رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأتي مناقشة اللجنة التشريعية والقانونية بمجلس الشورى الموقر حالياً لتعديل قانون إيجار العقارات في مرحلة مهمة يمر بها السوق العقاري في دولة قطر، لأن هذا الملف لم يعد مجرد علاقة تعاقدية بين مؤجر ومستأجر، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وبقدرة السوق على التكيف مع التحولات العمرانية والاستثمارية المتسارعة التي تشهدها الدولة. فمع التوسع المستمر في المشاريع العقارية، وتعدد المناطق السكنية والتجارية الجديدة، وتنامي حجم الاستثمار في القطاع العقاري، أصبح من الضروري أن تواكب التشريعات هذا التطور حتى تظل العلاقة بين جميع الأطراف قائمة على الوضوح والعدالة والاستقرار.
ورغم ما شهدته الدولة خلال السنوات الأخيرة من توسع عمراني كبير، وبنية تحتية متقدمة، ومشاريع إسكانية وتجارية متنوعة، فإن مستويات الإيجارات ما زالت مرتفعة في عدد من المناطق، سواء في القطاع السكني أو التجاري، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى ارتباط هذه الأسعار بالكلفة الفعلية للعقار أو بمستوى الخدمات المقدمة فيه. فالدولة وفرت مواد البناء الأساسية مثل الحديد والإسمنت والرمال والحجارة بأسعار مدروسة مقارنة بالأسواق الإقليمية، كما استثمرت بصورة كبيرة في الطرق والخدمات العامة والمرافق الأساسية، وهو ما كان يفترض أن ينعكس بصورة أكثر توازنًا على القيمة النهائية للإيجارات، إلا أن الواقع يشير إلى أن هناك تفاوتًا واضحًا بين تكلفة التطوير العقاري ومستويات الإيجار في بعض المناطق.
وفي الجانب السكني، أصبحت كثير من الأسر المغتربة تواجه تحديات واضحة نتيجة استمرار ارتفاع الإيجارات، حيث اضطرت بعض هذه الأسر إلى الانتقال إلى مساكن أصغر أو إلى مناطق أبعد بحثًا عن إيجارات أقل، فيما لجأت أسر أخرى إلى مشاركة السكن داخل الوحدة الواحدة لتخفيف الأعباء المالية المتزايدة. وهذه التحولات لم تعد مجرد حلول فردية، بل انعكست على طبيعة بعض الأحياء السكنية، من حيث زيادة الكثافة داخل المباني، والضغط على المرافق المشتركة، وارتفاع أعداد المركبات، وتغير نمط الحياة داخل مناطق صممت أساسًا لاستقرار العائلات وهدوئها.
ومن هنا فإن تعديل القانون ينبغي أن يتجه إلى وضع معايير واضحة وعادلة للزيادة السنوية، ترتبط بعمر العقار، ومستوى صيانته، والخدمات المتوفرة فيه، بحيث لا تبقى الزيادة مرتبطة فقط بحركة السوق المباشرة. كما أن ربط أي زيادة بتحسينات فعلية في المبنى أو المنطقة المحيطة به يحقق قدرًا أكبر من العدالة بين المؤجر والمستأجر، ويمنح العلاقة الإيجارية استقرارًا قانونيًا واقتصاديًا أفضل.
ومن التجارب الناجحة التي يمكن الاستفادة منها كذلك تشجيع العقود طويلة الأمد الممتدة لثلاث أو خمس سنوات، لأنها تمنح المستأجر استقرارًا ماليًا واضحًا، وفي الوقت نفسه تحقق للمؤجر عائدًا ثابتًا وواضحًا، وهو ما يحد من التذبذب السنوي المفاجئ ويمنح السوق العقاري درجة أعلى من الاستقرار.
ومن الأسباب التي تجعل تعديل قانون الإيجارات اليوم ضرورة وطنية أن السوق العقاري دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة اتسمت بتوسع الاستثمار العقاري وتنامي التملك في عدد من المناطق، إضافة إلى دخول رؤوس أموال جديدة إلى هذا القطاع، وهو ما عزز حركة البناء والتطوير، لكنه في الوقت نفسه فرض الحاجة إلى أدوات تنظيمية أكثر دقة حتى لا تتحول وفرة الاستثمار إلى عبء إضافي على المستأجرين. فكلما توسعت المشاريع العقارية وارتفعت قيمة الأراضي والمباني ازدادت التوقعات الاستثمارية للعائد، وهو أمر مفهوم اقتصاديًا، إلا أن غياب الضوابط المتوازنة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين القيمة الحقيقية للعقار والقدرة الفعلية للأسر وأصحاب الأعمال على تحمل الإيجار.
كما أن التوسع في المشاريع السكنية الاقتصادية الموجهة للفئات المتوسطة أصبح ضرورة موازية لأي تعديل قانوني، لأن زيادة المعروض المناسب تمثل جزءًا أساسيًا من إعادة التوازن إلى السوق، إلى جانب تطوير مناطق تجارية بإيجارات مدروسة تدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتمنحها فرصًا أكبر للاستمرار.
ومن المهم كذلك النظر إلى أن استقرار الإيجارات لا يرتبط فقط بالجانب الاقتصادي، بل ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الأسري والاجتماعي، لأن السكن المستقر يمثل أحد العناصر الأساسية في شعور الأسرة بالأمان، وكلما كانت العلاقة الإيجارية واضحة وعادلة، تراجعت الضغوط التي قد تدفع الأسر إلى الانتقال المتكرر أو تغيير نمط حياتها بصورة مستمرة. كما أن استقرار الأنشطة التجارية الصغيرة والمتوسطة يرتبط أيضًا باستقرار الإيجارات، لأن كثيرًا من هذه المشاريع تمثل مصدر دخل رئيسيًا لأصحابها وتسهم في تنشيط السوق المحلي وتوفير الخدمات داخل الأحياء والمناطق المختلفة.
إن نجاح أي تعديل تشريعي في ملف الإيجارات لن يقاس فقط بالنصوص القانونية، بل بقدرته على تحقيق أثر عملي ينعكس على استقرار السوق وطمأنة المجتمع معًا، لأن التوازن المطلوب اليوم ليس بين مؤجر ومستأجر فقط، بل بين حماية الاستثمار العقاري بوصفه قطاعًا اقتصاديًا مهمًا، وبين ضمان بيئة معيشية وتجارية مستقرة تدعم التنمية وتواكب المرحلة المقبلة. وكلما جاء التعديل منسجمًا مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي، أصبح القانون أداة استقرار حقيقية تدعم الثقة في السوق وتمنح جميع الأطراف وضوحًا أكبر في الحقوق والالتزامات.
خطاب سمو الأمير أمام الشورى: سيادةٌ راسخة ورؤيةٌ للمستقبل
في لحظة إقليمية دقيقة، افتتح حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى دور... اقرأ المزيد
213
| 14 أكتوبر 2026
الدروس الخصوصية… وتأثيرها على الحصص الدراسية
يُفترض أن تكون الحصة الدراسية المكان الأول الذي يتلقى فيه الطالب المعرفة، ويناقش فيها معلمه، ويكتسب مهارات الفهم... اقرأ المزيد
486
| 11 أكتوبر 2026
قيمة الصناعة الوطنية
في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، وما ترتب على إغلاق مضيق هرمز من صعوبات في حركة... اقرأ المزيد
183
| 09 أكتوبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11550
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
6039
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3705
| 22 أكتوبر 2026