدمة المجتمع جزءاً من مسؤوليته الوطنية. فمثل هذه الجائزة لن تكون مجرد تكريم سنوي، بل ستتحول إلى مشروع مجتمعي يرسخ ثقافة التقدير، ويصنع قدوات جديدة، ويؤكد أن الوطن يثمّن كل جهد مخلص يسهم في بناء المجتمع وتعزيز تماسكه، لأن المجتمعات لا تنهض فقط بالمشروعات الكبرى، بل أيضاً بالأعمال اليومية الصادقة التي يؤديها أفراد يشعرون أن خدمة الوطن مسؤولية مستمرة لا ترتبط بموقع أو صفة، وإنما بروح العطاء والانتماء.

306

| 23 أبريل 2026

الخليج يترقب.. ماذا بعد حصار مضيق هرمز؟

في ظل التوترات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، يبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا، ليس فقط لأنه ممر بحري ضيق تعبر منه السفن، بل لأنه يمثل شريانًا اقتصاديًا عالميًا ترتبط به مصالح الطاقة والتجارة الدولية، وتقوم عليه حسابات اقتصادية دقيقة لدول الخليج والعالم معًا. ولهذا فإن أي حديث عن حصار هذا المضيق أو تعطيل الملاحة فيه لا يُنظر إليه كحدث عابر، بل كاحتمال يفتح أبوابًا واسعة من التساؤلات حول ما قد يحدث بعد ذلك، وما إذا كانت المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والتجاذبات السياسية التي قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم. إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن حصار المضيق هو سوق الطاقة العالمي، لأن نسبة كبيرة من النفط والغاز المصدر من الخليج تمر عبر هذا المسار البحري الحيوي. وتعد قطر في مقدمة الدول المرتبطة بهذا الممر، نظرًا إلى مكانتها العالمية في تصدير الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، حيث إن أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز، ويرفع كلفة التأمين البحري، ويؤثر على مواعيد التسليم والعقود التجارية، ويزيد من حالة القلق في الأسواق الدولية، لأن العالم بأسره ينظر إلى هذا المضيق بوصفه أحد أهم مفاتيح استقرار الطاقة. لكن الأثر الحقيقي لا يقف عند الطاقة وحدها، بل يمتد إلى الاقتصاد الخليجي بأكمله، لأن دول مجلس التعاون لم تعد اقتصاداتها قائمة على النفط فقط، بل أصبحت مرتبطة بشبكات استثمارية عالمية، وموانئ حديثة، وأسواق مالية متقدمة، ومشروعات تنموية ضخمة، وخطط طويلة المدى تقوم على الاستقرار وجذب الاستثمار. ولذلك فإن أي سيناريو تصعيدي طويل في هذا الممر قد ينعكس على حركة التجارة، وعلى ثقة المستثمرين، وعلى تكاليف النقل والاستيراد، بل وحتى على المشروعات المستقبلية التي تعتمد على وضوح البيئة الإقليمية واستقرارها. ومن هنا تظهر حساسية المرحلة؛ فدول الخليج تدرك أن هذه السيناريوهات ليست مجرد تطورات عسكرية، بل قد تتحول إلى أدوات ضغط اقتصادي واسع، ولهذا جاء موقفها قائمًا على الحذر وعدم الانجرار وراء أي تصعيد قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. وقد أثبتت دول المجلس خلال الأزمات الأخيرة أنها أكثر تمسكًا بالتوازن، وأكثر حرصًا على أن تبقى أراضيها بعيدة عن أن تكون جزءًا من المواجهة المباشرة، لأن المصلحة العليا تكمن في حماية الاستقرار الداخلي أولًا، والحفاظ على المنجزات التي تحققت خلال العقود الماضية. إن بعض القراءات ترى أن استمرار التوتر في المنطقة قد يفتح المجال أمام موجة جديدة من سباقات التسلح، ويدفع إلى مزيد من صفقات الدفاع، وكأن الخوف الإقليمي يتحول أحيانًا إلى سوق مفتوحة تعاد فيها حسابات الإنفاق العسكري. غير أن دول الخليج، رغم تعزيز قدراتها الدفاعية، أظهرت أنها لا تنظر إلى الحل من زاوية عسكرية فقط، بل من زاوية سياسية واقتصادية أشمل، تقوم على أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بالحكمة، وبمنع الانزلاق إلى استنزاف طويل قد تكون كلفته أكبر من أي مكاسب متوقعة. كما أن دول المجلس عملت خلال السنوات الماضية على بناء بدائل واستعدادات مهمة، من خلال تطوير الموانئ، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتوسيع قدرات النقل والتخزين، وتقوية البنية التحتية للطاقة والمياه، وهو ما يمنحها قدرة أفضل على مواجهة أي اضطرابات مؤقتة. غير أن هذه البدائل، مهما بلغت قوتها، لا تلغي حقيقة أن استمرار القلق في المضيق يظل عبئًا اقتصاديًا على المنطقة كلها، لأن حركة الأسواق تتأثر أحيانًا بمجرد التوقع قبل وقوع الحدث. وفي المقابل، فإن العالم نفسه لا يستطيع تجاهل خطورة أي تعطيل طويل في هذا الممر، لأن دولًا كبرى مثل الصين والهند واليابان تعتمد على مرور الطاقة من الخليج، وأي خلل طويل سيدفع هذه الدول إلى التحرك سياسيًا، لأن مصالحها الاقتصادية ترتبط مباشرة باستمرار الملاحة، وهو ما يجعل أي أزمة في المضيق أزمة عالمية لا إقليمية فقط. إن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا يحدث عند الحصار؟ بل ماذا بعده؟ والجواب أن ما بعد أي حصار لن يكون انتصارًا لطرف بقدر ما سيكون اختبارًا لقدرة الجميع على العودة إلى العقلانية، لأن استمرار التوتر يعني استنزافًا طويلًا، وارتفاعًا في الكلفة على الجميع، بينما الحل السياسي يبقى هو الطريق الأقرب لتجنيب المنطقة مزيدًا من التعقيد. لقد أثبت الخليج في السنوات الماضية أنه أكثر وعيًا بمصالحه، وأكثر إدراكًا أن التنمية التي تحققت تحتاج إلى حماية سياسية واقتصادية متوازنة، وأن الاستقرار ليس خيارًا ثانويًا بل هو أساس البناء كله. ولهذا فإن الحكمة الخليجية اليوم تقوم على عدم الانجرار، وعلى إبقاء القرار مستقلًا، وعلى التعامل مع الأزمات بمنطق الدولة التي تعرف مصالحها جيدًا وتحافظ على مصالح شعوبها. نسأل الله تعالى أن يحفظ دولة قطر قيادةً وشعبًا، وأن يحفظ حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وأن يديم على الوطن نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وأن يحفظ دول الخليج العربية جميعًا من كل سوء، وأن يجنبها الفتن والحروب، وأن تبقى هذه المنطقة أرض سلام وتعاون وتماسك، وأن يحفظ شعوبها وكل من يعيش على أرضها، وأن يبعد عنها شر الحاقدين والحاسدين، وأن يجعل مستقبلها قائمًا على الحكمة والطمأنينة والسلام.

324

| 17 أبريل 2026

 الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفتك.. لكن شخصًا يستخدمه قد يفعل
الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفتك.. لكن شخصًا يستخدمه قد يفعل

كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها،...

2445

| 10 يونيو 2026

«لا تغيب فيحضرون»
«لا تغيب فيحضرون»

يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً...

2319

| 09 يونيو 2026

كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟
كيف نقلل أهمية مضيق هرمز؟

السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد...

1098

| 07 يونيو 2026

بين جيل الشاشات وجيل الذكريات.. من صنع الفجوة؟
بين جيل الشاشات وجيل الذكريات.. من صنع الفجوة؟

في كل بيت تقريبًا، مشهد متكرر لحوار صامت...

747

| 07 يونيو 2026

رثاء في أخي عبدالعزيز
رثاء في أخي عبدالعزيز

أكثر من ستة أشهرٍ مضت يا أخي وما...

741

| 07 يونيو 2026

لا تُضيعوا الصلاة حتى لا تَضيعوا
لا تُضيعوا الصلاة حتى لا تَضيعوا

لقد أضاع الكثيرون طريق المساجد وأصبح العزوف عن...

687

| 08 يونيو 2026

الوعي بالتكنولوجيا المالية.. ركيزة الاستدامة الاقتصادية
الوعي بالتكنولوجيا المالية.. ركيزة الاستدامة الاقتصادية

لم تعد التكنولوجيا المالية مجرد قطاع اقتصادي ناشئ...

666

| 10 يونيو 2026

الإبداع موجود.. فمن يدعمه؟
الإبداع موجود.. فمن يدعمه؟

في كل مرة يُذكر فيها الشباب، تتكرر الأحكام...

645

| 10 يونيو 2026

حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم
حين يتكلم الصمت.. تصل الطفولة إلى العالم

في لحظة ما، لا تعود الطفولة مجرد مرحلة...

639

| 07 يونيو 2026

الأسرة قبل القانون.. لكن ماذا لو غاب الوعي؟
الأسرة قبل القانون.. لكن ماذا لو غاب الوعي؟

يعتقد كثيرون أن القانون هو العدو الأول للأسرة،...

621

| 11 يونيو 2026

طالت وتشمخت!
طالت وتشمخت!

يحمل العالم الافتراضي في مواقع التواصل الاجتماعي الكثير...

615

| 07 يونيو 2026

من ثقافة التدشين إلى ثقافة الأثر
من ثقافة التدشين إلى ثقافة الأثر

قد تنتهي حفلات التدشين، وتنطفئ الأضواء، وتُطوى منصات...

603

| 07 يونيو 2026

أخبار محلية