رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاهزية القطاع الخاص لمنظومة التأمين الصحي في قطر

تستعد قطر لدخول مرحلة صحية جديدة مع اقتراب تطبيق منظومة التأمين الصحي الجديدة، وهي خطوة أراها مفصلية في تطوير القطاع الصحي وتعزيز جودة الخدمات، وتحقيق توازن أكبر بين كفاءة التمويل وسهولة الوصول إلى الرعاية. فقد أصبحت المنظومة الحديثة ضرورة وطنية، وليست مجرد خيار تنظيمي، خاصة في ظل التوسع السكاني وتزايد الاعتماد على القطاع الصحي الخاص الذي يشكل اليوم ركيزة مهمة في تقديم خدمات العلاج والتشخيص والرعاية المتقدمة. ومن هنا تأتي أهمية تقييم مدى جاهزية القطاع الخاص لاستقبال هذه المنظومة، واستيعاب حجم الطلب المتوقع، وتطوير قدراته التشغيلية والفنية، وضمان قدرته على الالتزام بمعايير الرقابة والشفافية. إن التأمين الصحي، بأي نموذج يُطبَّق، لا يُقاس نجاحه فقط ببدء العمل به، بل بقدرته على الصمود أمام التحديات التي تبرز في المراحل الأولى، وفي مقدمتها ضبط الممارسات الطبية، وإدارة المطالبات، ومنع تضخم الفواتير أو تكرار الإجراءات، وهي أمور شهدتها دول عديدة عند الانتقال إلى التأمين الإلزامي. ولذلك أرى أنّ الرقابة الصارمة على تعامل المرافق الصحية الخاصة وشركات التأمين أصبحت جزءًا جوهريًا من نجاح المنظومة، بحيث تكون هناك محاسبة واضحة لمن يبالغ في الأسعار أو يقدّم خدمات غير ضرورية أو يحاول الالتفاف على متطلبات النظام. فالشأن الصحي لا يحتمل المجاملة، ولا يمكن تركه دون ضوابط دقيقة تحفظ المال العام وتضمن العدالة للمريض. وتبرز أهمية إدراج معلومات التأمين الصحي داخل البطاقة الشخصية، وهو اقتراح مهم يسهم في الحد من التلاعب، ويضمن سرعة التحقق من حالة المؤمن عليه، ويحمي النظام من استخدام البطاقات بطرق غير قانونية. هذه الخطوة، إن طُبقت بشكل محكم، ستشكل نقلة نوعية في سهولة تقديم الخدمة داخل المستشفيات والعيادات، وتختصر إجراءات التسجيل والتحقق، وتسد باب التزوير أو الاستغلال الذي قد يحدث في أي نظام تأميني. كما أنها تتماشى مع رؤية قطر في التحول الرقمي وربط الجهات الحكومية والخدمية ببنية موحدة ترفع من كفاءة الأداء وتقلل الأخطاء البشرية. ومن مؤشرات النجاح التي يمكن البناء عليها أن قطر اليوم تمتلك منظومة طبية متقدمة تتوزع بين مرافق حكومية بمستوى عالمي، وقطاع خاص نشط قادر على التوسع والاستثمار، وهو ما يجعل مشروع السياحة العلاجية خطوة طبيعية في هذا التطور الصحي. فتأشيرة السياحة العلاجية ليست مجرد مبادرة سياحية، بل مشروع اقتصادي وصحي يعكس ثقة الدولة في قدرات قطاعها الطبي، وقدرته على استقبال المرضى من الخارج دون التأثير على جودة الخدمة المقدمة للمواطنين والمقيمين. قد يتساءل البعض عن مدى جاهزية القطاع الخاص لهذا الدور، لكن المؤشرات الحالية — من توسعات مبانٍ جديدة، وزيادة في عدد الأطباء والاستشاريين، وتحسين الخدمات الفندقية الطبية — تدل على التوجه الصحيح في هذا المجال. وبرغم ذلك، تظل مسألة المواعيد وتدفق المرضى من أهم التحديات التي ستواجه المؤسسات الخاصة. فالضغط المتوقع بعد تطبيق النظام الجديد قد يؤدي إلى ازدحام، وهو ما يستدعي رفع الجاهزية التشغيلية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للعيادات، وإعادة تنظيم الجداول بطريقة تضمن سرعة الخدمة دون التأثير على الجودة. على المستشفيات والمراكز الخاصة أن توازن بين الربحية والواجب المهني، وأن تستثمر في تحسين إدارة الوقت، وتطوير أنظمة الحجز عن بُعد، واستخدام برامج الفرز الذكي لتحديد الحالات الطارئة وغير الطارئة. كما أرى أن من الواجب الأخلاقي والإنساني أن تراعي منظومة التأمين الجديدة احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال منحهم تغطيات خاصة وتسهيلات حقيقية في الخدمة دون إرهاقهم بالإجراءات أو التكاليف. فهذه الفئة تُعد الأكثر احتياجًا للعلاج الدوري والمتابعة المستمرة، وأي نظام صحي ناجح يجب أن يضعها في صدارة أولوياته، وأن يضمن لهم مسارات علاجية ميسرة تحميهم من التعقيد وترفع جودة حياتهم. وهذا جزء من التزام قطر تجاه مبادئ العدالة الاجتماعية ودعم الفئات التي تحتاج إلى رعاية مضاعفة. ولا يقلّ عن ذلك أهمية ضبط الأسعار، فنجاح التأمين الصحي مرهون بوجود أسعار عادلة وشفافة، تمنع المغالاة التي قد يمارسها البعض عند وجود جهة تأمين. فالتجارب السابقة أثبتت أن رفع الأسعار في بعض الخدمات مثل الأشعة والعمليات البسيطة قد يرهق النظام ويؤدي إلى خسائر مالية كبيرة. ومن هنا تأتي ضرورة وضع تسعيرة واضحة تستند إلى معايير طبية دقيقة، وتمنع الانحراف، وتحمي المريض من استغلال لا مبرر له. كما أنّ وجود آليات تدقيق إلكترونية يمنع مضاعفة الفواتير أو إدخال خدمات غير مطلوبة، وهو ما يسهم في الحفاظ على استدامة النظام وموثوقيته. ولا بد من التأكيد على أن الوعي المجتمعي عنصر رئيسي في إنجاح المنظومة. فالمريض يجب أن يعرف حدود تغطيته، وخطوات تقديم المطالبات، وما له وما عليه، وكيفية التصرف عند وقوع مشكلة أو رفض مطالبة. كثير من مشكلات الأنظمة التأمينية في العالم جاءت من جهل المستفيدين بحقوقهم أو سوء التعامل مع شركات التأمين. ولذلك فإن إطلاق حملات توعوية واسعة أمر لا بد منه قبل التطبيق وبعده، حتى لا يحدث ارتباك أو سوء فهم يؤدي إلى تذمر الناس، بينما النظام نفسه قد يكون جيدًا لكن طريقة الاستفادة منه غير واضحة. إن قطر تتجه بثقة نحو بناء نموذج صحي أكثر حداثة واستدامة، ويأتي التأمين الصحي الجديد ليؤكد أن الدولة ماضية في تطوير خدماتها، ورفع جودة الرعاية، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكًا حقيقيًا في بناء منظومة صحية متكاملة. ومع التطور الرقمي، والرقابة الصارمة، والتحسين المستمر، سيكون هذا النظام خطوة راسخة نحو مستقبل صحي يليق بقطر وأهلها وكل من يعيش على أرضها.

279

| 23 نوفمبر 2025

ملتقى التنمية الوطنية.. رؤية وعائد

جاء انعقاد ملتقى التنمية الوطنية تحت رعاية معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية ورئيس مجلس التخطيط الوطني ليكون منصة مرجعية مهمة لعرض اتجاهات العمل الحكومي وتقديم قراءة صريحة للتقدم المحرز في مجالات التنمية المختلفة، وقد حمل الملتقى هذا العام طابعًا عمليًا يعكس وضوح الرؤية الحكومية وتصميمها على تعزيز جودة الحياة والاستدامة ضمن إطار وطني متكامل، وقد استعرض الملتقى محاور عدة، كان أبرزها القطاع الصحي الذي حظي باهتمام واسع لكونه يمثل القاعدة الأساسية لأي تنمية بشرية، وقد شمل العرض الصحي رؤية واضحة لما يعمل عليه القطاع من تحول جذري، حيث بات النهج الصحي قائمًا على الاستباقية والوقاية بدلاً من ردود الفعل التقليدية، مع التركيز على خفض معدلات الأمراض المزمنة وتعزيز الوعي الصحي المجتمعي، وتمت الإشارة إلى أن المنظومة الصحية تتجه نحو التوسع في البنية التحتية عبر إنشاء مرافق جديدة وتحديث المستشفيات وتوسيع القدرة الاستيعابية في مختلف المستويات العلاجية، إضافة إلى تحسين خدمات الطوارئ وتطوير آليات التدخل السريع بما يضمن جاهزية أعلى وقدرة أفضل على الاستجابة للحالات الحرجة، كما تناول العرض تعزيز دور التكنولوجيا الحديثة في تطوير القطاع، حيث تم التأكيد على إدخال نظم الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص المبكر وتحليل البيانات الطبية الكبيرة، مما يسهم في رفع دقة التشخيص وتقليل الأخطاء الطبية وتحسين تجربة المستفيد، وتم كذلك التأكيد على أن التحول الرقمي في الصحة ليس خيارًا بل ضرورة، ولذلك يجري العمل على تطوير نظام إلكتروني موحد يربط بين المراكز الصحية والمستشفيات ويُمكّن من إدارة الملفات الطبية بشكل آمن وفعّال، ومن أهم ما جاء في الجلسة الصحية إعلان البدء في تطبيق نظام التأمين الصحي في مطلع العام القادم، وهو ما يعد خطوة نوعية من شأنها تنظيم العلاقة بين مقدمي الخدمات والمستفيدين وتعزيز القدرة على التخطيط المالي الصحي بشكل أكثر كفاءة، وقد أوضح العرض أن النظام الجديد سيتيح خيارات واسعة للمستفيدين، ويخلق بيئة تنافسية إيجابية بين مزودي الخدمة الصحية، مما يرفع مستوى الجودة ويضمن وصول الخدمات بشكل منصف، كما تمت الإشارة إلى أن النظام الصحي الجديد سيشمل آليات للرقابة الصارمة على جودة الخدمات، وأن المرحلة المقبلة ستشهد تعاونًا أوسع بين القطاعين العام والخاص لتطوير نموذج صحي مستدام وشامل، وعلى المستوى الاجتماعي أبرز الملتقى أن التنمية الاجتماعية أصبحت محورًا جوهريًا في رؤية الدولة، حيث تم استعراض برامج تدعم الاستقرار الأسري بوصفه أساس المجتمع، إضافة إلى جهود تمكين المرأة والشباب وتوسيع برامج الدمج لذوي الإعاقة في التعليم والعمل، مع التركيز على بناء منظومة حماية اجتماعية حديثة وشاملة تستجيب لمتطلبات المجتمع وتحدياته، كما عُرضت مبادرات تتعلق بدعم الوالدين وتعزيز دور الأسرة في بناء القيم وتنمية الوعي المجتمعي، في إشارة واضحة إلى أن المجتمع هو المحور الأول للتنمية، وفي الجانب الثقافي تناول الملتقى رؤية تعتبر الثقافة مكونًا أساسيًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذ تم استعراض خطط تطوير الصناعات الإبداعية ودعم المواهب الوطنية وتحديث الفضاءات الثقافية مثل المتاحف والمراكز الفنية، إلى جانب تشجيع الفنون الرقمية والمحتوى الإبداعي الجديد وربط الثقافة بمجالات التعليم والسياحة والتكنولوجيا لتعزيز الهوية الوطنية وتجديد أدوات التعبير الثقافي، أما على صعيد السياحة فقد تم تقديم رؤية متكاملة لتطوير القطاع بما يجعله رافدًا اقتصاديًا مستدامًا، حيث شملت الخطة تنويع المنتج السياحي عبر السياحة التراثية والعائلية والتعليمية والرياضية والعلاجية، إضافة إلى تطوير الفعاليات الكبرى والمهرجانات واستهداف أسواق عالمية متعددة، كما تمت الإشارة إلى مشاريع تطوير المرافق الساحلية والواجهات البحرية والبنية التحتية الترفيهية بما يخلق تجربة سياحية متكاملة تجمع بين الأصالة والحداثة وتعزز مكانة الدولة كوجهة نوعية في المنطقة والعالم، وقد حملت جلسات الملتقى توصيات ضمنية متعددة منها تعزيز التكامل بين الوزارات باعتبار أن التنمية نظام مترابط لا يقوم على جهود منفصلة، وتسريع التحول الرقمي للخدمات الحكومية، وإشراك المجتمع والقطاع الخاص كشركاء حقيقيين في التنمية، وتعميق الشفافية في طرح المشروعات والتحديات، وتعزيز الاستثمار في الإنسان بوصفه أساس التنمية، ومن مجمل ما عُرض يمكن استخلاص أن الدولة تسير وفق رؤية واضحة تقوم على التخطيط العميق والتحليل العلمي، وأن الخدمات الأساسية تشهد تحديثًا مستمرًا يعكس جدية في التطوير، وأن السياسات تُطرح أمام المجتمع بوضوح يعزز الثقة ويقوي الوعي العام، أما العائد الحقيقي من الملتقى فهو توحيد الرؤية بين الجهات الحكومية، وطمأنة المجتمع بأن مسار التنمية يسير بثبات، وتحفيز الجهات التنفيذية لتسريع الإنجاز، وترسيخ توجه وطني يضع الإنسان في مركز التنمية، ويعزز استدامة العمل الحكومي ومسار التطور، وبذلك يؤكد الملتقى أن مستقبل الدولة يُصنع من خلال رؤية متكاملة وسياسات متناسقة واستمرار في التحديث بما يضمن جودة حياة مستدامة وتنمية تمتد أثرها لسنوات طويلة.

111

| 20 نوفمبر 2025

البيروقراطية.. بين النظام والجمود

الكثير منّا يعرف ما تعني البيروقراطية في العمل، وكيف أنها سلاح ذو حدّين؛ فهي من جهة تمثل النظام والانضباط وحفظ الحقوق، ومن جهة أخرى قد تتحول إلى روتينٍ قاتل يعوق الإنجاز ويشلّ الحركة. وفي زمن تتسارع فيه وتيرة التطور الإداري والرقمي، بات من الضروري فهم هذا المصطلح الذي يلامس حياة الموظف والمراجع والمؤسسة على حد سواء. أصل المصطلح ومعناه: ترجع كلمة بيروقراطية إلى اللغة الفرنسية، وتتكون من جزأين: Bureau أي المكتب، و Cratie أي الحكم أو السلطة، والمعنى الحرفي هو “حكم المكاتب”. أي أن السلطة الإدارية تُمارس من خلال المكاتب والقواعد والإجراءات الرسمية. وقد استخدمها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر لوصف النظام الإداري المثالي الذي يقوم على القواعد الثابتة والتسلسل الهرمي وتوزيع المهام بوضوح، بهدف ضمان العدالة والمساواة في تطبيق القوانين. ومع مرور الوقت، اكتسب المصطلح معاني متناقضة بين التنظيم والجمود. ورغم الانتقادات الكثيرة، إلا أن البيروقراطية تحمل العديد من المزايا التي لا يمكن تجاهلها، ومنها: • الانضباط والوضوح في العمل: النظام البيروقراطي يعتمد على قواعد مكتوبة، ما يجعل سير العمل منظمًا ويمنع القرارات العشوائية أو المزاجية. • العدالة والمساواة: تطبيق القوانين على الجميع دون استثناء يُحقق مبدأ العدالة ويقلل من المحاباة والوساطات. • تحديد المسؤوليات: تقسيم العمل إلى مهام محددة يجعل كل موظف يعرف دوره وصلاحياته، مما يسهل المحاسبة ويمنع التداخل بين الاختصاصات. • الاستقرار المؤسسي: استمرارية الأنظمة والإجراءات تضمن بقاء المؤسسة فاعلة حتى عند تغيّر الأشخاص، لأن الأداء يعتمد على النظام لا على الأفراد. • الشفافية والتوثيق: توثيق المعاملات والمكاتبات الإدارية يعزز من الشفافية، ويتيح الرجوع إليها عند الحاجة أو عند التحقيق في الأخطاء. في المقابل، فإن البيروقراطية عندما تُمارس بشكل مفرط قد تصبح عائقًا أمام التطور وتقتل روح الإبداع داخل المؤسسات، ومن أبرز سلبياتها: • الجمود وضعف المرونة: الالتزام الصارم بالقوانين يجعل البيروقراطية عاجزة عن التكيف مع الحالات الاستثنائية أو الأوضاع الطارئة، ما يؤدي إلى بطء القرار. • الروتين الممل: تعدد التواقيع والموافقات يُرهق الموظفين ويُعطل مصالح المواطنين، فيصبح الإنجاز رهين الورق والتواقيع بدل الكفاءة. • تضخم الجهاز الإداري: تميل المؤسسات البيروقراطية إلى التوسع غير المبرر في الأقسام والموظفين، مما يؤدي إلى الهدر المالي وضعف الإنتاجية. • ضعف المبادرة والإبداع: الخوف من مخالفة القواعد يجعل الموظف ينفذ الأوامر دون تفكير أو اقتراح حلول جديدة، فتنطفئ روح الابتكار تدريجيًا. • فقدان ثقة المواطن بالمؤسسة: حين تطول المعاملات وتتعقد الإجراءات، يشعر المواطن بأن الإدارة وُجدت لتعقيده لا لخدمته، فتضعف العلاقة بينه وبين الجهاز الحكومي. إنّ التحدي الحقيقي لا يكمن في القضاء على البيروقراطية، بل في إصلاحها وتطويرها. فالنظام ضروري لضمان العدالة، لكن الإفراط في تطبيقه دون مرونة يؤدي إلى الجمود. ولهذا اتجهت الدول الحديثة إلى اعتماد مفاهيم مثل الإدارة الذكية والحكومة الإلكترونية لتقليل الورق والروتين وتحقيق الكفاءة. فالتحول الرقمي في المؤسسات الحكومية اليوم يُعد الحل الأمثل للتخفيف من آثار البيروقراطية، من خلال تقديم الخدمات إلكترونيًا وربط الإدارات بنظام موحد يختصر الوقت والجهد ويمنح المواطن تجربة أكثر مرونة وعدالة. في النهاية، تبقى البيروقراطية سيفًا ذا حدين: يمكن أن تكون وسيلة لتنظيم العمل وضبطه، كما يمكن أن تتحول إلى جدارٍ يمنع التقدم ويخنق الإبداع. ولذا يجب على الإدارات الحديثة أن تُوازن بين القانون والمرونة، وبين النظام والإنجاز. فالبيروقراطية إذا أُديرت بحكمة تصبح ركيزة للعدالة، أما إذا تُركت دون إصلاح فستكون عبئًا يُثقِل كاهل المجتمع ويُبطئ حركة التطوير.

285

| 18 نوفمبر 2025

الوظيفة بين المقابلات والانتظار.. متى تنتهي رحلة البحث؟

يواجه العديد من القطريين والقطريات الراغبين في العمل بالوزارات والمؤسسات الحكومية عقبة متكررة لا تزال تشكل هاجسًا اجتماعيًا واقتصاديًا مؤرقًا، وهي طول الانتظار وكثرة المقابلات دون نتائج واضحة أو تعيين فعلي، فعلى الرغم من التطور الكبير في آليات التوظيف وتبني الدولة لمنصات إلكترونية حديثة، ما زال كثير من الشباب القطري يعيش حالة من الترقب والإحباط، منتظرًا فرصة عمل تتناسب مع مؤهلاته وطموحاته. نظام التوظيف بين التنظيم والبيروقراطية: يتولى ديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي مسؤولية التعيين في الوزارات والجهات الحكومية عبر منصة “كوادر” الإلكترونية، وهي المنصة الرسمية التي تهدف إلى ربط الباحثين عن عمل بالوظائف الحكومية الشاغرة بشفافية وتنظيم، إلا أن الواقع العملي يطرح تساؤلات حول فعالية النظام، إذ إن معظم المتقدمين يجتازون مراحل التسجيل والمقابلات والتحديثات الدورية، لكنهم لا يتلقون ردودًا حاسمة أو مواعيد دقيقة للتعيين، مما يجعل النظام يبدو وكأنه دائرة انتظار طويلة بلا مخرجات ملموسة. رحلة الباحث عن عمل عبر منصة “كوادر” تمر عملية التوظيف بعدة خطوات تبدأ بإنشاء حساب إلكتروني على الموقع الرسمي www.kawader.gov.qa، وتعبئة السيرة الذاتية ورفع الشهادات والخبرات، ثم البحث عن الوظائف المناسبة والتقديم عليها إلكترونيًا، بعد ذلك يُفترض أن يتلقى المتقدم إشعارًا من ديوان الخدمة المدنية في حال ترشيحه للمقابلة، لتتم بعد ذلك الخطوات اللاحقة من فحص طبي وتوقيع قرار التعيين بالتنسيق مع الجهة الحكومية المعنية. إجراء يبدو منظمًا على الورق، لكنه في الواقع قد يستغرق وقتاً طويلاً دون نتيجة واضحة، ما يدفع الكثيرين للتساؤل: أين تكمن المشكلة؟ هل في ضعف المتابعة؟ أم في تأخر الجهات في اعتماد الترشيحات النهائية؟ المشكلة ليست في النظام بل في التطبيق الخلل لا يكمن في وجود منصة “كوادر” ولا في القوانين المنظمة، بل في الإجراءات البيروقراطية وتعدد الجهات المعنية بالتوظيف، حيث تتردد الملفات بين الديوان والمؤسسات المستفيدة دون جدول زمني محدد، مما يخلق فجوة بين حاجات السوق الفعلية ورغبة الشباب في العمل. ولعل الأكثر إرباكًا أن بعض المؤسسات الحكومية ترفض قبول المتقدمين الذين سبق لهم العمل في جهة حكومية أخرى، بحجة أنه “انتقل من عمل سابق”، وكأن الانتقال لتحسين الوضع المهني أو المعيشي جريمة، بينما الأصل أن يُشجع الطموح والتطور الوظيفي الى جانب الاستفادة من خبرات المتقدم لا أن يُعاقب عليه. تحديات تتجاوز الوظيفة نفسها الأزمة لا تقف عند طول الانتظار، بل تمتد إلى عدم توازن العرض والطلب في التخصصات، فهناك مئات الخريجين من الجامعات داخل قطر وخارجها في تخصصات متعددة، يقابلهم عدد محدود من الوظائف الحكومية. ومع دخول دفعات جديدة من الخريجين كل عام، تتضاعف الأعداد في قوائم الانتظار، ما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: إلى متى يستمر هذا الوضع؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة في التعيين بعيدًا عن الانتقائية أو المحسوبية؟ القطاع الخاص شريك لا بد منه لم يعد من الممكن الاعتماد على التوظيف الحكومي وحده كحل دائم، فالدولة اليوم تتجه بخطوات مدروسة نحو تفعيل دور القطاع الخاص واستيعاب الكفاءات الوطنية فيه، غير أن ذلك لن يتحقق ما لم يشعر الموظف القطري في هذا القطاع بالأمان والاستقرار الوظيفي نفسه الذي يتمتع به نظيره في الوزارات والمؤسسات الحكومية. ومن هنا تأتي الدعوة إلى أن تساهم الدولة في منح الامتيازات للموظف القطري في القطاع الخاص أسوة بما تمنحه للموظف الحكومي سواء من حيث الراتب والعلاوات والسكن وقرض البناء ونظام التقاعد ومزايا أخرى، بهذا التوجه يصبح القطاع الخاص جاذبًا للكفاءات الوطنية لا طارداً لها، ويكون المواطن أمام خيارات متوازنة بين العمل في الحكومة أو في الشركات الوطنية دون أن يفقد المزايا التي يستحقها. رؤية إصلاحية مطلوبة تحتاج المنظومة إلى مراجعة شاملة، تبدأ من تحديد احتياجات كل وزارة أو مؤسسة حكومية بدقة، مرورًا بربطها إلكترونيًا بمنصة “كوادر”، وانتهاءً بتحديد مدة زمنية لا تتجاوز شهرين بين المقابلة وإصدار قرار التعيين، كما يجب أن تكون هناك شفافية في إعلان النتائج، وتوضيح أسباب الرفض أو التأجيل، إن ما تبذله الدولة من جهود كبيرة في تطوير الأنظمة الإلكترونية والتخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية، فإن المطلوب اليوم هو تفعيل هذه الأنظمة عمليًا وتقصير دورة الإجراءات البيروقراطية التي تطيل انتظار المواطنين. فليس من المنطقي أن تبقى الكفاءات الوطنية معلقة في طوابير الانتظار والمقابلات الشكلية، بينما تمتلك الدولة من الإمكانات والموارد ما يؤهلها لتكون نموذجًا في كفاءة إدارة الموارد البشرية الوطنية. لقد آن الأوان لإعادة النظر في منظومة التوظيف لتصبح أكثر سرعة وشفافية وعدالة، قائمة على مبدأ الكفاءة، تعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتترجم عمليًا أهداف رؤية قطر الوطنية 2030 التي تضع الإنسان في صميم التنمية، وتؤكد أن القطري هو الثروة الحقيقية للوطن.

228

| 16 نوفمبر 2025

حفريات لا تنتهي.. مشاريع بين التخطيط والتعطيل

منذ انطلاقة مشاريع البنية التحتية الكبرى التي ترافقت مع التحضيرات لكأس العالم، شهدت المدن القطرية طفرة في أعمال الحفر المرتبطة بمشاريع الصرف الصحي وشبكات المياه الجوفية، وهي مشاريع لا شكّ أنها حيوية وضرورية، تهدف لتحسين جودة الحياة ومعالجة تراكمات قديمة في أنظمة التصريف والتغذية الأرضية. لكن، ما إن انتهى المونديال حتى بقيت كثير من هذه المشاريع عالقة في منتصف الطريق، فتحوّلت من رموز للتطوير إلى مشهد يومي من المعاناة. حفريات في كل مكان، شوارع مغلقة أو نصف مغلقة، طرق تحولت إلى ممرات ترابية، ومواقع تحوي أكوام الأنابيب والمعدات التي لا تتحرك لأسابيع. مشهد يراه المواطن كل صباح وهو يقود سيارته بين الأحياء السكنية، محاولًا تجنّب الحواجز المعدنية والمطبات الترابية التي باتت جزءًا من ملامح الطريق. لا أحد ينكر أهمية هذه المشاريع، لكن الإشكال الحقيقي هو في إدارة التنفيذ والمتابعة والجدول الزمني الذي يبدو أنه غائب عن بعض المقاولين. كثير من الأحياء السكنية تحوّلت إلى ورش مفتوحة، خاصة في المناطق التي تتوسطها المدارس أو المراكز الخدمية، ما زاد من معاناة السكان، وأثّر على حركة المركبات، بل وتتسبب أحيانًا في حوادث بسبب ضيق المسارات أو ضعف الإنارة حول مواقع الحفر. في بعض المناطق، أصبحت الحفريات قريبة جدًا من منازل السكان، حتى أن أصوات المعدات الثقيلة لا تتوقف ليلاً، والغبار يغطي النوافذ والسيارات. وتزداد المفارقة حين نعلم أن بعض المناطق السكنية ما زالت حتى اليوم تفتقر كليًا إلى شبكات صرف صحي متكاملة، رغم مضيّ سنوات على بدء المشاريع. فبينما تُحفر الشوارع في مواقع متكررة لإعادة الصيانة أو التمديد، هناك أحياء أخرى في أطراف المدن والضواحي تعتمد حتى الآن على خزانات الصرف التقليدية، ما يثير تساؤلات السكان عن أولويات التنفيذ وتوزيع المشاريع. المواطن يتساءل بحق: كيف تُصرف الملايين في الحفريات المتكررة في بعض المناطق، بينما مناطق أخرى ما زالت تنتظر شبكات الصرف منذ سنوات؟ المشكلة لا تتوقف عند الإزعاج فحسب، بل تمتد إلى الخطورة الفعلية لتلك الحفريات المكشوفة التي تُترك أحيانًا دون حواجز كافية، ما يعرّض المارة، خصوصًا الأطفال وكبار السن، لخطر السقوط أو الإصابة. كما أن تأخر ردم بعض المواقع بعد انتهاء العمل يؤدي إلى تجمع مياه جوفية أو أمطار، فتتحول الحفرة إلى بركة راكدة تجذب الحشرات وتشكل خطرًا بيئيًا وصحيًا. المطلوب اليوم ليس وقف هذه المشاريع، بل إعادة تنظيمها بجدول واضح ومسؤولية متابعة صارمة، فالمواطن لا يرفض التطوير، لكنه يرفض أن يتحول التطوير إلى معاناة يومية بلا نهاية. من حق السكان أن يعرفوا متى يبدأ المشروع ومتى ينتهي، وأن تُلزم الشركات المنفذة بمعايير السلامة ومواعيد الإنجاز. كما يجب أن تتدخل الجهات الرقابية لتقييم مستوى الإنجاز، ومعاقبة من يتقاعس أو يترك مواقع الحفر مفتوحة لفترات طويلة. لقد أثبتت التجربة أن المشكلة ليست في حجم المشروع، بل في إدارة الوقت والرقابة الميدانية. فهناك مشاريع مماثلة في دول أخرى تُنجز في أسابيع، بينما نرى عندنا أعمالاً تمتد لأشهر دون تغيير يُذكر. المواطن يريد حلولًا عملية لا وعودًا متكررة، ويريد أن يرى نهاية واضحة للحفر والازدحام الذي يعطل حياته اليومية. إن تطوير البنية التحتية هدف وطني لا يختلف عليه اثنان، ولكن النجاح الحقيقي يُقاس بمدى التوازن بين التطوير وراحة الناس. وما لم تُوضع آلية تنسيق فعالة بين الجهات المنفذة والبلديات وإدارة المرور، فستبقى هذه الحفريات علامة استفهام معلقة في كل شارع، وعنوانًا لمعاناةٍ لا تنتهي. فلنحوّل هذه المشاريع من مصدر ضيقٍ إلى مصدر فخرٍ، ولنثبت أن التخطيط الحضري في قطر قادر على الجمع بين التقدّم والإنجاز والاحترام الكامل لراحة المواطن وكرامته، فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بعدد الحفريات، بل بسرعة إنجازها وجودة تنفيذها وعدالتها في الوصول إلى كل منطقة دون استثناء. نُثني على الجهود الكبيرة التي تبذلها هيئة الأشغال العامة (أشغال) في تنفيذ مشاريع البنية التحتية وتوسعة شبكات الصرف والمياه، رغم التحديات الفنية والميدانية، إلا أننا نود أن نتقدم ببعض التوصيات والمقترحات التي من شأنها تسريع وتيرة العمل وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية. توصيات ومقترحات -1 تسريع استكمال شبكات الصرف الصحي في المناطق التي ما زالت تعتمد على الخزانات التقليدية، وتحديد جدول زمني معلن أمام الجمهور. -2 إلزام الشركات المنفذة بوضع لوحات توضيحية في كل موقع حفر تبين مدة المشروع ومراحل التنفيذ ومعلومات التواصل في حال الشكاوى. -3 تنسيق العمل بين الجهات المنفذة والبلديات وإدارة المرور لضمان عدم تعارض المشاريع أو تعطيل الطرق الحيوية لفترات طويلة. -4 تفعيل فرق رقابية ميدانية يومية لمتابعة سير العمل وضمان تطبيق معايير السلامة وحماية السكان. -5 نشر تقارير دورية من الجهات المختصة توضح نسب الإنجاز في مشاريع البنية التحتية لتعزيز الشفافية والمساءلة. -6 تحفيز المقاولين الملتزمين بإنجازاتهم ومنحهم الأولوية في المشاريع المستقبلية، مقابل محاسبة المتأخرين أو المقصرين. المواطن لا يطلب المستحيل، بل يريد عملاً منظمًا يوازي طموحات الدولة ويعكس صورتها الحضارية في إدارة المشاريع الكبرى، لتبقى قطر دائمًا نموذجًا في التخطيط والإنجاز والمواطنة المسؤولة.

513

| 13 نوفمبر 2025

أمن وأمان وطن بتوجيهات قيادته وأصالة شعبه

في عالمٍ تتزايد فيه الاضطرابات والتحديات تبقى نعمة الأمان أعظم ما تُرزق به الأمم وثمرة قيادة راشدة تعرف كيف توازن بين استقرار الوطن ورفاهية المواطن وفي قطر أصبح الأمان واقعًا يوميًا بفضل رؤيةٍ حكيمة جعلت من الإنسان محور التنمية ومن العدالة أساس الاستقرار، الأمن في قطر لم يكن صدفة بل نتاج تخطيطٍ وبناءٍ على أسسٍ من العدالة وتكافؤ الفرص، فالقوة الحقيقية لا تُقاس بالسلاح، بل بوعي الشعب وثقته في قيادته ولهذا جاء الاستثمار في التعليم والصحة والعمل ركيزةً للأمن الاجتماعي وضمانًا لاستمرار التنمية المتوازنة التي تجعل المواطن شريكًا في حماية وطنه. لقد أثبت الشعب القطري أنه الحارس الأول للأمان بوعيه وانتمائه ووقوفه الدائم خلف قيادته في أوقات الشدّة قبل الرخاء فالثقة التي غرستها القيادة في نفوس المواطنين أثمرت ولاءً راسخًا وتلاحمًا وطنيًا يزداد قوة مع كل تحدٍ ولأن الأمن لا يتحقق بالبنية التحتية وحدها ركزت الدولة على بناء الإنسان القطري الواعي القادر على المشاركة والمبادرة ليكون الأمن ثقافةً مجتمعية تشمل الأسرة والمدرسة والإعلام والمسجد في منظومةٍ واحدة تُعزز القيم والأخلاق والانتماء. كما أثبتت القيادة القطرية أن السياسة الحكيمة والدبلوماسية الهادئة قادرة على حماية الداخل وتعزيز مكانة الوطن خارجيًا فبينما تتأرجح سياسات المنطقة ظلت قطر صوت العقل والحوار تحترم السيادة وتدعو إلى العدالة ما جعلها موضع ثقةٍ واحترامٍ إقليمي ودولي، أما العدالة فهي حجر الأساس الذي يقوم عليه الأمان فعندما يثق المواطن بأن القانون يحميه وأن مؤسسات الدولة تعمل لصالحه يترسخ الاستقرار في النفوس ويتحول الانتماء إلى طاقةٍ إيجابية تدفع المجتمع نحو التقدم وهذه الممارسة اليومية للعدالة جعلت قطر من أكثر الدول احترامًا للنظام وسيادة القانون. ولم يقتصر الأمان القطري على الداخل بل امتد أثره إلى الخارج عبر المبادرات الإنسانية والإغاثية التي عززت مكانة الدولة في العالم فجمعت بين الأمن الوطني والتأثير الإنساني في توازنٍ قلّ نظيره وفي ظل التحولات التكنولوجية أدركت قطر أن الأمن الفكري والرقمي لا يقلان أهمية عن الأمن المادي فعملت على رفع الوعي وحماية العقول من التطرف لتصبح منظومة الأمن شاملة لكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية. إن نعمة الأمان في قطر ثمرة حكمةٍ ورؤيةٍ وإيمانٍ بأن وحدة الشعب والقيادة هي سر القوة والاستقرار قيادةٌ تسير بخطى ثابتة وشعبٌ وفيّ يبادلها الإخلاص والولاء وفي ظل هذا التلاحم تظل قطر واحة أمانٍ ونورٍ في عالمٍ مضطرب وطنًا يبني مستقبله بثقةٍ واستقرارٍ وعقلٍ قياديٍ راشد.

195

| 09 نوفمبر 2025

قمة التنمية الاجتماعية في الدوحة

تشهد الدوحة في الفترة من الرابع إلى السادس من نوفمبر 2025 انعقاد القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية، والتي تنطلق رسميًا يوم الثلاثاء الرابع من نوفمبر، في حدث دولي يترقبه المجتمع الدولي لما يحمله من رؤية جديدة تعيد رسم مفهوم التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها العالم، وتزايد الفجوات بين الشعوب، وتنامي الحاجة إلى نماذج تنموية تُعلي من قيمة الإنسان وتضعه في صدارة الأولويات الوطنية والدولية. هذا الحدث يرسّخ مكانة الدوحة كمركز عالمي للحوار والمبادرات الإنسانية، ووجهة للدبلوماسية الفاعلة التي تسعى لبناء الجسور وتوحيد الجهود الدولية من أجل مستقبل أكثر إنصافًا واستقرارًا. ولا يُنظر إلى هذه القمة كفعالية بروتوكولية، بل كمنصة لإطلاق رؤية جديدة لعقد اجتماعي عالمي، يقوم على التعاون والتضامن والتكامل بين الدول والمؤسسات والأفراد، بعيدًا عن النموذج التقليدي الذي ركّز لعقود على الأرقام الاقتصادية وتجاهل في كثير من الأحيان متطلبات الإنسان وحقوقه الأساسية. ويأتي انعقاد هذه القمة في توقيت يشهد فيه العالم تغيرات عميقة، من تحولات اقتصادية جذرية إلى ثورة تكنولوجية تعيد تشكيل أسواق العمل، ومن تحديات مناخية تضرب موارد الدول إلى موجات هجرة ونزاعات تلقي بظلالها على الأمن الإنساني، ما يجعل من الضروري إعادة التفكير في الأدوات والسياسات التي بُنيت عليها التنمية لعقود طويلة. إن انعقاد هذا الحدث العالمي في الدوحة يمثل اعترافًا دوليًا بالدور المتنامي لدولة قطر في صياغة الأفكار العالمية، وتعزيز الحوار الإنساني، ودعم الدول في مسيرة التنمية المستدامة. فالدوحة أصبحت خلال السنوات الأخيرة منصة رائدة تجمع القادة وصنَّاع القرار والخبراء لوضع حلول واقعية لمشكلات العالم، انطلاقًا من رؤية ترتكز على أن التنمية ليست رفاهًا اقتصاديًا فقط، بل منظومة متكاملة تبدأ بالإنسان وتنتهي بتحقيق الكرامة الإنسانية للجميع دون تمييز. وتعتبر هذه القمة فرصة عالمية لمناقشة سبل تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وتطوير برامج الرعاية، وتمكين الفئات الأكثر هشاشة، وضمان تكافؤ الفرص، ودعم الشباب ليكونوا جزءًا من صناعة المستقبل لا مجرد متلقين للفرص. كما تشكل مناسبة لإعادة تقييم دور المرأة في التنمية باعتبارها شريكًا رئيسيًا في بناء المجتمعات الحديثة، ولتأكيد دور الأسر والمجتمعات المحلية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي. ويؤكد هذا الحدث أن العالم بات يدرك أن النمو الاقتصادي مهما كان ضخمًا لا يمكن أن ينجح بمفرده في بناء مجتمعات مستقرة، وأن العدالة الاجتماعية ركيزة أساسية لتنمية دائمة، وأن غيابها يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وارتفاع البطالة وتآكل الثقة بين الشعوب ومؤسساتها. ولعل ما يميز هذه القمة هو الإيمان العميق بأن الإنسان هو رأس المال الأهم، وأن الاستثمار في التعليم والصحة والمهارات وتنمية القدرات هو الطريق الحقيقي لبناء مستقبل مزدهر. كما تؤكد القمة أهمية خلق منظومات مرنة قادرة على مواجهة الأزمات مثل الأوبئة والتقلبات الاقتصادية، وأن الحماية الاجتماعية ليست ترفًا بل ضرورة إستراتيجية. ومن خلال استضافة هذا الحدث، تقدم الدوحة نموذجًا حضاريًا يعكس رؤيتها القائمة على التوازن بين التقدم الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وعلى ترسيخ قيم التعاون العالمي والمسؤولية الإنسانية. ويمثل المؤتمر فرصة لتعزيز مكانة قطر كدولة داعمة لسلم واستقرار العالم، وواجهة للحوار البنَّاء والسياسات المستنيرة التي ترتكز على العقلانية والإنسانية في آن واحد. إن الرسالة التي تنطلق من هذه القمة هي أن العالم بحاجة إلى رؤية جديدة للتنمية تتجاوز الحسابات الضيقة وتبني على مبادئ المشاركة والتكافل ومواجهة التحديات بشكل جماعي، كما تبعث هذه القمة رسالة مفادها أن الدول القادرة على الجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية هي الدول التي ستقود مستقبل العالم. وفي الوقت الذي تسعى فيه الدول إلى التنافس على النفوذ والموارد، تقدم قطر من خلال استضافة هذه القمة نموذجًا للتنافس الإنساني الشريف القائم على السياسة الأخلاقية والدبلوماسية المسؤولة، بما يعزز موقعها كمركز إشعاع حضاري وإنساني. ومن المتوقع أن تسهم القمة في إطلاق مبادرات عالمية تتعلق بالحماية الاجتماعية والعمل اللائق والتنمية البشرية وتمكين الشباب، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي بين الحكومات والمنظمات الأممية والمؤسسات البحثية. وبذلك ستشكل هذه القمة علامة فارقة في مسيرة العمل التنموي الدولي، وستسهم في تعزيز الفهم العالمي لمفهوم التنمية الشاملة من منظور يوازن بين احتياجات الإنسان ومتطلبات الاقتصاد، ويعزز قيمة العدالة والتضامن. ومن الدوحة، ينطلق صوت العالم في هذه القمة ليؤكد أن مستقبل التنمية يبدأ من احترام الإنسان، وأن بناء مجتمعات قوية يتطلب سياسات قائمة على التوازن والعدالة، وأن الدول التي تمنح الإنسان مكانته هي الأكثر قدرة على مواجهة التغيرات وصناعة مستقبل مزدهر ومستدام. وبذلك تواصل الدوحة دورها العالمي في بناء عالم أكثر عدلاً وأمناً وازدهارًا، مؤكدة أن التنمية الشاملة ليست هدفًا محليًا بل رسالة إنسانية مشتركة، وأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر قيمة وتأثيرًا في تاريخ البشرية.

315

| 02 نوفمبر 2025

هل تُغني الطاقة الشمسية القادمة من الفضاء عن الغاز؟

في خطوةٍ وُصفت بالثورية في عالم الطاقة، أعلنت اليابان مؤخرًا عن نجاح تجربة فريدة من نوعها: نقل الطاقة الشمسية من الفضاء إلى الأرض دون أسلاك، باستخدام الموجات الميكروية. هذا الحدث لم يمر مرور الكرام، بل أعاد إلى الواجهة تساؤلًا كبيرًا: هل يمكن أن تُصبح هذه التقنية مستقبلًا بديلًا حقيقيًا للغاز والنفط في توليد الطاقة؟ بين الحلم والواقع، يقف العالم اليوم على أعتاب ثورةٍ جديدة في ميدان الطاقة، عنوانها «الطاقة الشمسية الفضائية»، وفكرتها ببساطة أن نستغلّ ضوء الشمس من الفضاء — حيث لا غيوم ولا ليل — ونرسله إلى الأرض بشكل مستمر عبر موجات دقيقة أو أشعة ليزر، لتتحول إلى كهرباء نظيفة تغذّي المدن والمصانع ليل نهار. كيف تُنقل الطاقة من الفضاء إلى الأرض؟ الفكرة ليست خيالًا علميًا كما كانت قبل عقود. فالتجارب الأخيرة، خاصة في اليابان والولايات المتحدة، أثبتت أن الطاقة الشمسية يمكن تحويلها إلى موجات ميكروية في الفضاء، ثم تُوجّه نحو محطة استقبال على الأرض مزوّدة بهوائيات ضخمة تُعيد تحويل الموجات إلى كهرباء قابلة للاستخدام. الميزة الكبرى لهذه التقنية أنها لا تتأثر بالطقس أو دوران الأرض، إذ تلتقط الألواح الشمسية في المدار ضوء الشمس على مدار 24 ساعة، ما يعني إنتاجًا مستمرًا ومستقرًا للطاقة، وهي ميزة لا تستطيع محطات الطاقة الأرضية تحقيقها حاليًا. لكن الحلم الجميل لا يخلو من العقبات: فالتقنيات الحالية ما زالت في مرحلة التجريب، والتكلفة لا تزال مرتفعة، إذ تتطلب إطلاق محطات ضخمة إلى الفضاء وتركيب أنظمة استقبال معقدة على الأرض. الغاز… سيد الطاقة الحالي حتى الآن، لا يزال الغاز الطبيعي المصدر الأهم لتوليد الكهرباء في معظم دول العالم. فهو طاقة مستقرة وسهلة التخزين والنقل، وتشغّل محطات الكهرباء الحديثة بكفاءة عالية. وفي دول مثل قطر، يُعد الغاز ليس فقط مصدر طاقة، بل ركيزة اقتصادية وصناعية، يعتمد عليها الإنتاج والتصدير والعائدات الوطنية. لكن هذا الاعتماد الكبير على الغاز يواجه اليوم تحديات بيئية وضغوطًا دولية تتعلق بالانبعاثات الكربونية، ما جعل العالم يبحث عن بدائل نظيفة تضمن أمن الطاقة وتحافظ على البيئة في الوقت نفسه. وهنا تبرز الطاقة الشمسية — سواء من الأرض أو من الفضاء — كأملٍ كبير للمستقبل. اليابان، على سبيل المثال، أنفقت مليارات الينات في أبحاث الطاقة الفضائية منذ سنوات، وتمكّنت بالفعل من نقل نحو 2 كيلوواط من الطاقة الشمسية عبر الهواء لمسافة 50 مترًا. قد تبدو كمية صغيرة، لكنها بمثابة «الخطوة الأولى على سطح القمر» في عالم الطاقة. وفي الولايات المتحدة، يعمل معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) على مشروع طموح لإطلاق محطة صغيرة في المدار المنخفض لتجربة إرسال الطاقة لاسلكيًا إلى الأرض. أما الصين، فقد أعلنت نيتها بناء أول محطة فضائية للطاقة الشمسية بحلول عام 2030، في إطار سباق عالمي نحو السماء لتأمين مصادر الطاقة المستقبلية. ورغم الحماس الكبير، إلا أن الطريق أمام هذه التقنية ما زال طويلاً ومكلفًا. فمن بين أبرز العقبات: - تكاليف الإطلاق العالية لبناء محطات فضائية ضخمة. - خسائر في النقل عند تحويل الطاقة من ضوء إلى موجات ثم إلى كهرباء. - مخاوف السلامة من توجيه موجات عالية الطاقة نحو الأرض. - إشكالات قانونية دولية تتعلق بتخصيص المدار الفضائي والمساحات الأرضية للاستقبال. ورغم ذلك، فإن التقدم السريع في تكنولوجيا الإطلاق (مثل الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام) وانخفاض تكلفة الأقمار الصناعية يجعل هذه العقبات قابلة للحل خلال العقدين القادمين. لكن هل ستُغني عن الغاز فعلًا؟ الجواب الواقعي هو: ليس قريبًا، ولكن ربما يومًا ما. فالغاز سيبقى لعقود مقبلة المصدر الأساسي لتوليد الكهرباء، خاصة في الدول الغنية به. لكن الطاقة الشمسية الفضائية يمكن أن تكمل دوره وتخفف الاعتماد عليه تدريجيًا. فإذا نجحت هذه التقنية في إنتاج طاقة أرخص وأنظف وأكثر استقرارًا، فقد تصبح بحلول عام 2050 خيارًا إستراتيجيًا عالميًا، لا سيما في الدول التي تسعى لتحقيق الحياد الكربوني الكامل. ومع ذلك، لن تختفي الحاجة إلى الغاز بسهولة، لأنه لا يستخدم فقط للكهرباء، بل أيضًا في الصناعة والبتروكيماويات والنقل الثقيل. لذا من الأدق القول إن الطاقة الشمسية القادمة من الفضاء لن «تلغي» الغاز، بل ستشاركه وتقاسمه الدور. قطر… بين الواقع والطموح بالنسبة لقطر، التي تعد من أكبر مصدّري الغاز في العالم، فإن دخول عصر الطاقة الشمسية الفضائية لن يُضعف مكانتها، بل قد يمنحها فرصًا جديدة، فبفضل خبرتها في الطاقة، يمكنها الاستثمار مبكرًا في مشاريع الطاقة المتجددة المتقدمة، وتكوين شراكات مع الدول الرائدة في هذا المجال، لتكون جزءًا من صناعة المستقبل لا مجرد مستهلك لها. كما يمكن أن تستفيد من تقنيات نقل الطاقة اللاسلكية لتغذية المناطق البعيدة أو لمشاريع البنية التحتية الضخمة دون الحاجة إلى شبكات أرضية معقدة. * قبل خمسين عامًا، كان الإنسان يرى الأقمار الصناعية مجرد أدوات بث، أما اليوم فهي تنقل الإنترنت والصور والملاحة. وغدًا، قد تنقل لنا الطاقة نفسها من الشمس إلى الأرض. حينها، قد تتغير معادلات الاقتصاد والسياسة والطاقة في العالم كله. لكن حتى ذلك اليوم، يبقى الغاز هو العمود الفقري للطاقة، والطاقة الشمسية — سواء من الأرض أو من الفضاء — هي الضوء الذي يرشدنا إلى المستقبل.

267

| 30 أكتوبر 2025

ماذا استفادت القضية الفلسطينية بعد حرب غزة؟

شهدت القضية الفلسطينية واحدة من أكثر اللحظات دراماتيكية في تاريخها الحديث، حين اندلعت مواجهة غير مسبوقة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل. حرب غزة لم تكن مجرد حدث عسكري، بل نقطة تحول غيَّرت مسار الصراع وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الوعي الدولي والسياسي تجاه القضية الفلسطينية. وقد شكّلت صدمة للعالم أجمع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول جذور الصراع، وحقوق الشعب الفلسطيني، ومستقبل السلام في المنطقة. فماذا استفادت القضية الفلسطينية من هذه الأحداث، وما هي حدود هذه الاستفادة؟ * من أبرز نتائج حرب غزة إعادة إدراج القضية الفلسطينية على أجندة العالم. فبعد سنوات من التهميش التدريجي، عاد الحديث بقوة عن الاحتلال، والتمييز، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. بدأت جلسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن تعقد بصورة متكررة لبحث الأوضاع في غزة، وتصدرت صور الدمار والنزوح نشرات الأخبار في كل القنوات العالمية. حتى الدول التي كانت تتجنب انتقاد إسرائيل وجدت نفسها أمام واقع إنساني لا يمكن تجاهله. كما برزت موجة من التقارير الحقوقية الدولية التي وثقت الانتهاكات الممنهجة ضد المدنيين، مما أعاد تعريف الصراع كقضية عدالة وحقوق إنسان، وليس كصراع أمني فقط. * أحدثت الحرب على غزة هبّة تضامن غير مسبوقة في العواصم العربية والغربية على حد سواء. فقد خرجت ملايين الأصوات في شوارع لندن وباريس ونيويورك وعمّان والدوحة مطالبة بوقف الحرب ورفع الحصار، ومنددة بازدواجية المعايير في المواقف الغربية. في المقابل، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل وعي عالمي جديد تجاه القضية الفلسطينية، حيث تصدرت الوسوم المؤيدة لفلسطين المنصات العالمية، وانتشرت شهادات مباشرة من الميدان وثّقت معاناة المدنيين. وبفضل هذا الزخم الشعبي، باتت القضية الفلسطينية جزءًا من الوعي الجمعي الإنساني، لا يمكن محوه بسهولة. * اكتسبت المعركة القانونية زخمًا غير مسبوق. فقد أعادت الأحداث التذكير بضرورة تفعيل آليات العدالة الدولية، سواء عبر محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية. وقدمت عدة دول ملفات قانونية تتعلق بجرائم الحرب والإبادة في غزة، وهو ما ساهم في إحياء النقاش العالمي حول مفهوم العدالة والازدواجية في تطبيق القانون الدولي. كما تم طرح قضايا مثل حماية المدنيين في زمن الحرب، وحظر استخدام الحصار كسلاح سياسي، والاعتراف بحق الشعوب في مقاومة الاحتلال وفق ميثاق الأمم المتحدة. * امتدت تأثيرات الحرب إلى المشهد السياسي الإقليمي، حيث أعادت بعض الدول العربية النظر في مسار التطبيع مع إسرائيل. توقفت أو تجمدت مشاريع سياسية واقتصادية كانت تُطرح تحت عنوان «السلام الإقليمي»، وبدأت موجة من المراجعات الهادئة في العواصم العربية حول كيفية التعامل مع ملف فلسطين مستقبلًا. كما دفعت الأحداث الدول الكبرى إلى إدراك أن تجاهل القضية الفلسطينية يعني استمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ما جعل بعض القوى الدولية تعيد طرح مبادرات للسلام الشامل أو التهدئة طويلة الأمد. * لكن في مقابل ذلك دفعت فلسطين ثمنًا فادحًا، فقد تجاوز عدد الشهداء عشرات الآلاف، وتهجر أكثر من مليون ونصف المليون إنسان داخل القطاع، وتحولت غزة إلى منطقة منكوبة شبه مدمرة. هذا الواقع المأساوي جعل من الصعب الحديث عن استفادة مباشرة، لأن الخسائر المادية والبشرية طغت على أي مكسب سياسي أو إعلامي. كما أدى تصاعد وتيرة العنف إلى تصلب المواقف الإسرائيلية والدولية تجاه المقاومة الفلسطينية، وزيادة الانقسام الداخلي بين الفصائل حول جدوى العمل المسلح مقابل الحلول السياسية. * ربما تكمن الفائدة الحقيقية للقضية الفلسطينية بعد الحرب في تراكم الوعي والتجربة. لقد أثبتت الأحداث أن العالم لا يمكنه تجاوز القضية الفلسطينية مهما حاول، وأن أي محاولة لإرساء سلام في الشرق الأوسط من دون معالجة جوهر الاحتلال مصيرها الفشل. لكن الاستفادة الكبرى مرهونة بقدرة الفلسطينيين على تحويل هذا الزخم إلى مسار سياسي موحد، يستثمر التعاطف الدولي ويحوّله إلى مكاسب ملموسة على الأرض. وذلك يتطلب توحيد الصف الوطني، وتجديد الخطاب السياسي، وتفعيل الدبلوماسية الفلسطينية في المنظمات الدولية، إضافة إلى تعزيز التحالفات العربية والإسلامية المؤيدة للحقوق الفلسطينية. لقد كانت الحرب حدثًا مفصليًا في تاريخ فلسطين والمنطقة بأسرها. فهي لم تمنح الفلسطينيين انتصارًا ماديًا، لكنها منحتهم عودة قوية إلى الواجهة، وأعادت للعالم تذكيره بجوهر الصراع. القضية الفلسطينية اليوم تقف أمام مفترق طرق: إما أن تستثمر هذا الزخم الدولي لإعادة بناء مشروعها الوطني، وإما أن تضيع الفرصة وسط الركام والانقسام. ويبقى الأمل أن تكون هذه الأحداث، رغم مأساتها، بداية وعي عالمي جديد بأن الحرية لا يمكن قمعها إلى الأبد، وأن العدالة وإن تأخرت، فإنها لا تموت.

303

| 26 أكتوبر 2025

خطاب سمو الأمير.. رؤية واضحة ومسار وطني راسخ

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، في افتتاح دور الانعقاد العادي الرابع والخمسين لمجلس الشورى، ليجسد بعمق الثوابت الوطنية والرؤية الاستراتيجية لدولة قطر، داخليًا وخارجيًا. كان الخطاب شاملاً، اتسم بالواقعية والوضوح، وأعاد التأكيد على أن الإنسان القطري هو أساس التنمية ومحورها، وأن الوطن ماضٍ بثقة نحو تعزيز مكانته الإقليمية والدولية رغم التحديات والاعتداءات التي واجهها مؤخرًا. أولاً: قطر تواجه التحديات بثبات وسيادة: أكد سمو الأمير أن دولة قطر تعرضت لانتهاكين خطيرين لسيادتها، الأول من جانب إيران والثاني من إسرائيل، معتبرًا أن كلا الحادثين شكّلا تجاوزًا سافرًا للقوانين الدولية، وأن العالم بأسره أدانهما بوضوح. اللافت في الخطاب لم يكن مجرد الإدانة، بل الرسالة الأعمق التي عبّر عنها سموه حين قال إن قطر خرجت من تلك الاعتداءات أقوى وأكثر حصانة، بما يعكس صلابة الموقف الوطني وقدرته على تحويل الأزمات إلى فرص تعزز الوحدة والوعي بالثوابت الوطنية. ثانيًا: الالتزام بالقانون والعدالة الدولية: شدد سمو الأمير على أن ما تعرضت له الدولة يشكّل انتهاكًا صارخًا للأعراف الدبلوماسية ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، مؤكدًا أن قطر، رغم التزامها بالوساطة والسلام، لن تتهاون في الدفاع عن سيادتها وكرامتها الوطنية. هذه العبارة كانت من أقوى رسائل الخطاب، إذ أكدت أن قطر، رغم صغر مساحتها، تمتلك من الشرعية والاحترام الدولي ما يجعلها في مصاف الدول التي تحترم القوانين وتفرض احترامها على الآخرين. ثالثًا: الداخل القطري.. المواطن أولاً: في الشأن الداخلي، ركّز سمو الأمير على أن المواطن القطري يظل محور التنمية وغايتها، مؤكدًا أن الدولة ماضية في تطوير منظومة التعليم، والرعاية الصحية، والبنية التحتية، والاقتصاد الوطني بما يواكب تطلعات رؤية قطر الوطنية 2030. ولفت سموه إلى أن الاقتصاد الوطني واصل أداءه الإيجابي رغم الظروف الإقليمية والعالمية، بفضل السياسات المتوازنة والإدارة الرشيدة للموارد، مشيرًا إلى أن قطر دخلت مرحلة جديدة من حيث حجم الاقتصاد وحجم الدور الإقليمي الذي تؤديه. وشدد سموه على أن رأس المال البشري هو الثروة الحقيقية للوطن، داعيًا إلى الاستثمار في الإنسان القطري بالعلم والتأهيل والمبادرة، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج. كما أكد أن الدولة ستواصل دعمها للقطاع الخاص وتشجيعه ليكون شريكًا حقيقيًا في التنمية الوطنية، بما يسهم في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الموارد التقليدية. رابعًا: الاقتصاد والتنمية المستدامة: أوضح سمو الأمير أن القطاع المالي والاقتصادي في الدولة أثبت متانته وقدرته على تجاوز الأزمات، وأن السياسة المالية القطرية تعتمد على الانضباط والشفافية والاستدامة. خامسًا: الدور الإقليمي والدولي: على الصعيد الخارجي، أكد سمو الأمير أن سياسة قطر الخارجية تنطلق من مبادئ ثابتة تقوم على احترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، والعمل الدبلوماسي البنّاء لتحقيق السلام العادل والمستدام. وأشار إلى أن دولة قطر ستواصل جهودها في دعم القضية الفلسطينية، وفي السياق نفسه، أشار سموّه إلى أن قطر ستستمر في دورها الوسيط والمسؤول في حل النزاعات بالطرق السلمية، وفي دعم الجهود الإنسانية والإغاثية في مناطق الأزمات، مؤكداً أن الدولة ستبقى وفية لنهجها القائم على التوازن بين المبادئ والمصالح. سادسًا: رسالة القيادة إلى الشعب: في ختام خطابه، وجّه سمو الأمير رسالة ضمنية إلى الشعب القطري مفادها أن الوطن يواجه التحديات بالوحدة والوعي والمسؤولية، وأن ما تحقق من إنجازات لا يعني الاكتفاء، بل مزيدًا من العمل والالتزام والانضباط. كان الخطاب دعوة صريحة إلى ترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن، وتعزيز روح المشاركة الوطنية، والتأكيد على أن السيادة الحقيقية لا تقتصر على حماية الحدود، بل تمتد إلى ترسيخ القيم والعمل والعلم والإنتاج. إن خطاب سمو الأمير في افتتاح مجلس الشورى لم يكن مجرد عرض للإنجازات أو استعراض للتحديات، بل كان بيانًا وطنيًا شاملاً يرسم ملامح المرحلة القادمة بوضوح. لقد أعاد الخطاب التأكيد على أن قطر دولة مؤسسات، دولة سيادة، ودولة إنسان، وأن قوتها لا تُقاس بحجمها، بل بقدرتها على الصمود والمبادرة والعمل المسؤول. ففي كل جملة من كلمته السامية، تتجلى روح القيادة الواعية التي لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تبني المستقبل بثقة وثبات.

279

| 22 أكتوبر 2025

الدبلوماسية القطرية والصلح بين أفغانستان وباكستان

بين موجات من عدم الاستقرار في جنوب آسيا، برزت الدوحة مجددًا كعاصمة للوساطة وفض النزاعات. خلال أكتوبر 2025، شهدت العاصمة القطرية مفاوضات مكثفة بين أفغانستان وباكستان انتهت إلى إعلان وقف فوري لإطلاق النار، بوساطة مشتركة من قطر وتركيا. لكن وراء الخبر اليومي تقف قصة أعمق: كيف نجحت الدبلوماسية القطرية في تحويل هدنة مؤقتة إلى مسار محتمل للصلح والاستقرار؟ جذور التوتر لا تُختزل في حادثة أو بيان. فمنذ رسم “خط ديورند” في القرن التاسع عشر، تتراكم حساسيات الهوية والحدود والقبائل والطرق التجارية. وتعاظمت المعضلة الأمنية بعد 2001، ثم بعد سيطرة طالبان على كابول في 2021، حيث تبادلت العاصمتان الاتهامات بإيواء جماعات مسلحة عبر الحدود، وتعرضت التجارة والمعابر الحيوية إلى الإغلاق مرات متكررة، فيما دفعت المجتمعات الحدودية الثمن الأكبر. في هذا السياق، تبنت الدوحة “الدبلوماسية الهادئة”: علاقات متوازنة مع كابول وإسلام آباد، وقنوات مفتوحة مع القوى الدولية، وسمعة تراكمت عبر سنوات من الوساطات الناجحة. لم تدخل قطر بثقل الإعلام، بل بثقل الثقة. آلية العمل اعتمدت على ثلاث ركائز: بناء الثقة عبر لقاءات غير معلنة، هندسة بنية تفاوضية تدمج الأمن بالتجارة والإنسان، ثم تحويل الاختراقات الصغيرة إلى خطوات مؤسسية قابلة للقياس. الاختراق الأول كان تثبيت هدنة قصيرة، أتاحت عقد جولة محورية في الدوحة. أهمية هذه الهدنة أنها وفّرت «نافذة زمنية» لعزل العمليات الميدانية عن مسار المفاوضات، وتخفيف التوتر الشعبي والإعلامي، وتهيئة بيئة تسمح بأخذ قرارات صعبة دون ضغوط الساعات الساخنة. ومع إعلان وقف إطلاق النار، طُرحت حزمة أولية من المبادئ: احترام السيادة، الامتناع عن دعم جهات تعتدي على الجار، وتفعيل آليات مراجعة دورية بإشراف وسطاء موثوقين. لكن نجاح أي وساطة لا يُقاس بالبيانات الختامية وحدها، بل بقدرتها على معالجة “مصادر الاحتكاك” البنيوية. هنا تبدو المقاربة القطرية أكثر تماسكًا عندما تنتقل من وقف النار إلى معالجة قضايا الحدود والاقتصاد واللاجئين. ويمكن تصور خارطة طريق من أربعة مسارات عملية: 1) مسار أمني–حدودي: تشكيل لجنة حدودية مشتركة دائمة، مزودة بقنوات اتصال طارئة بما يضمن استمرارية التجارة ويمنع الانفجارات الموضعية. 2) مسار تجاري–إنساني: إعادة فتح المعابر الرئيسية وفق جداول زمنية واضحة وتخصيص “ممرات إنسانية–تجارية” للسلع الأساسية والأدوية، وإطلاق صندوق مصغر لدعم الاقتصاد الحدودي وتمويل مشاريع صغيرة تعمل بها المجتمعات المحلية على جانبي الحدود. 3) مسار اللاجئين والتنقل: وضع بروتوكول مشترك لتسجيل وتنقّل الأشخاص، وبرنامج عودة طوعية للاجئين يراعي الكرامة والجدوى الاقتصادية، مع دعم تعليمي وصحي تموّله شراكات دولية تُدار عبر الدوحة لضمان الحياد والشفافية. 4) مسار سياسي–دبلوماسي: اجتماعات متابعة دورية بالتناوب بين الدوحة وإسطنبول، مع إشراك الأمم المتحدة. لماذا تنجح الوساطة القطرية؟ لأن الدوحة لا تفرض حلولًا، بل تنظم طاولةً تصغي حيث يعلو الضجيج عادةً. وهي أيضًا وسيط “ذو مصلحة في الاستقرار” لا “ذو مصلحة في النفوذ”، إذ يرتبط أمن الخليج وازدهاره باستقرار جواره الأوسع. وبالنسبة لباكستان وأفغانستان، فإن وسيطًا يحظى بثقة العواصم الغربية والإسلامية في آنٍ معًا يمنح العملية السياسية “جسرًا” نحو المجتمع الدولي دون أن يُشعر الطرفين بفقدان السيطرة على القرار السيادي. التحديات لا تزال كبيرة: ملفات الجماعات المسلحة متشابكة، وتوازنات الداخل الأفغاني والباكستاني معقدة، وأي حادث ميداني كبير قد يبدد الرصيد المعنوي سريعًا. لكن إدارة المخاطر جزء من نجاح أي وساطة. على المستوى الأوسع، قد يحمل الصلح بين كابول وإسلام آباد آثارًا اقتصادية تتجاوز الحدود الثنائية: تنشيط محور التجارة من موانئ كراتشي إلى آسيا الوسطى، تقليل تكلفة النقل والعبور، وفتح شهية الاستثمارات الإقليمية في الطاقة والبنية التحتية. كما أنه ينعكس استقرارًا على ملفات الأمن في غرب آسيا، ويمنح جهود مكافحة المخدرات وتهريب السلاح فرصة أكبر للنجاح. إن الدبلوماسية القطرية تقدم نموذجًا يمكن تعميمه: وساطة هادئة، مسارات متعددة، مؤشرات قابلة للقياس، وشراكات دولية محسوبة. في النهاية، السلام ليس صورة جماعية بعد التوقيع، بل منظومة عمل يومية تحوّل الخلافات إلى مصالح مشتركة. وإذا استمر المسار الذي انطلق من الدوحة في أكتوبر 2025، فقد نكون أمام لحظة فارقة تعيد تعريف العلاقة بين أفغانستان وباكستان من “صفرية” متوارثة إلى “تعاونية” ممكنة. الخلاصة: ما يحدث اليوم ليس مجرد هدنة عابرة، بل اختبار لفعالية وساطة تحترم الخصوصيات وتستثمر في المشترك. وإذا كان بناء الثقة يحتاج إلى مراكمة صغيرة وثابتة، فإن الدوحة تملك كل المقومات كي تبقى العنوان الأبرز لسلام يُبنى ببطء ولكنه يدوم.

393

| 21 أكتوبر 2025

التهدئة التي تسبق العاصفة

المرحلة الثانية من وقف الحرب لا تُشبه الهدوء، بل تشبه الصمت الذي يسبق الانفجار. هي مرحلة تتزيّن بالحديث عن السلام وإعادة الإعمار، بينما في عمقها تتصارع القوى على النفوذ، وتُعاد صياغة المشهد السياسي في غزة والمنطقة بأسرها. فمنذ إعلان التهدئة الأولى، ظنّ كثيرون أن الحرب وضعت أوزارها، لكن من يعرف طبيعة الصراع يدرك أن ما بعد المدافع أصعب من أصواتها. ما يجري اليوم تحت مسمى «المرحلة الثانية» ليس مجرد ترتيبات إنسانية، بل سباق بين مشاريع مختلفة: مشروع يريد غزة منزوعـة السلاح وتحت وصاية دولية، ومشروع آخر يرى أن سلاح المقاومة ضمانة البقاء. وبين هذين الاتجاهين، تدور مفاوضات دقيقة تشارك فيها قوى إقليمية ودولية، لكل منها حسابات ومصالح. الولايات المتحدة تحاول ترسيخ نفوذها في إدارة ما بعد الحرب، فيما تحاول قطر ومصر وتركيا تثبيت دور الوسيط العادل الذي يحفظ الحد الأدنى من السيادة الفلسطينية ويمنع انزلاق الوضع الأمني مجددًا نحو المواجهة. الرهائن وإعادة الإعمار… ورقتان في ميزان السياسة في المرحلة الثانية، لا يتوقف الحديث عن تبادل الأسرى وإطلاق الرهائن، بل يُستخدم هذا الملف كأداة ضغط سياسي لفرض وقائع جديدة على الأرض. إسرائيل تسعى لاستغلال قضية الرهائن للحصول على تنازلات في ملف السلاح والإدارة، بينما تحاول حماس ربط الإفراج الكامل بفتح المعابر وإعادة الإعمار وتثبيت وقف إطلاق النار الدائم. وبين الطرفين تتأرجح المبادرات في مهبّ المساومات. أما إعادة الإعمار التي تُطرح في المؤتمرات والبيانات، فهي لا تزال رهينة الخلافات. فكل دولة مانحة تريد أن تُعيد الإعمار بطريقتها ومن خلال شركاتها أو مؤسساتها، ما يجعل الملف الاقتصادي ساحة جديدة للصراع الناعم، لا تقل خطورة عن ساحات الحرب نفسها. سلاح المقاومة.. جوهر الصراع القادم:الحديث عن «نزع السلاح» هو جوهر المرحلة الثانية، وهو أيضًا العقدة التي يمكن أن تُفجّر الاتفاق برمته. فالمقاومة ترى في سلاحها حقًا مشروعًا للدفاع عن شعبها، بينما تعتبره إسرائيل تهديدًا لأمنها واستمرارًا للحرب بأشكال أخرى. ومن هنا، تحاول بعض الأطراف الغربية تمرير فكرة دمج الفصائل ضمن قوة أمنية فلسطينية «موحدة» بإشراف دولي، لكن التجارب السابقة تُظهر أن مثل هذه الصيغ المؤقتة لا تصمد طويلًا أمام تعقيدات الميدان. حكم غزة بعد الحرب… دولة أم وصاية؟ السؤال الذي يتهرب منه الجميع: من سيحكم غزة بعد انتهاء العمليات؟ هل ستكون السلطة الفلسطينية بوجهها القديم، أم إدارة دولية مؤقتة برعاية أمريكية، أم صيغة شراكة جديدة بين الفصائل برعاية عربية؟ هذا السؤال لم يُجب عليه أحد حتى الآن، وهو ما يجعل المرحلة الثانية أخطر من سابقتها، لأنها تُحدّد شكل غزة السياسي وربما مستقبل القضية الفلسطينية بأكملها. إن فرض وصاية أجنبية أو تدخل عسكري خارجي تحت غطاء “إدارة مدنية” سيقود إلى تفجير جديد، لأن الشعب الفلسطيني لن يقبل أن يُحكم إلا من داخله، لا من وراء البحار. ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي لعبته دولة قطر في تقريب وجهات النظر منذ بداية الحرب، ثم في ترتيبات وقف إطلاق النار. فقد كانت الدوحة دائمًا منصة الحوار وملتقى الوسطاء، تسعى لحل إنساني لا يُقصي أحدًا، وتحافظ على الحد الأدنى من العدالة في توزيع المساعدات وضمان سلامة المدنيين. وفي المرحلة الثانية، يُعوّل كثيرون على استمرار هذا الدور القطري المتوازن لضمان أن لا تتحول التهدئة إلى استسلام، ولا يُستغل الهدوء لفرض حلول أحادية الجانب. ردود الفعل المتباينة: الفلسطينيون استقبلوا الإعلان عن المرحلة الثانية بمزيج من الأمل والحذر. فالأمل نابع من توقف القصف وتخفيف المعاناة الإنسانية، لكن الحذر مصدره التجارب السابقة التي تحوّل فيها وقف النار إلى استراحة قبل جولة أعنف. في الشارع الغزي، هناك مطالبات بعودة الحياة الطبيعية وفتح المعابر وضمان الإعمار الفوري، بينما تحذر الفصائل من أي مساس بسلاح المقاومة أو محاولة فرض وصاية أجنبية. إسرائيل من جانبها اعتبرت التهدئة «نصرًا مرحليًا» لكنها غير مطمئنة إلى ما بعده. تصريحات بعض مسؤوليها أوضحت أن تل أبيب ترى في المرحلة الثانية فرصة لـ«تفكيك البنية العسكرية لحماس»، لكنها تدرك أن ذلك لن يتحقق دون تصعيد جديد أو تدخل دولي مباشر.كما تتحدث الأوساط الإسرائيلية عن خشية من أن يتحول الهدوء الحالي إلى إعادة ترتيب للمقاومة، مما يجعلها تعارض أي انسحاب كامل دون ضمانات أمنية صارمة. التوقعات والنتائج المحتملة:استمرار التوتر البارد من المرجح أن تشهد المرحلة الثانية وقفًا هشًا لإطلاق النار مع مناوشات محدودة، خاصة في المناطق الحدودية، تأخر إعادة الإعمار بسبب الخلافات السياسية والبيروقراطية بين الجهات المانحة والفلسطينية، تزايد الدور العربي خصوصًا القطري والمصري، في مراقبة التنفيذ ومنع انهيار الاتفاق، بروز إدارة مدنية مؤقتة قد تُشكَّل بمشاركة شخصيات فلسطينية مستقلة، بدعم عربي ودولي.احتمال عودة التصعيد، إذا فشلت الأطراف في التوصل إلى صيغة تضمن الأمن والكرامة معًا، فقد تعود المواجهة بشكل أوسع خلال أشهر قليلة. السلام المؤجل: المرحلة الثانية من وقف الحرب تبدو كجسرٍ بين حربٍ لم تنتهِ وسلامٍ لم يبدأ بعد. فالقضية الفلسطينية ما زالت تراوح مكانها بين وعود المؤتمرات وواقع الاحتلال، وما لم يُبنَ هذا الاتفاق على أساس العدالة والاحترام المتبادل، فإن كل تهدئة ستكون مؤقتة، وكل سلام سيكون مؤجلًا. إن السلام الحقيقي لا يصنعه توازن السلاح، بل توازن الحقوق. ولن يتحقق الأمن لإسرائيل ولا الطمأنينة للفلسطينيين ما لم تُعاد الأرض لأهلها ويُرفع الحصار عن غزة وتُضمن حياة كريمة لأبنائها.

291

| 19 أكتوبر 2025

alsharq
الشمال يتألق وأم صلال يتراجع

عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...

1434

| 04 فبراير 2026

alsharq
الشيخ جوعان.. قامة وقيمة و«قيم أولمبية»

-«الأولمبي الآسيوي».. موعد مع المجد في عهد «بوحمد»...

1254

| 29 يناير 2026

alsharq
فريدريك ما زال حياً

حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...

693

| 04 فبراير 2026

alsharq
التغيير المقبل في إيران

لا يمكن فهم التوتر الإيراني–الأمريكي بمعزل عن التحول...

654

| 01 فبراير 2026

alsharq
العربي اليهودي: سيرة هوية لا تقبل القسمة 2-2

..... نواصل الحديث حول كتاب « Three Worlds:...

603

| 30 يناير 2026

alsharq
هل قتل «السور» روح «الفريج»؟

امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...

570

| 04 فبراير 2026

alsharq
حين تغيرت الحياة.. وصارت المرأة ترى نفسها أولًا

أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك...

546

| 03 فبراير 2026

alsharq
في خاطري شيء ودي أقوله

- تعودنا في هذا الوطن المعطاء عندما تهطل...

513

| 02 فبراير 2026

alsharq
من الدوحة إلى آسيا.. رؤية قطرية تعيد رسم مستقبل الرياضة القارية

في محطة تاريخية جديدة للرياضة العربية، جاء فوز...

504

| 29 يناير 2026

alsharq
الشخصيات الصعبة في العمل

في بيئات العمل المتنوعة، نصادف شخصيات مختلفة في...

492

| 01 فبراير 2026

alsharq
مبادرة لدعم التعليم الجامعي لذوي الدخل المحدود

وجد عشرات الطلاب الجامعيين أنفسهم في مأزق بعد...

447

| 02 فبراير 2026

alsharq
هل نعرف هذا المصطلح؟

ليست كل إشكالية في قطاع التدريب ناتجة عن...

429

| 03 فبراير 2026

أخبار محلية