رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

336

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

الهدنة التي كشفت موازين جديدة

09 أبريل 2026 , 03:22ص

في أوقات الحروب لا تظهر فقط نتائج المعارك، بل تنكشف معها حقائق سياسية واستراتيجية كانت لسنوات طويلة غير واضحة بالصورة الكاملة. وما شهدته المنطقة خلال المواجهة الأخيرة، ثم إعلان وقف الحرب لمدة أسبوعين، لم يكن مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، بل كان محطة كشفت موازين جديدة، وأظهرت حجم القدرة على الصمود، وحدود التحالفات، ومقدار الحضور والغياب في واحدة من أكثر المراحل حساسية التي مرت بها المنطقة في السنوات الأخيرة.

إن إعلان وقف الحرب لمدة أسبوعين جاء في لحظة كانت فيها المنطقة تقف على حافة توسع أكبر للصراع، خاصة مع تصاعد المخاوف من امتداد الضربات إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية ومصادر المياه الحيوية. ولهذا فإن هذه الهدنة لا يمكن اعتبارها نهاية نهائية للحرب، بل فترة اختبار سياسي وعسكري لكل الأطراف. فهي من جهة تمنح فرصة لإعادة الحسابات، ومن جهة أخرى تكشف إن كانت هناك إرادة حقيقية لوقف التصعيد أو مجرد إعادة ترتيب للمواقف قبل جولة أخرى.

ومن أبرز الحقائق التي أظهرتها هذه الحرب أن دول الخليج استطاعت أن تثبت قدرة واضحة على الصمود أمام التهديدات المباشرة وغير المباشرة. فقد واجهت المنطقة ضغطًا مركبًا؛ تهديدات عسكرية، توترًا اقتصاديًا، قلقًا شعبيًا، واحتمالات استهداف منشآت استراتيجية، ومع ذلك استمرت الحياة العامة والخدمات الأساسية بصورة مستقرة، واستمرت الأسواق ومرافق الطاقة والموانئ في أداء دورها دون انهيار أو ارتباك واسع.

كما أثبتت هذه المرحلة أن البناء الأمني والمؤسسي في الخليج أصبح أكثر تماسكا مما كان يعتقد كثيرون، وأن إدارة الأزمات لم تعد تعتمد فقط على ردود الفعل، بل على خطط جاهزة وقدرة عالية على احتواء التطورات بسرعة. وهذا الصمود لم يكن مجرد مسألة أمنية، بل كان أيضًا موقفًا سياسيًا حافظ على التوازن ومنع الانجرار إلى قرارات متسرعة قد توسع دائرة الحرب.

وفي المقابل، ظهر الغياب العربي بصورة لافتة، فبرغم خطورة الأحداث، لم يظهر تحرك عربي جماعي بمستوى الحدث، وظلت المواقف محصورة في بيانات التهدئة والدعوة إلى ضبط النفس، بينما بدت جامعة الدول العربية بعيدة عن صناعة موقف عملي قادر على التأثير. كما أن الجيوش العربية، التي كثيرًا ما تُطرح في النقاش عند الأزمات الكبرى، لم يظهر لها دور واضح ضمن مشهد الأزمة، الأمر الذي أعاد طرح الأسئلة القديمة حول مفهوم الأمن العربي المشترك وحدود فاعليته في لحظات الاختبار الحقيقي.

وفي المقابل أيضًا، أثبتت عدة دول أجنبية أن استقرار الخليج يمثل مصلحة مباشرة لها، فظهرت مواقف داعمة ومساندة على المستويين السياسي والأمني، لأن العالم يدرك أن أي اضطراب في هذه المنطقة لا يبقى محصورًا داخل حدودها، بل ينعكس فورًا على الطاقة والتجارة الدولية والملاحة البحرية. وهنا برزت حقيقة أن الخليج لم يعد فقط منطقة إنتاج للطاقة، بل مركز توازن اقتصادي عالمي لا يمكن تجاهل تأثيره.

أما السؤال الذي فرض نفسه بعد إعلان وقف الحرب فهو: من المنتصر؟ والحقيقة أن الإجابة ليست سهلة، لأن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بحجم الضربات، بل بما تحقق سياسيًا بعد توقف النار. فكل طرف أعلن أنه حقق أهدافًا معينة، لكن الواقع يؤكد أن الجميع خرج وهو يحمل أعباء جديدة، وأنه لا طرف استطاع فرض صورة انتصار كامل. المنتصر الحقيقي حتى الآن هو من حافظ على تماسكه الداخلي، ومنع انهيار مصالحه الأساسية، واستطاع إدارة المرحلة دون خسارة استراتيجية كبرى.

لكن ما كشفته الهدنة أيضًا أن بعض الجبهات لم تتوقف فعليًا. ففي الوقت الذي أعلنت فيه التهدئة، استمرت إسرائيل في تركيز ثقلها العسكري والسياسي على لبنان، وكأنها تنقل مركز المواجهة إلى ساحة واحدة بعد أن هدأت ساحات أخرى. وهذا ما أظهر أن الحرب على لبنان أخذت طابع الانفراد الكامل، حيث بقي لبنان يصارع العدو الذي ما زال يحتل أراضيه ويواصل الضغط العسكري عليه، رغم أن منطق الهدنة كان يفترض أن تشمل التهدئة مختلف الجبهات، ومنها الجبهة اللبنانية.

أما التوقعات من الهدنة ونتائجها، فهي متعددة. أول هذه التوقعات أن جميع الأطراف ستستغل فترة الأسبوعين لإعادة تقييم الخسائر وإعادة ترتيب أولوياتها السياسية والعسكرية. كما أن الأسواق الإقليمية والعالمية ستستفيد من فترة الهدوء النسبي، خاصة في ما يتعلق بحركة الطاقة والملاحة. كذلك من المتوقع أن تنشط الاتصالات الدبلوماسية خلال هذه الفترة، لأن كثيرًا من القوى الدولية تدرك أن العودة السريعة إلى التصعيد ستجعل المنطقة كلها أمام مخاطر أكبر.

إن الهدنة، مهما بدت في ظاهرها فرصة لالتقاط الأنفاس، فإنها في جوهرها اختبار سياسي جديد للمنطقة كلها، لأن نجاحها لا يقاس فقط بوقف إطلاق النار، بل بقدرة الأطراف على منع انتقال الحرب إلى جبهات أخرى أكثر خطورة. وإذا كانت الأيام الماضية قد كشفت كثيرًا من الحقائق التي لم تكن واضحة، فإن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى استقرار محسوب أو إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة. وبين هذا وذاك، يبقى الثابت أن دول الخليج خرجت من هذه المرحلة أكثر إدراكًا لحجم التحديات، وأكثر وعيًا بأن أمنها لم يعد مرتبطًا فقط برد الفعل، بل بقدرتها على قراءة التحولات مبكرًا، لأن الحروب الحديثة لا تنتهي عند توقف النار، بل تبدأ بعدها مرحلة أصعب، وهي مرحلة تثبيت النتائج ومنع تكرار الأسباب التي أشعلتها.

اقرأ المزيد

alsharq قطر وسوريا.. علاقات أخوية تزداد رسوخا

تزداد العلاقات بين دولة قطر والجمهورية العربية السورية الشقيقة، رسوخا ومتانة، يوما بعد يوم، حيث تشهد علاقات التعاون... اقرأ المزيد

96

| 23 أبريل 2026

alsharq العدل.. وعد لا يتأخر

•تخبرنا سنن الله في الكون، كما يخبرنا واقعنا وما يشهده العالم من صور الظلم والابتلاء، أن الظلم مهما... اقرأ المزيد

162

| 23 أبريل 2026

alsharq حين يحزن الوطن

هناك حزنٌ لا يحتاج إلى تفسير، حزن يمرّ على القلوب بهدوء، لكنه يترك فيها أثراً واضحاً، كأنه يذكّرنا... اقرأ المزيد

153

| 23 أبريل 2026

مساحة إعلانية