رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

546

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

كأس العرب… حين تتقدّم الأخوّة على المنافسة

28 ديسمبر 2025 , 12:41ص

لم تكن كأس العرب لكرة القدم مجرّد بطولة رياضية تُضاف إلى سجل المنافسات، بل جاءت بوصفها ملتقى عربيًا جامعًا، أعاد التذكير بما تستطيع الرياضة أن تصنعه حين تُدار برؤية إنسانية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. ففي الدوحة، لم تلتقِ المنتخبات العربية للتنافس فحسب، بل اجتمعت شعوب وثقافات ومشاعر، لتقدّم صورة مشرقة عن وحدة الهدف رغم اختلاف اللهجات والأعلام، في مشهدٍ تجاوز الرياضة إلى ما هو أعمق وأبقى.

وقد لخّص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، جوهر هذا الحدث بكلمات موجزة وعميقة حين قال: «كأس العرب جسّدت مشاعر الأخوّة والاحترام». وهي مقولة لم تكن توصيفًا إنشائيًا، بل قراءة دقيقة لما شهده الجميع، داخل الملاعب وخارجها، من سلوك رياضي راقٍ، وتفاعل جماهيري حضاري، وتنظيم عكس وعي الدولة المستضيفة برسالة الرياضة ودورها الثقافي والإنساني.

منذ اللحظات الأولى لانطلاق البطولة، بدت الصورة واضحة: تنظيم محكم، واستعدادات دقيقة، وترتيبات شاملة لم تترك شيئًا للصدفة. فقد تعاملت قطر مع كأس العرب باعتبارها مناسبة عربية جامعة، وليست مجرد بطولة تنافسية محدودة الزمن. لذلك، وُفّرت للمنتخبات المشاركة بيئة مثالية من حيث الملاعب الحديثة، ومرافق التدريب المتكاملة، والإقامة المريحة، والتنقّل السلس، بما يضمن تركيز اللاعبين على الأداء داخل الملعب، ويمنحهم شعورًا بالاحترام والتقدير.

أما الجماهير، فقد كانت جزءًا أساسيًا من نجاح البطولة. إذ حظيت بتجربة متكاملة، بدأت من سهولة الوصول إلى الملاعب، ومرّت بالتنظيم الدقيق للدخول والخروج، وانتهت بأجواء احتفالية عكست كرم الضيافة القطري، وحرص المنظمين على أن تكون البطولة تجربة إنسانية قبل أن تكون حدثًا رياضيًا. وقد أسهم هذا التفاعل الجماهيري الواعي في خلق أجواء إيجابية انعكست على مستوى المباريات وروح المنافسة.

ولم يقتصر نجاح البطولة على الجوانب التنظيمية فقط، بل امتد ليشمل الرسائل الثقافية والحضارية التي حملتها، حيث قدّمت نموذجًا لما يمكن أن تكون عليه الرياضة حين تُوظَّف لتعزيز التقارب بين الشعوب، وترسيخ قيم الاحترام المتبادل، وتأكيد المشترك الإنساني قبل الاختلافات العابرة، في زمن تزداد فيه الحاجة إلى مثل هذه الرسائل الجامعة.

اللافت في هذه النسخة من كأس العرب لم يكن فقط المستوى الفني المتصاعد للمنتخبات، بل المشهد العام الذي رافق البطولة؛ مشهد الجماهير المتجاورة رغم اختلاف الأعلام، واللاعبين المتصافحين بروح رياضية عالية، والأهازيج التي ارتفعت من المدرجات لتشكّل لوحة عربية واحدة، متنوّعة لكنها منسجمة. وهو مشهد يؤكد أن الرياضة، حين تُدار بعقلية مسؤولة، قادرة على بناء الجسور بدل تعميق الفوارق.

وعلى مستوى التنظيم، أثبتت قطر مرة أخرى أنها تقف اليوم في مصاف الدول الرائدة في استضافة المنتديات والبطولات الرياضية الكبرى. فقد أظهرت خبرة واسعة في إدارة الحشود، وتنسيق الجداول، وتوظيف التقنيات الحديثة، إلى جانب الجاهزية الإعلامية التي أسهمت في نقل الحدث بصورة احترافية إلى الملايين من المتابعين في مختلف أنحاء العالم.

هذه الخبرة التنظيمية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج سنوات طويلة من التخطيط والعمل المتواصل، والاستثمار في البنية التحتية الرياضية، وتطوير الكوادر الوطنية، وصياغة رؤية إستراتيجية جعلت من الرياضة إحدى أدوات التواصل الحضاري، ووسيلة لتعزيز الحضور الإقليمي والدولي لدولة قطر، وترسيخ مكانتها كمركز إقليمي موثوق لاستضافة الفعاليات الكبرى.

كما أسهمت هذه البطولة في تعزيز ثقة الاتحادات والجهات الرياضية الدولية بقدرة قطر على إدارة الأحداث الكبرى، ليس فقط من حيث الإمكانات المادية، بل من حيث الفهم العميق لطبيعة هذه الفعاليات، ومتطلباتها التنظيمية، وأبعادها الثقافية والإعلامية، وهو ما ينعكس إيجابًا على مستقبل استضافة البطولات المختلفة.

ويؤكد هذا النجاح أن قطر ماضية بثبات نحو ترسيخ مكانتها الرياضية مستقبلًا، مستندة إلى رؤية واضحة، وبنية تحتية متقدمة، وخبرة تنظيمية متراكمة، تجعلها قادرة على استضافة كبرى البطولات العالمية بكفاءة واقتدار. فالمستقبل الرياضي لدولة قطر لا يقوم على حدث واحد، بل على مسار متكامل يضع الرياضة في قلب التنمية، ويجعل منها جسرًا للتواصل، ومنصة للحوار، وعنوانًا للحضور الدولي المستدام.

كما يعكس هذا التوجّه التزامًا طويل الأمد بتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز الشراكات الرياضية الدولية، والاستثمار في الإنسان قبل المنشآت، بما يضمن استدامة النجاح، واستمرارية الحضور القطري في المشهد الرياضي العالمي، ليس كمستضيف فحسب، بل كشريك فاعل في صناعة الرياضة الحديثة، وقيمها، ورسالتها الحضارية. وهو ما يعزز الثقة بأن التجربة القطرية ستظل نموذجًا يُحتذى، وقاعدة انطلاق لمبادرات رياضية مستقبلية تخدم المنطقة، وتفتح آفاقًا أوسع للتعاون، وتمنح الرياضة دورها الحقيقي في التقريب بين الشعوب. وتؤكد مكانة قطر كدولة رائدة في استضافة وتنظيم الأحداث الكبرى دائمًا. 

مساحة إعلانية