رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

174

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

الخليج يترقب.. ماذا بعد حصار مضيق هرمز؟

17 أبريل 2026 , 12:30ص

في ظل التوترات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، يبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا، ليس فقط لأنه ممر بحري ضيق تعبر منه السفن، بل لأنه يمثل شريانًا اقتصاديًا عالميًا ترتبط به مصالح الطاقة والتجارة الدولية، وتقوم عليه حسابات اقتصادية دقيقة لدول الخليج والعالم معًا. ولهذا فإن أي حديث عن حصار هذا المضيق أو تعطيل الملاحة فيه لا يُنظر إليه كحدث عابر، بل كاحتمال يفتح أبوابًا واسعة من التساؤلات حول ما قد يحدث بعد ذلك، وما إذا كانت المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والتجاذبات السياسية التي قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم.

إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن حصار المضيق هو سوق الطاقة العالمي، لأن نسبة كبيرة من النفط والغاز المصدر من الخليج تمر عبر هذا المسار البحري الحيوي. وتعد قطر في مقدمة الدول المرتبطة بهذا الممر، نظرًا إلى مكانتها العالمية في تصدير الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، حيث إن أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز، ويرفع كلفة التأمين البحري، ويؤثر على مواعيد التسليم والعقود التجارية، ويزيد من حالة القلق في الأسواق الدولية، لأن العالم بأسره ينظر إلى هذا المضيق بوصفه أحد أهم مفاتيح استقرار الطاقة.

لكن الأثر الحقيقي لا يقف عند الطاقة وحدها، بل يمتد إلى الاقتصاد الخليجي بأكمله، لأن دول مجلس التعاون لم تعد اقتصاداتها قائمة على النفط فقط، بل أصبحت مرتبطة بشبكات استثمارية عالمية، وموانئ حديثة، وأسواق مالية متقدمة، ومشروعات تنموية ضخمة، وخطط طويلة المدى تقوم على الاستقرار وجذب الاستثمار. ولذلك فإن أي سيناريو تصعيدي طويل في هذا الممر قد ينعكس على حركة التجارة، وعلى ثقة المستثمرين، وعلى تكاليف النقل والاستيراد، بل وحتى على المشروعات المستقبلية التي تعتمد على وضوح البيئة الإقليمية واستقرارها.

ومن هنا تظهر حساسية المرحلة؛ فدول الخليج تدرك أن هذه السيناريوهات ليست مجرد تطورات عسكرية، بل قد تتحول إلى أدوات ضغط اقتصادي واسع، ولهذا جاء موقفها قائمًا على الحذر وعدم الانجرار وراء أي تصعيد قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. وقد أثبتت دول المجلس خلال الأزمات الأخيرة أنها أكثر تمسكًا بالتوازن، وأكثر حرصًا على أن تبقى أراضيها بعيدة عن أن تكون جزءًا من المواجهة المباشرة، لأن المصلحة العليا تكمن في حماية الاستقرار الداخلي أولًا، والحفاظ على المنجزات التي تحققت خلال العقود الماضية.

إن بعض القراءات ترى أن استمرار التوتر في المنطقة قد يفتح المجال أمام موجة جديدة من سباقات التسلح، ويدفع إلى مزيد من صفقات الدفاع، وكأن الخوف الإقليمي يتحول أحيانًا إلى سوق مفتوحة تعاد فيها حسابات الإنفاق العسكري. غير أن دول الخليج، رغم تعزيز قدراتها الدفاعية، أظهرت أنها لا تنظر إلى الحل من زاوية عسكرية فقط، بل من زاوية سياسية واقتصادية أشمل، تقوم على أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بالحكمة، وبمنع الانزلاق إلى استنزاف طويل قد تكون كلفته أكبر من أي مكاسب متوقعة.

كما أن دول المجلس عملت خلال السنوات الماضية على بناء بدائل واستعدادات مهمة، من خلال تطوير الموانئ، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتوسيع قدرات النقل والتخزين، وتقوية البنية التحتية للطاقة والمياه، وهو ما يمنحها قدرة أفضل على مواجهة أي اضطرابات مؤقتة. غير أن هذه البدائل، مهما بلغت قوتها، لا تلغي حقيقة أن استمرار القلق في المضيق يظل عبئًا اقتصاديًا على المنطقة كلها، لأن حركة الأسواق تتأثر أحيانًا بمجرد التوقع قبل وقوع الحدث.

وفي المقابل، فإن العالم نفسه لا يستطيع تجاهل خطورة أي تعطيل طويل في هذا الممر، لأن دولًا كبرى مثل الصين والهند واليابان تعتمد على مرور الطاقة من الخليج، وأي خلل طويل سيدفع هذه الدول إلى التحرك سياسيًا، لأن مصالحها الاقتصادية ترتبط مباشرة باستمرار الملاحة، وهو ما يجعل أي أزمة في المضيق أزمة عالمية لا إقليمية فقط.

إن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا يحدث عند الحصار؟ بل ماذا بعده؟ والجواب أن ما بعد أي حصار لن يكون انتصارًا لطرف بقدر ما سيكون اختبارًا لقدرة الجميع على العودة إلى العقلانية، لأن استمرار التوتر يعني استنزافًا طويلًا، وارتفاعًا في الكلفة على الجميع، بينما الحل السياسي يبقى هو الطريق الأقرب لتجنيب المنطقة مزيدًا من التعقيد.

لقد أثبت الخليج في السنوات الماضية أنه أكثر وعيًا بمصالحه، وأكثر إدراكًا أن التنمية التي تحققت تحتاج إلى حماية سياسية واقتصادية متوازنة، وأن الاستقرار ليس خيارًا ثانويًا بل هو أساس البناء كله. ولهذا فإن الحكمة الخليجية اليوم تقوم على عدم الانجرار، وعلى إبقاء القرار مستقلًا، وعلى التعامل مع الأزمات بمنطق الدولة التي تعرف مصالحها جيدًا وتحافظ على مصالح شعوبها.

نسأل الله تعالى أن يحفظ دولة قطر قيادةً وشعبًا، وأن يحفظ حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وأن يديم على الوطن نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وأن يحفظ دول الخليج العربية جميعًا من كل سوء، وأن يجنبها الفتن والحروب، وأن تبقى هذه المنطقة أرض سلام وتعاون وتماسك، وأن يحفظ شعوبها وكل من يعيش على أرضها، وأن يبعد عنها شر الحاقدين والحاسدين، وأن يجعل مستقبلها قائمًا على الحكمة والطمأنينة والسلام.

مساحة إعلانية