رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك لحظات في الحياة يتوقف عندها الإنسان لحظة صامتة: رقم يتكرر، لقاء غير متوقع مع شخص لم يره منذ سنوات، خبر يبدو كأنه صدر عن قصة خيالية. هذه اللحظات عادة ما تُسمى (مصادفات)، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بذكاء هو: هل هي حقاً مجرد مصادفات؟ ينطلق الكتاب من هذه اللحظات اليومية البسيطة إلى مرحلة أعمق بكثير، حيث لا يكتفي بسرد حكايات خارقة للطبيعة، بقدر ما يحاول أن يكشف جانباً عن الطريقة التي يعمل بها العقل البشري، وهو يندهش من المصادفة ويميل إلى ربط الأحداث المتفرقة في حبكة ذات مغزى. فبين الطرافة والإحصاء، وبين علم النفس والماورائيات، يفرض الكتاب احتمالا مثيرا للتفكير، حول الغرابة التي ربما لا تكمن في المصادفات، إنما في العقل الذي يحاول تفسيره، ينتهي مع تأمل علمي وفلسفي حول العلاقة بين الاحتمال والصدفة والعقل البشري، على هذا يأتي عنوان الكتاب مفصلاً: (Beyond Coincidence: Amazing Stories of Coincidence and the Mystery Behind Them - ما وراء المصادفة: قصص مدهشة عن المصادفات وسرها الكامن). وكمتحف للمصادفات، يبني المؤلفان كتابهما على عشرات القصص الواقعية التي تتراوح بين العجَب والطرافة، عن رجل يصبح جَداً لأربعة أطفال في أقل من أربع وعشرين ساعة، أو عن لاعب غولف يحقق عدداً غير معقول من الضربات المثالية، في حين تنحى المصادفة نحو أكثرها غرابة، كأحلام تتحقق بعد أيام، أو مكالمة من شخص خطر ببال صاحبه فجأة، وبينما يروي المؤلفان هذه القصص بأسلوب صحفي لطيف، فهما يستخدمانها كأدلة على الغموض المعني، وكذلك كمواد محفزة للتفكير. ينتقل الحديث ليتناول (العقل المرتبط بالأنماط). فالفكرة المركزية التي يلمّح لها الكتاب هي أن الإنسان كائن مهووس بالأنماط، وأن العقل البشري تطور ليكتشف العلاقات بين الأشياء بسرعة، وهو أمر ضروري لبقائه. بيد أن هذه القدرة لها جانب آخر، حيث غالباً ما يرى البشر أنماطاً حتى عندما لا تكون موجودة، فعندما يتكرر رقم ما أو يحدث حدثان متقاربان في الزمن، يميل العقل فوراً إلى ربطهما في قصة ما، في حين يعرض علم الإحصاء رأيا مختلفا. ففي عالم يضم مليارات البشر وتريليونات الأحداث اليومية، فإن وقوع أحداث تبدو مستحيلة ليس أمراً مستبعداً على الإطلاق، بل إن بعض المصادفات العجيبة حتمية إحصائياً. بعبارة أخرى: المصادفات التي يعتبرها البشر مدهشة ليست دليلاً على أن العالم غامض، بقدر ما هو دليل ربما على مدى اتساعه فقط. ماذا عن (يونغ والاحتمالات)؟ لا يكتفي الكتاب بالتفسير الإحصائي، بل يفتح الباب أمام تفسير آخر طرحه عالم النفس كارل يونغ. فلقد تحدث د. يونغ عن مفهوم سماه التزامن، أي حدوث وقائع مرتبطة بالمعنى دون علاقة سببية واضحة بينها، ووفق هذا التصور، قد تكون بعض المصادفات انعكاساً لارتباطات خفية بين النفس والعالم، إلا أن المؤلفين يتعاملان مع هذه الفكرة بحذر، حيث يعتبرانها بمثابة احتمالاً فلسفياً وحسب، لا حقيقة علمية. وقد يكون هذا التوازن بين الدهشة والشك هو ما يمنح الكتاب طابعه المميز. ومع هذا، يعترف المؤلفان صراحة بأن قصص المصادفات كثيراً ما تتعرض للمبالغة أو التشويه، حيث الإنسان الذي يميل بطبعه نحو ما يدهشه من القصص، غالباً ما يضيف إليها تفاصيل صغيرة تجعلها أكثر إثارة. لهذا يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين المصادفة الحقيقية والحكاية التي تضخمت مع الزمن. إن هذا الاعتراف يمنح الكتاب قدراً من الموضوعية الذي يفتقدها كثير من الكتب التي تتناول الظواهر الغريبة. وأخيراً، مع (المصادفة الكونية) التي جعلت خاتمة الكتاب أكثر غرابة مما ورد فيه، فبعد مئات الصفحات من المصادفات الصغيرة، ينتقل المؤلفان فجأة إلى فكرة أكبر بكثير تتعلق بالمصادفة التي جعلت الكون نفسه ممكناً متمثلة في القوانين الفيزيائية الأساسية، مثل سرعة الضوء وقوة الجاذبية، التي تبدو مضبوطة بدقة مذهلة، بحيث لو تغيرت قيمها قليلاً فقط لما تشكّلت النجوم، ولا الذرات المعقدة، ولا الحياة نفسها. ربما تكون المصادفات مجرد لعبة احتمالات، وربما تكون أكثر من ذلك، غير أن الدهشة المرتبطة بها تكشف عن طبيعة الإنسان الذي يتعدى في بحثه عن تفسير ما حدث، إلى معنى واضح يربط كل الأحداث ببعضها، ولهذا تبقى المصادفة- مهما حاول العلم تفسيرها- واحدة من أكثر الظواهر قدرة على إثارة الفضول في حياة الإنسان. ختاماً أقول: قد يكمن سحر المصادفات في قدرتها على تفعيل قدرات الإنسان الكامنة نحو فك شفراتها، غير مكتفٍ بالحيرة أمام غموضها الظاهر. فبين رقم يتكرر، ولقاء يحدث في اللحظة غير المتوقعة، وعابر يترك إحساساً عميقاً حول لقاء سابق تم، متى وأين. يتوقف هذا الإنسان كالذي يلمح ذلك الخيط الرفيع خلف فوضى الأحداث، متسائلاً: هل ذلك وهم صنعه العقل؟ أم نظام خفي لا يمكن رؤيته بعد؟ لا أحد يعلم يقيناً، غير أن ما هو معلوم بالضرورة أن المصادفة في لحظة حدوثها، تجعل العالم يبدو- ولو لثوانٍ- أكثر غموضاً وجمالاً ورحابة.
114
| 11 أغسطس 2026
رغم أن (المكان) ساحة دم فقد فيه الطب لغته، إلا أن (الزمان) أبى، فبات فيه الصمت مستحيلاً! لا يحاول هذا الكتاب المثقل بكل ما هو مؤلم، سرد الحرب ضمن طوفان السرديات أو توثيق أحداثها زمنياً، بقدر إصراره على إنقاذ ذاكرتها من التلاشي، وذلك عبر عين طبيب شاب وقلمه، وجد نفسه يستهل مهنته بينما تنهار المستشفيات من حوله ويغيب منها الدواء ويتحول الجوع إلى تشخيص يومي.. وحيث إيقاع الموت أكثر انتظاماً من نبض الحياة. لقد كُتب الكثير عن العدوان على غزة، غير أن هذا الكتاب يسجل يوميات إنسانها حين جرّده مصير الحرب من كل ما يمنحه معنى الكرامة. تمتد اليوميات التي جاءت بعنوان (Diary of a Young Doctor: Notes from the Genocide in Gaza – يوميات طبيب شاب: مذكرات من الإبادة الجماعية في غزة) عبر أشهر الحرب الطويلة والتي تبدأ بعد عودة كاتبها إلى غزة بأيام قليلة من اندلاع الحرب، حيث تتوالى التدوينات وفق تاريخ الأحداث اليومية، وحيث كل يوم يفتح نافذة على زاوية أشد من الحياة، داخل القطاع الصحي المنهار. فمن هذا الذي "نقل إلينا -بهذا القدر من القوة- ذلك العار الذي لا يُحتمل: عار أن نكون في مأمن أو متواطئين أو صامتين، بينما تُقتل غزة وتُجوَّع وتُدمَّر" كما تقول إحدى إشادات الكتاب؟ إنه (عز الدين شهاب)، وُلد في جباليا شمال قطاع غزة عام 1995، ودرس الطب في جامعة أصفهان للعلوم الطبية في إيران، ثم عاد إلى غزة قبل خمسة أيام من السابع من أكتوبر 2023، فما لبث أن احتفلت به عائلته حتى ألفى نفسه وسط أعتى الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. ومنذ تلك الظروف الاستثنائية، يواصل عمله طبيباً بلا مقابل تقريباً، وهو يصرّ في الآن نفسه على توثيق الحياة اليومية داخل القطاع في يوميات تحولت لاحقاً إلى هذا الكتاب. يروي د. عز الدين شهاب ابتداءً عودته بعد تسع سنوات من دراسة الطب خارج أرض الوطن محمّلاً بالطموحات، قبل أن يفقد خلال أيام عشرات من أفراد عائلته.. لحظة تبدلت بها ماهية الحياة في نظره، فلم يعد منشغلاً ببناء مستقبله المهني أكثر من محاولته إبقاء الأحياء أحياءً لساعات إضافية. ينتقل في يومياته بعد ذلك بين المستشفيات التي تتعرض للحصار أو للتدمير، وغرف العمليات التي تواصل عملها رغم نقص الكهرباء والوقود والأدوية، والطواقم الطبية التي تضطر إلى اتخاذ قرارات قاسية بسبب محدودية الإمكانات، وبقية تفاصيل الحياة اليومية داخل المؤسسات الصحية التي يظهر فيها كل سرير وكل ضماد وكل جرعة دواء، كمورد نادر يخضع لحسابات قاسية!. لا تقتصر تلك اليوميات النازفة على المجتمع الطبي، إذ تتسع لتشمل تفاصيل المجتمع الأكبر، فتبدو العائلات التي تُهجَّر مراراً، والأطفال الذين فقدوا مدارسهم ورفاقهم، والأمهات اللواتي ينتظرن طويلاً في طوابير من أجل كيس دقيق، والمرضى الذين لا يموتون متأثرين بإصابات مباشرة فقط، بل لسوء تغذية أو عدم توفّر علاج أو انعدام أبسط مقومات الرعاية الصحية. وبينما يخصص د. شهاب مساحة واسعة للحديث عن المجاعة التي أصبحت تجربة جماعية يومية، فهو حين ينتقل إلى البنية الصحية، لا يتحدث سوى عن انهيارها تدريجياً، حيث المستشفيات تتعطل الواحد تلو الآخر، والعيادات لا يعود لها وجود، وسيارات الإسعاف تعجز عن الوصول، بينما يعمل الأطباء بما تبقى لديهم من أدوات وخبرات وإصرار وروح. يولي الطبيب اهتماماً خاصاً بالقصص الفردية التي تقدمها نشرات الأخبار كأرقام مجردة، ففي يومياته، تبدو هنالك طفلة تخاطب صورة والدها الشهيد كل ليلة تعاتبه لأنه لم يأتِ ليأخذها بعد، وأم ترى فيه ملامح ابنها الذي فقدته، وأب يضطر إلى التفكير في إحراق مكتبته كي يطهو الطعام لأطفاله، ونساء يعانين أمراضاً ما كان لها أن تصبح مزمنة لولا شح العلاج، وأسرة تعيش فوق أنقاض منزلها وهي لم تتمكن من انتشال جثامين أفرادها بأسفله. ويستمر الطبيب يروي أحاديث إنسانية لا تنتهي عذاباتها عن أثر الحرب، في التعليم وفي الذاكرة وفي معنى البيت وفي القدرة على الحلم وفي الإحساس بالزمن، غير أنه مع تقدم الصفحات تتغير نبرة اليوميات، حيث الطبيب وهو يحاول في بداياتها التمسّك بالأمل، تبدأ علامات الإنهاك تتسلل شيئاً فشيئاً وهي تحيل الكتابة إلى فعل أشبه بالمقاومة النفسية، وتغدو اليوميات كالمحاولة الأخيرة في حماية العقل من الانهيار، التي هي بالأحرى محاولة إخبار العالم بما يحدث من قلب الحدث. ختاماً، قد لا يعني طي غلاف أي كتاب الانتهاء من قراءته بالضرورة، فبعضها يُضعف القدرة على مواصلة القراءة، وهذا الكتاب رغم إرهاقه الذي يكاد يعوق المواصلة، فهو كتاب يبقى مفتوحاً في الوجدان حتى بعد طي صفحته الأخيرة.. وهو إن لم يطالب قارئه بالتعاطف بعد إثارة عواطفه، يفتح أمامه أفقا من التأملات حول الإنسان حين يصبح (البقاء على قيد الحياة) عمله اليومي الشاق، وحول الطب حين تنتزع منه تلك الحياة كامل مقومات ممارسته.
267
| 09 يوليو 2026
ما بال الرئيس الأمريكي وقد أصبح حالة يبحثها الطب النفسي؟ يأتي هذا الكتاب كأكثر الكتب السياسية والنفسية إثارة للجدل في الولايات المتحدة خلال السنوات الأولى من رئاسة دونالد ترامب، والذي أشرفت على تحريره الطبيبة النفسية (باندي لي)، وشاركها تأليفه عدد من الأطباء النفسيين والباحثين في مجالات السلوك والصحة العقلية، وقد صدر الكتاب ضمن سياق سياسي محتدم حين سعى المشاركون فيه لمناقشة ما عاينوه من آثار محتملة -تبدو بعضها خطرة- لبعض السمات السلوكية والنفسية للرئيس المنتخب على المجتمع الأمريكي والمؤسسات الديمقراطية! يحمل الكتاب عنواناً صريحاً لهذا (The Dangerous Case of Donald Trump: 27 Psychiatrists and Mental Health Experts Assess a President - الحالة الخطيرة لدونالد ترامب: 27 طبيباً نفسياً وخبيراً في الصحة النفسية يقيّمون رئيساً)، والذي قد تبرز خصوصيته في الجمع بين السياسة وعلم النفس ضمن مساحة شديدة الحرج، فالمؤلفون لا يناقشون برنامجاً انتخابياً ولا قرارات حكومية، إنما يتناولون العلاقة التي تشبك شخصية القائد بطبيعة السلطة التي يمارسها.. الجرأة التي أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية والطبية والإعلامية، لا سيما حول الحدود الأخلاقية والمهنية في التعليق على الشخصيات العامة من منظور نفسي صرف. يضم الكتاب مجموعة من المقالات والدراسات القصيرة التي طرحها مؤلفوه المختصون، والتي تتناول بالدرجة الأولى سلوك الرئيس وخطابه العام وأسلوب تواصله مع الجمهور، كما تناقش مفاهيم نفسية، مثل: الشخصية والنرجسية والتأثير الجماهيري والقيادة السياسية والعدوى العاطفية داخل المجتمعات. يعرض المؤلفون آراءهم بشأن المخاطر التي قد تبرز عندما تتقاطع بعض السمات النفسية مع مواقع النفوذ السياسي، استناداً إلى خبراتهم المهنية وملاحظاتهم المباشرة لسلوك الرئيس العلني. بيد أن أبرز نقاط قوة الكتاب تكمن في بحثه حدود العلاقة بين الصحة النفسية والسلطة السياسية، حيث إن القضية الأساسية التي شغلت المؤلفين لم تقتصر على فرد بعينه، بل امتدت للكيفية التي يمكن أن تؤثر بها السمات النفسية للقادة في المجتمعات التي يقودونها.. ما يجعل أهمية الكتاب تتجاوز ظرفه السياسي الخاص! يخلص معظم المشاركين في الكتاب إلى أن المشكلة الأساسية في شخصية الرئيس تكمن في نمط سلوكي ونفسي متكرر مثير للقلق، أبرز أعراضه: الاندفاع، تقلب المزاج الانفعالي، الحاجة الماسة إلى الإعجاب، الحساسية البالغة تجاه النقد، الميل إلى الانتقام من الخصوم، الثقة المفرطة بالأحكام الشخصية، ضعف القدرة على الاعتراف بالخطأ أو مراجعة المواقف السابقة، النزعة إلى تضخيم الذات، النزعة العنصرية تجاه السود والنساء، احتقار الخبرات المخالفة لرأيه، الاعتماد على الانطباعات اللحظية أكثر من التحليل الدقيق!. رغم ذلك، فالكتاب يثير إشكاليات معقدة! ففي حين اعتبره بعض النقاد محاولة مشروعة لتحذير الرأي العام من أخطار محتملة، عدّه آخرون انزلاقاً نحو تسييس الممارسة النفسية أو تجاوزاً للمعايير المهنية في الطب النفسي. عليه، يصبح الكتاب جزءاً من نقاش أوسع حول مسؤولية الخبراء وحدود تدخلهم في المجال السياسي. أما مؤلفته، فهي أستاذة سريرية حصلت على درجتي الطب والدراسات اللاهوتية من جامعة ييل، وتدرّبت في مستشفى بلفيو، ثم شغلت منصب الطبيبة المقيمة في مستشفى ماساتشوستس العام، وكانت زميلة بحثية في كلية الطب بجامعة هارفارد، إضافة إلى زمالتها في المعهد الوطني للصحة النفسي، وقد عملت في عدد من السجون شديدة الحراسة، وأصدرت أكثر من مائة دراسة مُحكمة أشهرها الكتاب المرجعي (العنف)، وحرّرت العديد من الدراسات الأكاديمية. ففي مقدمة كتابها التي جاءت بعنوان (Our duty to warn واجبنا في التحذير)، تقول ابتداءً: "ربما كانت أغرب تجربة مررت بها خلال مسيرتي كطبيبة نفسية هي اكتشافي أن الأشخاص الوحيدين غير المسموح لهم بالتحدث عن قضية ما، هم أولئك الذين يعرفون عنها أكثر من غيرهم. وهكذا يُقمع الحق! لكن ماذا لو كان ذلك الحق -فوق ذلك- ينطوي على أخطار بهذا الحجم، بحيث يمكن أن يكون مفتاح بقاء البشرية مستقبلاً؟". ثم تختم مقدمتها قائلة: "إن الاضطراب النفسي لا يميز بين الأحزاب السياسية! وبوصفنا مهنيين مكرَّسين لتعزيز الصحة النفسية -بما فيها الصحة النفسية العامة- يجب أن يكون واجبنا واضحاً: أن نوجّه المرضى والجمهور نحو طريق الصحة، حتى يمكن أن تَجري نقاشات حقيقية حول الاختيارات السياسية، من دون عوائق القهر أو الدفاعات العاطفية. إن تبنّي «واجب التحذير»، كما تقودنا إليه تدريباتنا المهنية وأخلاقياتنا في أوقات الخطر، لا يعني فقط إطلاق الإنذار، بل أيضاً مواصلة التثقيف والانخراط في حوار مع بقية البشر.. وهو ما يطمح إليه هذا الكتاب". في الختام، إنه عمل استثنائي بحق، لا سيما والسياسة فيه تتقاطع مع علم النفس والأخلاق المهنية، وفي حين قد يختلف البعض حول استنتاجاته ومواقفه العلمية، إلا أن جوهره يكمن في تجاوز الخطوط الحمراء حول السلطة والشخصية والمسؤولية العامة. إجمالاً، لا يبدو أنه كتاب يكتفي بمناقشة رئيس أمريكي واحد مثير للجدل، بل ربما يدعو إلى التطرق بجدية نحو العلاقة الشائكة التي تعقد بين فرد يتولى الحكم، وأمة بأكملها تتأثر بالضرورة بسلوكه وخطابه وقراراته.
741
| 01 يوليو 2026
يتزامن هذا الكتاب مع لحظة ثقافية يتصدّر فيها النقاش كفاءة الطب، في الوقت الذي يهمل حقيقة ما يعتمل داخل من يمارسه! فبينما ينجح الطب الحديث في نسخته التقنية من تحويل جسد الإنسان إلى معادلة قابلة للتحليل، لا يحقق ذات القدر من النجاح في احتواء تجربة الطبيب الإنسانية.. المعضلة التي تدفع هذا الكتاب لفتح نافذة مغلقة على تلك المنطقة المظلمة، والتي تتقاطع فيها المعرفة مع القلق، وتُحاذى المسؤولية الخوف، ويرافق الإنجاز الشعور بالذنب! ينطلق الكتاب من تصوّر ضمني يعكس صورة الطبيب المثالي كوهم ثقافي أكثر منه واقعاً مهنياً! فالطبيب -كما تقدّمه التجربة المهنية- ليس كياناً محايداً مجرداً، بل كيان إنساني يعيش تحت ضغط مستمر، بين متطلبات العلم المستجد واتخاذ القرارات وسقف التوقعات الاجتماعية. وحيث التكوين الطبي نفسه يساهم في خلق هذا التوتر كما تعتقد المؤلفة، فإن الأطباء يُدربّون تلقائياً على إخفاء مشاعرهم التي تبدو كعائق أمام القرار الحكيم، في حين أنها في الحقيقة جزء لا يتجزأ من هذا القرار. وبينهما تكمن المفارقة، إذ كلما حاول الطبيب التصرف بالعقلانية المتوقعة حيث الحيادية والموضوعية، ازداد خطر فقدانه للبوصلة الإنسانية التي تمنح قراراته معناها! تستهل المؤلفة مقدمة كتابها (What Doctors Feel: How Emotions Affect the Practice of Medicine) فتقول: "بحلول الوقت الحاضر، يدرك حتى أكثر الأطباء تقليدية أن العواطف حاضرة في الطب على كل المستويات، لكنها غالباً ما تُدمج ضمن مفهوم عام يشمل التوتر والإرهاق، مع افتراض ضمني أن الانضباط الذاتي كفيل بضبطها. غير أن الطبقات العاطفية في الطب أكثر تعقيداً وانتشاراً مما نتصور. ففي الواقع، كثيراً ما تكون هي العامل المهيمن في اتخاذ القرارات الطبية، حيث تطغى بسهولة على الطب المبني على الأدلة والخوارزميات السريرية ومعايير الجودة، وحتى الخبرة الطبية، وغالباً دون وعي من أحد! قد يُقال بسهولة إن الأطباء لا يختلفون عاطفياً عن المحاسبين أو السباكين أو فنيّي إصلاح الكابلات، لكن محصلة سلوك الأطباء -سواء كانت منطقية أو عاطفية أو غير عقلانية- تحمل عواقب حياة أو موت بالنسبة للمرضى، أي بالنسبة لنا جميعاً". بيد أن الخوف يتوغل كقوة خفية في الممارسة الطبية كما تكشف المؤلفة (د. دانيللا أوفري)، وهي استشارية الطب الباطني في مستشفى بيلفيو، وأستاذة في كلية الطب بجامعة نيويورك، والتي تنشر مقالاتها المتخصصة في المجلات والصحف الأمريكية المعروفة. فضمن أكثر أطروحات كتابها حدة، الخوف الذي يتوارى بين طيات المعطف الأبيض ويعمل كمحرّك خفي في البنية الطبية كاملة، حيث تأثيره الذي يمتد ليشمل التشخيص والفحص والعلاقة مع المريض، خلافاً لما قد يُعتبر استجابة عاطفية عابرة! إن هذا الخوف في رأيها يتغذى من مصدرين رئيسيين: الخوف من الخطأ الطبي الذي قد يتحول من احتمال مهني وارد إلى تهديد وجودي، والخوف من المحاسبة القانونية الذي قد يعيد تشكيل الممارسة الطبية نفسها، وقد استحدث ما يُعرف في الأدبيات الغربية بـ (الطب الدفاعي)، حيث لا يعود الهدف الأول هو مصلحة المريض، بل تقليل المخاطر القانونية على الطبيب. ومن هنا، وبينما تتجاوز المؤلفة حدود السرد الشخصي، تقدّم نقداً موضوعياً للمنظومة الطبية ككل التي قد تكافئ الحذر المفرط أحياناً أكثر مما تكافئ الحكم الطبي الرصين. ثم تنتقل المؤلفة لتضع العلاقة بين الطبيب والمريض في مخبر التحليل، فليست هي علاقة علاجية صماء بقدر ما هي علاقة معقدة ترتكز على عنصر الثقة كشرط أساسي -لا إضافي- لنجاح أي تدخل طبي. غير أن هذه العلاقة تتعرض لتآكل مستمر بسبب عوامل متعددة، من ضمنها: ضغط الوقت، تدخل الأنظمة الإدارية، طغيان الطابع المؤسسي للرعاية الصحية، تنامي ثقافة الشك والمساءلة. في هذا السياق، يفقد اللقاء الطبي طابعه الإنساني تدريجياً، ويتحول إلى تفاعل تقني قصير يركز على الأعراض الصحية على حساب التجربة الإنسانية. من ناحية أخرى، تتناول المؤلفة بالنقد ما يمكن اعتباره أحد أكثر التحولات إثارة للجدل في المؤسسات الطبية الحديثة، والذي يعني بترجمة جودة الطبيب إلى أرقام ومؤشرات، حيث تعتقد بأن هذه المقاييس -رغم ضرورتها الإدارية- تعاني من اختزال مفرط، إذ تقيس ما يمكن قياسه بسهولة في حين تتجاهل ما يصعب قياسه مع أنه الأكثر تأثيراً.. الاختزال الذي يصدر معه الطبيب تقييما طبيا وفق معايير جزئية، على حساب الحضور الإنساني المتمثل في التواصل مع المريض وفهم حالته الصحية بشكل أعمق. إن هذا الاختزال في حقيقته لا يؤثر على تقييم الطبيب وحسب، بل قد يدفعه إلى ممارسة نمط محاباة للنتائج القابلة للقياس على القيمة الإنسانية. في الختام، قد لا يبدو أن هذا الكتاب يقدّم نقداً أو دفاعاً عن الأطباء، بقدر ما يحاول فهم طبيعتهم الإنسانية التي تعمل ضمن بيئة ضاغطة تفتقر أحياناً لما هو مطلوب من مظاهر إنسانية، الأمر الذي يؤكد على أن الطب في جوهره ليس علماً وحسب، بل ممارسة أخلاقية معقّدة تتطلب ما يتعدى العلم الصرف إلى الوعي بالإنسان في ضعفه وقوته!.
219
| 11 يونيو 2026
"لطالما تخيلت الفردوس على هيئة مكتبة". لا يبدو الأديب الأرجنتيني لويس بورخيس مفرط الخيال وحسب في فردوسه المتخَيل، بل قد يدفع القارئ الشغوف في استحضاره ومعايشته واقعاً، وهكذا كان الأمر في معرض الدوحة للكتاب، لا سيما وغنائم الفردوس هذه المرة، شملت مائة وعشرين كتاباً، بين الفلسفة والتصوف والسياسة وعلم النفس والتاريخ والعلوم.. وكأنها حصيلة معرفية تحاول فهم الإنسان المعاصر -واقعاً لا خيالاً- في قلقه وهشاشته وحروبه وروحه، ووعيه الذي لا بد أن يتبدّل جراء كل ذلك. فمن كتب الفلسفة، حصلت على (الكلمات والأشياء) للفيلسوف ميشيل فوكو، وهو عمل يحلل أنظمة المعرفة ويتتبع تشكّل الفكر الإنساني عبر العصور، وكذلك (بحوث فلسفية) للفيلسوف لودفيج فتجنشتين، الذي يناقش موضوع اللغة وحدود الفكر والمعنى، بينما يقدّم (فن أن تكون على صواب) و(فن العيش السعيد) للفيلسوف آرثر شوبنهاور تأملات عملية حول الجدل والحكمة والعيش بأقل قدر من الوهم، في حين يمثّل (العلم المرح) و(نقيض المسيح) للفيلسوف فريدريك نيتشه، جانباً من نقد الأخلاق والدين والقيم التقليدية. ومن العناوين اللافتة أيضاً (فلسفة التشاؤم)، حيث الجذور الفكرية للنظرة التشاؤمية للحياة، و(كيف نتفلسف بمطرقة ومنجل) حول علاقة الفلسفة بالثورات الاجتماعية، و(صراع الدين والفلسفة في محاكمة سقراط) في كشف الصدام بين السلطة والحقيقة. أما في التصوف والروحانية، فقد كان حضور (ابن عربي: سيرته وفكره) للباحثة كلود عداس مهماً، لفهم أحد أكثر الشخصيات الروحية تأثيراً في التراث الصوفي، أما (بحر بلا ساحل) للمفكّر ميشيل شودكيفيتش فيتناول التجربة العرفانية عند ابن عربي كأفق لا متناهٍ للمعرفة، في حين يناقش (الحلولية ووحدة الوجود) للعالم عبد الوهاب المسيري، فكرة ذوبان الحدود بين الإله والإنسان والطبيعة، غير أن (الأوبانيشادات الأولى) جاءت على ضخامتها كمدخل إلى الحكمة الهندية القديمة وأسئلتها الوجودية. ومن الكتب اللافتة أيضاً (ملكوت الله في دواخلكم) للمفكّر ليف تولستوي، الذي يقدم رؤية روحية أخلاقية للدين، إضافة إلى (سلسلة الثيوصوفيا) للفيلسوفة آني بيزنت، والتي تتناول وحدة الأديان وطاقة الفكر والتطور الروحي. وفي مسار السياسة، فقد حضرت فلسطين كجرح إنساني ومعرفي معاً، حيث كتاب (بعد السماء الأخيرة: حيوات فلسطينية) للمفكّر إدوارد سعيد، وهو يقدم تأملات في المنفى ويحدد مقومات الهوية الفلسطينية، في حين يجمع (نجونا لنشهد) للصحفي مثنى النجار، شهادات وتجارب إنسانية من قلب الحرب على غزة، إضافة إلى يوميات غزة المؤلمة في (Diary of a Young Doctor: Notes from the Genocide in Gaza) للطبيب عزالدين شهاب، و(Eyes on Gaza) للمحامي خالد بيضون. أما من الجانب "الإسرائيلي"، فقد وثّق (الإبادة الجماعية في غزة) للمؤرخ آفي شلايم، جانباً من المأساة الإنسانية الراهنة، وتتبع (موجز تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني) للمؤرخ إيلان بابيه، جذوره الاستعمارية والسياسية منذ بدايات المشروع الصهيوني حتى الوقت الحاضر، وجاء (عزيزتي فلسطين) للمؤرخ شاي حزقاني، ليسرد رسائل الفلسطينيين وتجاربهم الإنسانية تحت الاحتلال. ومن التاريخ، اقتنيت (الفكر العربي في عصر النهضة) للمؤرخ ألبرت حوراني، وهو من أهم الكتب التي ترصد التحولات الفكرية العربية الحديثة، وبعده (بيت الحكمة: كيف أسس العرب لحضارة الغرب) للمؤرخ جوناثان ليونز، الذي يتناول أثر الحضارة العربية في النهضة الأوروبية، ثم يأتي (حضارات حطمتها الآلهة) للباحث خزعل الماجدي، وهو يستعرض حضارات وأساطير العالم القديم ولعبة المعتقدات في صعود المجتمعات القديمة وانهيارها. ماذا عن (علم النفس)؟ هنالك (لم يبدأ الأمر بك) للباحث مارك وولين، ويناقش أثر الصدمات الموروثة عبر الأجيال، وكذلك (كيف تشفى من النرجسيين) للمعالجة كارولين ستروسون، ويكشف عن أنماط العلاقات المؤذية وطرق التعافي منها، في حين يقدم (كيف تدير مشاعرك لا أن تديرك) للعالم إيثان كروس، قراءة حديثة لتنظيم الانفعالات. وفي هذا المجال أيضاً (العلاج بالقراءة: القوة الشافية للكتب) للمعالجة بيجال شاه، الذي ينظر إلى القراءة كوسيلة للتعافي النفسي، في حين يدور (قوة الهرمونات) للطبيبة ماري كلير حول تأثير التحولات البيولوجية في النفس والجسد. أما في العلوم، فكان من أبرز العناوين (الذكاء المشترك: العيش والعمل مع الذكاء الاصطناعي) للدكتور إيثان موليك، والذي يناقش العلاقة الجديدة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وكذلك (الإقطاع التكنولوجي: مقتل الرأسمالية) للسياسي يانيس فاروفاكيس، والذي يدور حول هيمنة الشركات التقنية الكبرى، كما لفتتني كتب مثل (جسور إلى اللانهاية) و(الجانب الإنساني من الرياضيات) و(رياضيات بلا أرقام)، و(سحر الكون: تاريخ مختلف للعلوم الطبيعية)، التي تحاول تقديم العلوم -بمنأى عن المعادلات الجامدة- كتجارب إنسانية. ثم يأتي الأدب، فيقدم (لكل المقهورين أجنحة) للروائية رضوى عاشور، نص مثقل بالقهر ومشبع بالأمل الإنساني، في حين يعرض (خبز الملائكة: رحلة الحب والإيمان) للصحفية ستيفاني سالدانا، رحلة روحية وإنسانية عبر سحر الشرق. ختاماً، وكما المقدمة التي تخيّل فيها الأديب الأرجنتيني بورخيس الحياة الآخرة كجنة من كتب، أستحضر رأي نظيره الإيطالي أمبرتو إيكو عن هذه الحياة الدنيا، حين قال: "الذي لا يقرأ يعيش حياة واحدة، أما القارئ فيعيش آلاف الحيوات".
519
| 01 يونيو 2026
..... نواصل الحديث حول كتاب « Inner Engineering: A Yogi's Guide to Joy» لمؤلفه/ Sadhguru هنالك أيضاً كليشيه مفرط الاستخدام وهو "التفكير الإيجابي"، والذي يتم من خلاله تبييض الواقع كحل سريع! غير أن الحل لدى سادجورو يكمن في معالجة المعلومات في وقتها وفي السيطرة على الانفعال النفسي، حتى لا يتم استهلاك "التفكير الإيجابي" كمهدئ مؤقت ورخيص. قد يبدو الشعار في بادئ الأمر إيجابياً بالفعل لما يضفي من شعور بالثقة والتفاؤل والتجدد، غير أنه شعور لحظي ومحدود في الأساس، لذا يرى سادجورو أنه مع استمرار إنكار الإنسان لواقعه على المدى الطويل، سيقتنع بمنظور غير متوازن للحياة! لا يتوقف سادجورو عند هذا الحد، بل ينتقد التوجه المستميت في تصدير رفاهية الإنسان نحو السماء والادعاء بأن جوهر الكون هو الحب! ففي وجهة نظره، ما على الإنسان إذا رغب في دورة تحفيزية سوى أن يلجأ إلى قلبه المليء بالحب ويستقي منه درساً، إذ لا داعي للسفر إلى الفضاء الخارجي من أجل الحصول على حفنة حب! يأسف سادجورو على تلك الفلسفات الصبيانية التي افترضت مركزية الإنسان وتمحوّر الوجود حوله، والتي سلبته المعنى الحقيقي لأصل الوجود، بل جعلته يتورط في ارتكاب أبشع الممارسات اللاإنسانية على مر التاريخ. والكتاب الذي جاء ضمن (الأكثر مبيعاً) في قائمة نيويورك تايمز، ينقسم إلى قسمين رئيسيين يبدأ كل منهما بملاحظة إلى القارئ، ويندرج تحتهما: القسم الأول: عندما فقدت إحساسي، الطريق للخارج هو بالداخل، صمم مصيرك، لا حد.. لا عبء. القسم الثاني: الجسد، العقل، الطاقة، البهجة. فيقول في (The way out is in - الطريق للخارج هو بالداخل): "هناك تقنية للرفاهية الداخلية لخلق أساس كيميائي لواقع سعيد. وهذا هو أحد أبعاد ما أسميه (الهندسة الداخلية). إذا كنت واعياً، يمكنك تنشيط نظامك بطريقة تجعل التنفس مجرد متعة هائلة. كل ما يتطلبه الأمر هو الاستعداد لإيلاء القليل من الاهتمام للآلية الداخلية. وهذا هو التحول الأساسي في الفهم الذي يجب أن يحدث. لا تبحث عن وسيلة للخروج من البؤس. لا تبحث عن وسيلة للخروج من المعاناة. هناك طريق واحد فقط، وهو في الداخل". أما في (Mind - العقل) فيقول: "إذا كان عليك أن تكون في حالة حب، فلا ينبغي أن تكون كذلك. التعبير الإنجليزي (الوقوع في الحب) مهم جدًا. أنت لا تتسلق في الحب، ولا تقف في الحب، ولا تطير في الحب، بل تقع في الحب. يجب أن يسقط شيء منكم أو يذوب ليتسع للآخر. هناك فرق بين المعاملات وعلاقة الحب. ليس من الضروري أن تكون علاقة الحب مع أي شخص معين، من الممكن أن تكون لديك علاقة حب كبيرة مع الحياة نفسها. إن ما تفعله أو لا تفعله يتوافق مع الظروف التي تعيشها. إن أفعالنا تتشكل دائماً وفقاً لمتطلبات المواقف الخارجية. لكن الحب هو حالة داخلية، ومن المؤكد أن الطريقة التي تكون بها داخل نفسك يمكن أن تكون غير مشروطة. يمكن أن تصبح أعمال الحب مملة ومرهقة على مدى فترة من الزمن. تدرك أن الحب ليس شيئًا تفعله. الحب هو ما أنت عليه". ختاماً، يحرص سادجورو على التطور الروحي للإنسان، وباعتباره جسداً وعقلاً وطاقة، فإن هذا التطور المنشود عليه أن يتم ابتداءً من خلال هندسة الذات داخلياً، وبشكل يفوق الاعتماد على ظروف العالم الخارجي المحيط ومحاولة تطويعها. لذا، فعلى هذا الإنسان أولاً البحث عن معنى الحياة بداخله، يُتبعه بممارسات ترتكز على طقوس اليوغا الروحية، فضلاً عن تنمية الوعي الذاتي وقيم التراحم والتسامح والانفتاح على الآخر، حتى يحظى في نهاية المطاف بحياة أكثر بهجة وامتلاء وتجدد، جاءت كنتاج لهندسة داخلية وتجربة روحية متفرّدة خاضها وحده، دونما تأثير معلم، أو محاكاة لما يجري من حوله في العالم الخارجي! إن السير على طريق النمو الروحي يتطلب خلق التناغم في عمل الجسد والعقل والطاقة معاً، الأمر الذي يترتب عليه كارما ترتد بالمثل على صاحبها، كما أن الوعي الذاتي يرتبط بجملة الأفكار والمشاعر والسلوك ومدى قدرة الإنسان على التحكم فيها، وبالتالي المسؤولية المتعلقة بكل فعل وردة فعل. أما الحياة، ولاختبارها والانغماس بها كلية، فتحتاج إلى قدر من القوة الذهنية للتعامل معها بتواضع لا بذكاء، فالاستمتاع بالحياة لا يتطلب عقلانية دائمة ومستمرة، كما أن ما يتم اعتباره منطقا هو ليس كذلك دائماً. وفيما يتعلق بالإيمان والقناعات والأفكار الراسخة، فإن أخذها على محمل الجد يعيق استمرارية التعلم والبحث ومعرفة حقائق جديدة، فضلاً عن خلق حالة من الارتباك والتعب والتعصب، بينما يصبح العقل الفضولي هو العقل الحكيم. وذلك ينسحب أيضاً على الأفعال، فالإصرار على تكرار نفس العمل - والذي قد يكون خاطئاً - يؤدي إلى الفشل حتماً، بينما يتحقق النجاح بتجربة طرق جديدة لم يتم الاعتماد عليها مسبقاً، إضافة إلى قدر من المغامرة والمبادرة نحو التغيير وبجرأة.. فالأمل في الحياة وإيجاد المعنى وتحقيق الهوية الروحية للإنسان يعتمد على مبادرات صغيرة تستسلم لكل فرص الحياة اللامحدودة.
396
| 08 مايو 2026
كتاب يعني بتطوير الذات على المستوى الروحي يضعه المعلم الروحي الأشهر سادجورو (Sadhguru)، وهو يولي تقنية الهندسة الداخلية اهتمامه الأكبر، وقد وضع كتابه (Inner Engineering: A Yogi's Guide to Joy - الهندسة الداخلية: دليل يوغي للبهجة) لكل من يسعى نحو التطور روحانياً من خلال البارا سيكولوجيا والميتافيزيقيا وتلك الطاقة غير المنظورة التي تسري في الكون، وفي الإنسان الذي انطوى فيه العالم الأكبر، وذلك بصرف النظر عن البعد الديني أو العرقي أو الجغرافي. يعرّف سادجورو اليوغا كنظام متطور في التمكين الذاتي يعمل على تنشيط الطاقة الداخلية للإنسان بطريقة تمكّن الجسم والعقل من العمل سوياً على المستوى الأمثل لهما.. بكلمة أقصر: نظام يحوّل الإنسان إلى (مهندس بهجته الخاصة). لا تأتي فكرة الهندسة الداخلية من فراغ، حيث يعرض سادجورو جانب من سيرته الذاتية الذي أسهم في صحوته الروحية وهو في سن مبكرة جداً. لم يكن حينها سوى صبي، لكنه لم يكن صبياً عادياً حين انجذب بشكل غير عادي نحو الطبيعة، وفي عبوره القارة الهندية على ظهر دراجته النارية حين أصبح شاباً، أو متهوراً كما ظنّه البعض.. فيروي لحظة استنارته على قمة جبل في جنوب الهند (شاموندي)، حيث توقف الزمن عنده برهة وخرج منها بغير ما دخل فيها، وقد شهد تغيراً جذرياً لم يعد من لحظتها حتى الآن كما كان. وبما أن اليوغا Yogaهي ممارسة، فإن اليوغي Yogi هو من يجسدها! يشير سادجورو إلى أن مصطلح (غورو Guru) أو (المعلم) لا تفيد التدريس أو التلقين أو التحول حسب الاعتقاد الشائع، إنما يعني حرفياً (مبدد الظلام)، ومجازياً الشخص الذي يفتح الباب، لكنه في حد ذاته ليس الطريق، بل هو خريطة الطريق نحو البعد الداخلي للإنسان وأعماقه المجهولة. وسادجورو إذ أسس منظمة (إيشا) وكرّس أنشطتها للقضايا الإنسانية، وعمل كمعلم يبدد الظلام ويفتح لمريديه الباب وينير لهم الطريق، يؤكد بتلقائية أنه لا يعتنق عقيدة ما يهدف لنشرها، ولا فلسفة يؤمن بها ويسعى لنقلها، بل إن الحل الوحيد لجميع العلل التي ابتليت بها البشرية في نظره، هو (التحول الذاتي). التحول الذي لا يتم عن طريق تبني الأخلاق أو تغيير السلوك، بل هو التحول الذي لا يبقي على أي شيء من مخلّفات الماضي والسابق والقديم، التحوّل في الطريقة التي بها تُختبر الحياة ويتم إدراكها، التحول من خلال تجربة الطبيعة اللامحدودة للهوية الإنسانية. إنه ببساطة التحول في الأبعاد! إذاً، لا تقدم الهندسة الداخلية عظة بل علم، ولا تلقّن درساً بل تكنولوجيا، ولا تضع وصية بل تصف طريق، وقد حان الوقت للبدء في اكتشاف هذا العلم واستخدام التكنولوجيا والسير على هذا الطريق. إن الهندسة الداخلية أداة متجددة وحيوية تم اختبارها عبر الزمن، وهي كذلك أداة ثورية في التفكير حول إنسانية الإنسان وفرصته في تحقيق ما لا يقل عن طموحه في حياة سعيدة. تلقي الهندسة الداخلية الضوء على الأبعاد التي تتجاوز التصورات الحسية والخبايا النفسية وتلك الأبعاد التي لا يتمكن الإنسان من إدراكها في اللحظة، إذ أنها تلقي الضوء على طبيعة الوجود ككل. وفي هذا الصدد، يحذّر سادجورو من تلك التعاليم الزائفة والمضللة والرائجة في عالمنا اليوم، والتي من ضمنها "كن في هذه اللحظة". نعم، إن الحاضر هو المكان الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يكون فيه، فإذا كان يعيش فهو يعيش في هذه اللحظة، وإذا مات فهو يموت في هذه اللحظة، وهذه اللحظة هي الخلود. ومشكلة الإنسان الحالية أنه يعاني مما حدث قبل عشر سنوات ومما قد يحدث بعد غد، غير أن الحل لا يكمن في التنكّر لهذا الواقع باعتباره غير حقيقي، أو باعتباره مجرد مسرحية لذاكرة الإنسان ومخيّلته، ولا يستلزم السبيل إلى العيش بسلام القضاء على العقل، بل يتطلّب تولي الأمر! إن العقل البشري يحمل احتياطيات هائلة من الذاكرة وإمكانيات مذهلة للخيال، والتي جاءت كنتاج لعملية تطورية استمرت لملايين السنين، فإذا كان بإمكان الإنسان التحكم في استخدام عقله، فيديره متى شاء ويضعه جانباً متى شاء، فإنه يصبح في هذه الحالة أداة رائعة، وإن محاولة تجنب الماضي وإهمال المستقبل هو تقليل من شأن هذه القدرة الرائعة. وهنالك إعاقة أخرى للعقل يسببها شعار شائع آخر وُضع بنية المساعدة الذاتية، هو "افعل شيئاً واحداً فقط في كل مرة". يعترض سادجورو على الاقتصار بعمل واحد في وقت واحد، طالما أن آلة العقل الهائلة قادرة على التعامل مع عدة مستويات من النشاط في نفس الوقت! إن هذا الشعار يعمد إلى طمس قدرة العقل المتعدد الأبعاد بدلاً من التعرّف على متعة عمله وتعلّم ركوبه وتسخيره لخدمة صاحبه.
204
| 01 مايو 2026
لم يكن (عباس محمود العقاد) من أولئك الكتّاب الذين اكتفوا بالانفعال العقائدي دفاعاً عن الدين، بل كان مفكراً يؤمن بأن الفكرة لا تؤَيد ولا تُدحض إلا بفكرة أقوى منها! وعليه، جاء كتابه (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه) كمحاولة موضوعية تفنّد عددا من الشبهات التي أُثيرت حول الإسلام، سواء من جانب خصومه أو من جانب أتباعه الذين راكموا حالة من سوء الفهم عبر التاريخ، وهو هنا، لا ينطلق من خطاب وعظي أو جدلي، بل يعتمد منهجاً تحليلياً يفكك الاتهامات ليعيد عرض الإسلام كمنظومة فكرية وأخلاقية متكاملة، حيث ينتقل عبر محطات متعددة: من معالجة الشبهات، إلى عرض العقيدة، مروراً بالنظام الاجتماعي والحقوقي، وصولاً إلى الأخلاق التي تشكل روح الحضارة الإسلامية. يستهل العقاد كتابه بمناقشة بعض الشبهات العامة التي تُثار حول الأديان عموماً والإسلام خصوصاً، فيتوقف عند ما أسماه (شبهة الشر) والسؤال الأزلي المرتبط به: كيف يتفق وجود الظلم مع الإيمان بإله حكيم؟ وهو إذ يرى أنه سؤال لا يتعلق بالإسلام وحده حيث هو إشكالية فلسفية واجهت جميع الأديان، يؤكد أن وجود الشر لا ينفي وجود الحكمة الإلهية، بل يدخل في إطار النظام الكوني الذي يوازن بين الاختيار والابتلاء. وحين ينتقل إلى (شبهة الخرافة) أو الادعاء بتأسيس الدين على تصورات غير عقلية، يوضح أن كثيراً من الأحكام التي يطلقها خصوم الإسلام تنبع من قراءة سطحية للنصوص، أو من خلط بين الدين نفسه وبين الممارسات التي تُنسب إليه. ومن هذا التمهيد يحدد فكرة الكتاب العامة، التي تدور حول أصل الاتهامات الموجهة إلى الإسلام، كأوهام فكرية أكثر منها حقائق موضوعية. ففي (الفصل الأول: العقائد) يعرض العقاد العقيدة الإسلامية كأساس يقوم عليه البناء بأكمله، ويعتقد بأن أهم ما يميزها هو الوضوح والبساطة، إذ تقوم على مبدأ التوحيد الذي يحرر الإنسان من الخوف حيال الغيبيات، والقوى المتصارعة، والأساطير المتعددة! فيتناول قضايا عدة مثل النبوة، طبيعة الإنسان وعلاقته بالخير والشر، مفهوم الشيطان ودوره الرمزي في الصراع الأخلاقي داخل النفس البشرية، إضافة إلى العبادات التي لا يجعل منها طقوساً شكلية، بل وسائل تربوية تهذّب الإنسان وتسعى لربط حياته بمعنى روحي أعمق، الأمر الذي يؤصل العقيدة الإسلامية لا كمنظومة اعتقادية وحسب، بل كأساس لبناء شخصية الإنسان المؤمن الكاملة. ثم ينتقل العقاد إلى الجانب العملي من الحياة كما في (الفصل الثاني: المعاملات)، وهو يقصد العلاقات التي تنظم حياة البشر الاقتصادية والاجتماعية، فيرى أن الإسلام لم يكن ديناً روحياً منفصلاً عن الواقع، بل تنظيمياً يهدف إلى تحقيق العدالة بين الناس، حيث التشريعات الإسلامية التي تناولت قضايا الملكية والعمل والتكافل الاجتماعي. فيشير إلى أن تلك التشريعات نشأت ابتداءً في مجتمع لم يحظَ بنظام واضح في العدالة الاجتماعية، حيث وضع الإسلام قواعد تقلل من التفاوت وتؤكد مسؤولية المجتمع تجاه أفراده، كنظام الزكاة الذي يجمع بين البعدين الأخلاقي والاجتماعي، الأمر الذي يصوّر الإسلام كنظام حياة متكامل لا مجرد مجموعة من الشعائر. يأتي (الفصل الثالث: الحقوق) أكثرها ارتباطاً بقضايا حديثة تُثار حول الإسلام بوصفها مواضع نقد، مثل الحرية والطبقية والرق والحرب، حيث يؤكد العقاد أن مفهوم الحرية في الإسلام لا يعني الفوضى الفردية، بل حرية مسؤولة تقوم على احترام المجتمع والقيم الأخلاقية، كما يناقش فكرة الأمة بوصفها رابطة تجمع الناس على أساس العقيدة والقيم المشتركة، ويتناول كذلك قضايا الأسرة وزيجات النبي ﷺ محاولاً وضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي، بعيداً عن القراءات التي تُسقط مفاهيم العصر الحديث على وقائع الماضي. ومن القضايا التي يوليها اهتماماً خاصاً مسألة الرق، حيث جاء الإسلام في زمن كان الرق فيه نظاماً عالمياً، فعمل على تضييق دائرته وفتح أبواب تحرير العبيد تدريجياً، وكذلك مسألة الحرب التي يضع معها الإسلام ضوابط أخلاقية للقتال، بحيث يصبح تصويره كدين انتشر بحد السيف تبسيطاً مخلاً لتاريخ معقّد! ثم يختتم العقاد حديثه عند (الفصل الرابع: الأخلاق والآداب)، باعتبار الأخلاق ثمرة نهائية للعقيدة والشريعة معاً، فليست الأخلاق في الإسلام مجرد دعوة إلى اللين أو التسامح اللامشروط، إذ أنه منظومة متوازنة تجمع بين الرحمة والعدل، وبين المحبة والحزم، فليس مطلوباً من الإنسان في الإسلام أن يكون رحيماً خالصاً بقدر ما هو مطالب بالدفاع عن الحق، حيث تتجلى الأخلاق الإسلامية في حلّة عملية، تهدف إلى بناء مجتمع متماسك، من غير نظريات ومثاليات لا واقعية! ختاماً، يبدو المفكّر المصري أنموذجاً في تجسيد الكتابة الموضوعية، حيث يعتمد أسلوب الحجة الرصينة والتحليل العقلاني في الدفاع عن الفكرة، بعيداً عن التشنج الديني والحمية المتهورة ودفع الاتهام بسلسلة من اتهامات أخرى، وهو إذ لا يكتفي بالتصدي لتلك الشبهات، يحاول أن يعيد تقديم الإسلام كمنظومة حضارية تجمع بين العقيدة والتشريع والأخلاق، حيث يبدو هذا العمل أقرب إلى إعادة تعريف الإسلام في مواجهة الصورة المشوشة التي رسمها خصومه، من خلال نقاش يُحسم بالفهم العميق للآراء وللتاريخ.
483
| 02 أبريل 2026
في عالم تتراص فيه النصوص على حساب المعنى، يبرز القرآن الكريم ككتاب محفوظ في صدور أتباعه، وهو يحمل رؤية متكاملة للإنسان وللحياة وللعالمين! من هنا، يأتي كتاب «كيف نتعامل مع القرآن؟» للداعية الأزهري والمفكر الإسلامي «محمد الغزالي»، ليعيد طرح سؤال جوهري: ما طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط المسلم بكتاب الله؟ وعلى الرغم من قِدم صدوره، فهو لا يزال يحظى بأهمية خاصة في سعيه نحو تجديد علاقة المسلم بالقرآن، والإبقاء على جذوة الإيمان حاضرة في عقله ووجدانه، إضافة إلى حضوره اللفظي ترتيلاً، والثقافي في الذاكرة الجمعية الدينية. ينطلق الغزالي من ملاحظة مؤلمة مفادها حضور القرآن في حياة المسلمين حضوراً شكلياً في الأعم، إذ يغيب أثره العميق في التفكير والسلوك والحضارة، فعلى الرغم من إدامة تلاوته وحفظه وعقد المسابقات والاحتفالات على مقامه، إلا أن تأثيره في بناء العقل المسلم ونمو المجتمع يبدو أضعف مما ينبغي، ومن هنا يطرح فكرته الأساسية التي تحدد المشكلة، لا في القرآن الكريم، بل في طريقة التعامل معه! ففي حديثه عن بقاء النص وغياب المعنى، يشرح الغزالي أن هجر القرآن لا يقتصر على ترك قراءته، بل قد يتخذ صوراً متعددة، فقد يُقرأ دون تدبر، أو يُفهم فهماً مجتزئاً عن سياقه الكلي، أو يُحصر في دائرة الشعائر دون أن يمتد إلى ميادين الفكر والعمل، وبهذا يتحول القرآن من قوة فاعلة تحرّك الحياة إلى نص مقدّس معزول عن حركة الواقع. عليه، يرى أن هذا الانفصال أدى إلى نتائج خطيرة في تاريخ المسلمين، كضعف الوعي الحضاري، وتراجع الاجتهاد الفكري، وظهور قراءات ضيقة لا تستوعب عمق الرسالة القرآنية الهادية الشاملة، وهو في دعوته للعودة إلى القرآن كمشروع نهضوي ومعرفي وحضاري، لا يدعو للاكتفاء بالتلاوة أو التعبّد أو الوعظ، بل باعتباره مصدراً لرؤية فكرية متجددة تشمل الإنسان والمجتمع والتاريخ والكون. ولهذا فإن القراءة الحقيقية للقرآن يجب أن تجمع بين التلاوة والفهم والتدبر، وأن تربط النص بواقع الإنسان وأسئلته المعاصرة، فمع تزامن قراءة القرآن بهذه الروح، يتحول في قوته إلى طاقة خلاقة تبلور العقل المسلم، وتدفعه إلى التفكير في قضايا الإنسان الكبرى. ومن الأفكار المركزية التي يتناولها الغزالي في خضم حديثه عن القرآن والعقل، دعوته إلى التفكير. فالقرآن في نظره لا يعارض العقل بل يوقظه، والخطاب القرآني يزخر بالدعوة إلى التفكّر، والتدبّر، والنظر في الكون، والتأمل في سنن التاريخ وحركة المجتمعات. ومن ثم فإن العلاقة بين القرآن والعقل ليست علاقة خصومة بل علاقة تكامل، مستدلاً بنشأة الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في بيئة فكرية متأثرة بروح القرآن، حفّزت بدورها حركة العلم والبحث والمعرفة، غير أن مع تراجع هذا الوعي وابتعاد المسلمين عن القراءة المتدبرة، ضعف حضور العقل النقدي في أروقتها، وتقلصت مساحة الإبداع الفكري. وعن قوانين التاريخ، يولي الغزالي اهتماماً خاصاً بما يسميه السنن القرآنية، أي القوانين التي تحكم حركة الحياة والتاريخ كما يكشفها القرآن، وهو إذ لا يكتفي بسرد القصص أو توجيه المواعظ، يبين أن للأمم مسارات تحكمها سنن، مثل العدل والظلم، والقوة والضعف، والعمل والكسل، وإن إدراك هذه السنن يمنح الإنسان قدرة على قراءة التاريخ قراءة واعية، ويمنع الوقوع في التفسيرات السطحية للأحداث، فالنصر والهزيمة ليسا مصادفات عشوائية كما يشير القرآن، إنما نتائج مرتبطة بقيم المجتمعات وأفعالها. أما عن شمول الرؤية القرآنية، فيؤكد الغزالي أن القرآن يقدم رؤية شاملة للوجود، بحيث لا يعالج جانباً واحداً من حياة الإنسان، بل يجمع بين العالمين المادي والمعنوي، فهو حين يدعوه لعبادة الله وحده، يحثّه في الوقت نفسه على الضرب في الأرض، واكتشاف قوانين الطبيعة، وبناء المجتمع على أساس العدل. ومن هنا، يُفقد اختزال القرآن في دائرة الوعظ الأخلاقي أو الأحكام الفقهية وحدها، طبيعته الكلية، التي يخاطب من خلالها الإنسان ككائن يعيش في عالم مركّب، يحتاج إلى الهداية الروحية كحاجته إلى الوعي العقلي والاجتماعي.يصل الغزالي في نهاية تحليله إلى نتيجة هامة مفادها أن التدبر الحقيقي للقرآن هو ضرورة حضارية، فالأمم التي تفقد مرجعيتها الفكرية تضيع في تقليد الآخرين أو تتقلب في صراعات داخلية لا تنتهي، في حين أن ترسيخ مقام القرآن كمصدر للفهم والتوجيه، يمنح المجتمع بوصلة أخلاقية وفكرية تساعده على تجاوز الأزمات. على هذا، لا يصبح القرآن كتاباً تاريخياً، إنما خطاباً مستداماً يفتح للإنسان آفاق للتفكير والعمل، ويذكّره بأن الإيمان به مسؤولية في إصلاحه. في نهاية المطاف، يستمر القرآن الكريم عصيّاً على الزمن، فلا يهرم سوى التعامل البشري معه، ومن هنا تتجلى قيمة هذا الكتاب الذي لا يضيف تفسيراً جديداً بقدر ما يحفّز الهمة نحو تجديد مكانة القرآن الكريم في تشكيل العقل والضمير والحياة، فعندما تستعيد الأمة علاقتها الحية بكتاب الله، فإن الإيمان لا يتجدد في القلوب وحسب كذكرى محفوظة من التراث، بل كنور متجدد يستضيء به الفكر ويهدي الخطى في كل زمان ومكان. الكتاب: كيف نتعامل مع القرآن؟ المؤلف: محمد الغزالي الطبعة: (1) 2003 عدد الصفحات: 226 التصنيف :الدين الإسلامي موضوع الكتاب :القرآن بين التلاوة والحضارة
516
| 13 مارس 2026
بين الوحي والسياسة، تتجلى قراءة فاحصة في عقلية النبي القيادية! حيث ينطلق كتاب (في ضيافة النبي) من فرضية مركزية يفرضها الواقع المعاصر، مفادها إعادة قراءة السيرة النبوية كمشروع حضاري تشكّل في سياق تاريخي بالغ التعقيد، وذلك خلافاً للقراءة الوعظية التي دأبت على اختزالها في سردية أحداث متتابعة. فلم تكن الرسالة بمعزل عن خريطة العالم آنذاك، بل حلّت في زمن تتصارع فيه الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية، وتتقاطع طرق التجارة، وتتشابك التحالفات الدينية والسياسية. من هنا، يسعى المؤلف إلى مقاربة رؤية النبي ﷺ للعالم وطبيعة قراراته القيادية المترتبة عليها، وذلك على ضوء قراءة استراتيجية فاحصة للتاريخ، تحلل الأبعاد القيادية والسياسية والجيوسياسية، مع الحفاظ على البعد الإيماني. وعنه، فهو (وضاح خنفر) مفكّر وإعلامي فلسطيني، عُرف بدوره القيادي في شبكة الجزيرة الإعلامية خلال سنوات مفصلية من تحوّل الإعلام العربي، ثم اتجه إلى البحث الفكري والعمل المؤسسي في قضايا النهضة والتطور الحضاري. في الفصل الأول (الانقلاب الاستراتيجي: كيف صنع الإسلام أوروبا؟)، يطرح المؤلف أطروحة استراتيجية جريئة لا تجعل من الإسلام مجرد قوة دينية صاعدة على هامش التاريخ الأوروبي، بل عاملاً حاسماً في إعادة تشكيله، حيث ينطلق من لحظة التحول الكبرى في القرن السابع الميلادي، عندما كان النظام الدولي القديم، متمثلاً في الصراع الروماني-الفارسي، يرزح تحت وطأة الاستنزاف، وإذا بالفتح الإسلامي يقلب موازين القوى، ويسحب مركز الثقل من الإمبراطوريات التقليدية إلى فضاء حضاري جديد! عليه، يظهر هذا التحول استراتيجياً عميق الأثر، أعاد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية، ووضع الأوروبيين في مواجهة قوة غير متوقعة، وفرض عليهم إعادة تعريف موقعهم وهويتهم وسط العالم المتغير. أما في الفصل الثاني (ماذا يقول لنا رسول الله ﷺ في هذا الزمن؟)، فينتقل المؤلف من التحليل التاريخي إلى هذا السؤال المتعلق بزمن الاضطراب العالمي الراهن، ويستدعي السيرة ليتناولها كضرورة منهجية في فهم التحول الحضاري، وهو يشبّه الواقع بلحظة الانتقال الكبرى في القرن السابع الميلادي، حيث ولادة مشروع إسلامي قادر على تحويل الانكسار إلى نهوض. تقدّم الرسالة النبوية نموذجاً لفهم الواقع، والتكامل بين العمل والإيمان، وتجاوز الأزمات عبر الثقة بالمستقبل، وبينما لا يبدو النبي كقائد مرحلة تاريخية وحسب بل مؤسس لقواعد التعامل مع التحولات الكبرى، يبدو الواقع وهو يُعاد تشكيله عبر منظومة قيمية متماسكة قوامها الإنسان الصالح. وفي الفصل الثالث (عندما يكون التفاؤل منهج عمل)، يعالج المؤلف مفهوم التفاؤل في السيرة النبوية الذي يبدو منهجياً لا سيما وقت الأزمات، حيث العمل الجاد بجانب الخطاب التحفيزي. فمن خلال لحظات تاريخية أشارت ظروفها إلى حتمية الهزيمة أو الحصار أو الانكسار، ينبثق التفاؤل النبوي كرؤية استراتيجية تستشرف المستقبل دون أن تنكر الواقع، فليس التفاؤل إنكاراً للمعطيات بل تصوّر أعمق لها وثقة لا تتزعزع بسنن التاريخ، ومن ثم الإصرار على الأخذ بالأسباب رغم صعوبة الموقف! عليه، يتجلى التفاؤل النبوي كطاقة حضارية تحرّك الإرادة الجماعية، وتمنع الانهيار النفسي، وتحوّل التحديات إلى مسار للصعود، حتى يغدو الأمل عنصراً فاعلاً في صناعة التاريخ. ثم يصوّر المؤلف في الفصل الرابع (كيف رأى النبي العالم في زمنه؟)، نظرته التي لم تنحصر في حدود جزيرة العرب، بل كونية تُدرك توازنات القوى وتضارب المعتقدات، وتحدد موقع الرسالة ضمن مشهد عالمي تتصارع فيه القوى، وتتغير فيه المصالح، ومن ثم التعامل معها بحكمة، فقد راسل الملوك وأسس التحالفات وأدار الصراعات بمنطق استراتيجي يتجاوز اللحظة إلى ما بعدها. لقد كانت هذه النظرة العالمية جزءاً لا يتجزأ من طبيعة الرسالة التي أرسلت للناس كافة، ما رسّخ المشروع الإسلامي منذ بدايته ككيان غير منغلق على ذاته، بل فاعل في العالم يعيد تشكيله. وفي الفصل الأخير (النبي القائد والنبي الإنسان) يتناول المؤلف ثنائية القيادة والإنسانية في شخصية النبي، مؤكداً على تكامل النموذج النبوي وفق مرجعية أخلاقية واحدة. لم تكن القيادة وظيفة طارئة على شخصه ﷺ، إنما كانت بمثابة امتداد طبيعي لخُلق متجذر، فقد كان سلوكه في البيت وفي ساحة القرار وفي أوقات الشدة والرخاء، منسجماً ضمن منظومة قيمية ثابتة. ثم يتناول المؤلف مبدأ الشورى كركيزة لا كمجرد إجراء حسب الظرف الطارئ، فرغم تأييد الوحي، مارسها النبي ﷺ ليكوّن جيلا قادرا على التفكير وتحمل المسؤولية، ويحوّل التحديات إلى دروس عملية في الثبات والعدل والرحمة، وهو بذلك يكون قد قدّم نموذجاً قيادياً يجمع بين الرحمة الإنسانية والقوة الأخلاقية والفاعلية السياسية، دون انفصام بينها. خلاصة القول: يسعى الكتاب نحو قراءة السيرة من زاوية استراتيجية حضارية، تفهم السياق الإقليمي الذي وُلدت فيه الرسالة، وتحلل موقعها الجغرافي والسياسي، وتبرز المنهج القيادي للنبي ﷺ كنموذج متكامل يجمع بين الأخلاق والسياسة، والوحي والشورى، والإنسان والقائد. إذاً، ليست السيرة النبوية مجرد تاريخ يحظى بقدسية، إنما تجربة قيادية قابلة للدراسة والتطبيق، الأمر الذي يضع الأمة أمام تحدٍ متجدد في استلهام هذا النموذج، لزمن تتجدد فيه صراعات القوى، وتتعقد فيه أنماط القيادة. العنوان: في ضيافة النبي المؤلف: وضاح خنفر الكتاب باللغة الأصلية المترجم دار النشر جسور للترجمة والنشر الطبعة: (1) 2021 عدد الصفحات: 157 التصنيف: الإسلام/ السيرة النبوية موضوع الكتاب: من مكة إلى العالم
426
| 04 مارس 2026
هنا يلمس الطبّ القلب قبل الجسد، فيرسم سبيلا روحانيا مختلفا لعلاج النفس والجسد معاً. يطرح هذا الكتاب رؤية نقدية معاصرة لمفهوم الرعاية الصحية في العالم العربي، انطلاقاً من ملاحظة جوهرية، مفادها أن الأنظمة الاستشفائية الحديثة -رغم تطورها المادي ووفرة الإمكانيات- ما زالت تُقصي الجانب الإنساني والبعد الروحي في التعامل مع المريض، الأمر الذي تداعى إلى أزمة قيمية عميقة في المجال الطبي تبدو فيها الممارسة العلاجية قد فقدت الكثير من جوهرها الأخلاقي والوجداني. عليه، يؤكد المؤلف أن الطب الحديث في المجتمعات العربية قد تبنّى النموذج الغربي في النظر إلى الإنسان بوصفه مجرد كيان جسدي، متجاهلاً تكوينه النفسي، رغم أن البحوث العلمية أثبتت الأثر الإيجابي للدعم الروحاني في تحفيز جهاز المناعة وتقوية مقاومة الجسد للمرض، فضلاً عن دوره الوقائي في مقاومة الاضطرابات النفسية، إضافة إلى الحد من ظاهرة الاحتراق المهني لدى الطواقم الطبية. ويرى أن هذا القصور لا يعود إلى غياب الموارد والقدرات والطاقات، بل إلى غياب رؤية فلسفية متكاملة تُعيد الاعتبار لمركزية القيم الإنسانية في الممارسة العلاجية. ففي عرضه لاجتهادات علم النفس التحليلي، ينقل عن مؤسسه (د. كارل يونج) قوله وهو يقرّ بقاعدة إنسانية مشتركة: «إن للإنسان واجباً دينياً طبيعياً، وعدم تأدية هذا الواجب قد يترك في الإنسان شعوراً بالتفاهة وصغر الذات». هكذا يبدو «الشفاء بالمعنى» لدى المؤلف الذي ضمّن كتابه (الطب الروحاني وعلم النفس الديني) رؤية شاملة للطب والنفس والدين. وعنه، فهو (د. حشلافي حميد) طبيب وأستاذ جامعي في كلية الطب بجامعة وهران في الجمهورية الجزائرية، وهو إضافة إلى تخصصه المهني، كاتب وروائي، وله العديد من الإصدارات العلمية والفكرية تصب في نفس المجال. من ناحية أخرى، يذهب المؤلف إلى أن جذور المشكلة فكرية ومعرفية، تتمثل أساساً في تبعية مناهج العلوم الطبية والنفسية الجامعية للمدارس الغربية، دون تمحيص ثقافي أو مواءمة مع الخصوصية الدينية للمجتمعات الإسلامية! فالعلم في رأيه، حين يتم استيراده دون نقد أو تكييف، يفقد خاصية الحياد ويتحول إلى أداة لاغتراب الإنسان عن ذاته وعن روحه. لذا، فهو يدعو إلى تأسيس مقاربة «طب روحاني» تستند إلى المنظور الإسلامي، لا كبديل عن الطب الحديث، بل كاستكمال في ربط الجسد والنفس والروح، وإعادة الوحدة الوجودية للإنسان. عليه، تتجلى رسالة الكتاب في الدعوة إلى مصالحة العلم بالإيمان، والمعرفة الطبية بالحكمة الدينية، وذلك من خلال دمج البعد الروحي في التعليم الطبي وفي الممارسة السريرية على السواء، كما يشدد على ضرورة إعادة الاعتبار للقرآن الكريم والسنة النبوية كمصدرين أخلاقيين ومعرفيين لتقويم المنظومة العلاجية، وترسيخ القيم الرحيمة في التعامل مع المريض والكوادر الطبية. فمن خلال قراءة سريعة في فلسفة الطب الروحاني كما جاء به الكتاب، يظهر المؤلف -وقد اجتمع بالروح في غرفة العلاج- يتناول بعد المقدمة، النظريات الغربية المتعلقة بالدعم الديني في العلاجات الطبية والنفسية، فيتطرق من خلالها إلى مدرسة التحليل النفسي ومفارقة الإلحاد الفكري الذي كان يعتريها، ونشأة علم النفس في شقيه الديني والروحاني. ثم يتحدث عن أهمية الدعم الروحاني في العلاجات الطبية، فيحدد أولاً دعائم الإسلام فيه انطلاقاً من كونه شريعة حياة، وضرورة رسوخ الاعتقاد الديني والانتماء الروحاني للمريض كفطرة، إضافة إلى تأكيد مغزى الوجود والإيمان بالكتب السماوية ورسلها، فضلاً عن احتياجه الروحاني للصلاة والصدقة وإدامة الذكر وقراءة القرآن، مع دلالات ومعانٍ أخرى تربط بين المسلم والمرض. يقوده هذا للتطرق إلى صيرورة الموت من خلال مفاهيم إسلامية عدة، مثل (الموت حق، سكرات الموت، البكاء على الميت وتغسيله وتكفينه ودفنه وصلاة الجنازة عليه)، وفي حين ينتهي بالحديث عن الحياة بعد الموت بعد هذه الرحلة الدنيوية، ينتقل للحديث عن فلسفة الموت لا سيما وهو يربط بين واقع العالم المادي والمفاهيم الإسلامية حول الروح. يعدد أشكال الموت، كـ (موت الفجأة، والموت عند النوم، وموت الطفل)، لكنه يُسهب في الحديث عن الانتحار كشكل آخر من أشكاله، فيحدد أسبابه التي قد تكون ضمن مرض الاكتئاب النفسي، أو لدى المسنين كما في فقدان معنى الحياة، أو عند من فقد عقله، أو لظروف بعض الأعمال المهنية الصعبة. وبينما يختم المؤلف كتابه بالحديث عن دور المرشد الديني في المؤسسة الاستشفائية، يعرض مجموعة من الآداب الإسلامية في عيادة المريض، كالاستئذان احتراماً للخصوصية، اللقاء بالابتسامة وبشاشة الوجه، التحية بالسلام والمصافحة باليدين، حسن المجالسة وطيب الكلام، الدعاء كسند معنوي، التهادي والتحاب. في جوهره، يشكّل الكتاب دعوة لاستعادة البعد الإنساني في الممارسة العلاجية، وإحياء الطب البشري الشامل الذي يرى في المريض كائناً ذا كرامة، لا مجرد حالة سريرية، وهو يسعى إلى إعادة بناء الوعي المهني في ضوء رؤية تُوحّد بين الطب والعقيدة، العلم والنفس، الجسد والروح، لتتحول الممارسة الطبية من فعل ميكانيكي إلى رسالة أخلاقية وروحية تليق بإنسانية الإنسان. بعبارة أخرى: إنها دعوة للتصالح بين العلم والإيمان، حتى لا يفقد الطب شيئاً من إنسانيته.
297
| 26 فبراير 2026
ليست السيرة الذاتية مجرد رواية شفهية يُحدّث بها فرد ما ويضمّنها تجاربه في الحياة، إنما هي تعبير عن هوية المجتمع الذي شهد تفاعلات تلك الحياة المروية، بمكوناته الثقافية والحضارية. هكذا يبدأ المؤلف مقدمته في كتاب (مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية في السيرة الذاتية) التي جادل فيها ابتداءً عن أصل أدب السيرة المتضارب شرقاً وغرباً! فبينما يعدّ كتاب (الأيام) لعميد الأدب العربي طه حسين بمثابة «النص التأسيسي لأدب السيرة الذاتية في العالم العربي»، يشير إلى بعض الأعمال الغربية التي يميل معها بعض الباحثين إلى اعتبار «أدب السيرة الذاتية أدب غربي». بيد أن الأدب العربي سبق بقرون نظيره الغربي الذي برز متأخراً في القرن الثامن عشر، حيث شهد القرن التاسع الميلادي/ الثالث الهجري، استهلال ما يُعرف بالسير الغيرية (الكتابة عن الغير) مثل كتاب (الطبقات الكبرى)، والذي توالى بعده عبر العصور من السير والتراجم، بلغت من الكثرة في التراث العربي درجة لم تبلغها أية أمة أخرى! والمؤلف (ناهض زقوت)، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والأدبية الفلسطينية، وإذ هو يميل إلى الاعتقاد بالجذور العربية لأدب السيرة، يتطرق إلى دورها في إبراز الهوية الوطنية ككل، فيستعرض عددا من الأعمال العربية، حتى يخص الأدب الفلسطيني وما يميزه بنصيب الأسد، وقد توّجه بسيرة (غربة الراعي) لمؤلفه (د. إحسان عباس)، الناقد والمحقق والمترجم الفلسطيني الذي يُعد من أبرز روّاد العرب الذين ساهموا في إثراء الدراسات العربية خلال القرن العشرين. وقبل الخوض في مكونات (غربة الراعي)، يتطرق المؤلف إلى ثراء الهوية الفلسطينية، التي وإن لم تنفِ التعددية في موروثها الثقافي، تؤكد وحدتها من حيث التميز والخصوصية، مستشهداً بتصريح الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي قال: «كل الشعوب تزوجت أمي.. وأمي لم تكن إلا أمي»، ثم يقول معقباً: «فالأم هنا هي الأرض الفلسطينية، والشعوب هم كل الغزاة الذين احتلوا أرض فلسطين! استطاعت الأم أن تستوعب أو تستقطب منهم كل الأشكال الحضارية والثقافية، وهم رحلوا وبقيت الأم محافظة على كينونتها وهويتها، دون أن تعلق بثقافة الآخرين، بل أكدت على تميزها وفرادتها من خلال مبدع هويتها.. الشعب الفلسطيني الذي يعود بجذوره الحضارية والثقافية إلى ما قبل الألف الثالث قبل الميلاد، وما زال قادراً على التواصل طالما بقي في الوجود إنسان فلسطيني». يحدد المؤلف في سيرة (غربة الراعي) مكونات تسعة شكّلت في رأيه إطاراً عريضاً للهوية الفلسطينية! أولاً: تظهر (ملامح المكان) أول ما تظهر على الأرض، ثم من عليها من سكّان ومساكن، لاسيما في مبادرة القرويين تشييد المدارس بدل انتظار الحكومة. ثانياً: تمثّل (العادات والتقاليد) مصدراً للاعتزاز، لاسيما سؤال «أنت من دار مين؟» الذي تُلحق إجابته بالقدر والمكانة وأصالة الجذور التاريخية، وقد تتغلغل بها بعض العصبيات الاجتماعية. ثالثاً: تزخر (الأكلات الشعبية) بنكهة خاصة في المطبخ الفلسطيني، فإلى جانب «المفتول والمنسف والمسخن والمقلوبة»، هنالك أطباق تصنع مع موسم حصاد القمح «أكوام من البرغل والشعيرية يصب عليه اللبن الرائب». رابعاً: تصطبغ (المواسم والأعياد) في كل قرية فلسطينية بطابع يميزها، فهنالك مواسم شعبية كموسم النبي صالح، وأعياد دينية كعيد الفطر، ومناسبات دينية كالمولد النبوي، وهي الاحتفالات التي كان يتقاطر فيها القرويون نحو الساحات يرقصون الدبكة، غير أن الأحزان ما لبثت أن طغت على أفراحهم شيئاً فشيئاً. خامساً: تنتشر (الأساطير والخرافات) بين الفلاحين بشكل أكبر، لاسيما مع قلة الوعي الذي قد يعود لانقطاع القرى عن وسائل الحياة الحديثة، ما جعلهم يخلقون عالمهم الخاص، وتحديداً مع القمر الذي ارتبط لديهم بالأسطورة والقدسية. سادساً: تشكّل (التسلية والألعاب الشعبية) لوناً آخر تناقلته الأجيال، حيث التحلّق حول «كانون» النار شتاءً والتسامر في حميمية، وحكايات الجدات الأسطورية عن الغيلان والأبطال، و»المقعد» الذي يترأسه «المختار» في الحي ويتجمّع لديه الكل يستمعون إلى «الحكواتي» أو يلعبون «السيجة والدريس». سابعاً: تمتد (الثقافة والموسيقى) في فلسطين كأرض ذات حضارة عربية متجّذرة ومنفتحة على ثقافات الآخرين، فمن الغناء الشعبي والآلات الموسيقية المصاحبة، إلى مقاهي الأدب وفنون السينما والمسرح، وغيرها من حركات ثقافية تتمثل في المجلات الوافدة والكتب المستعملة التي تباع عادة في الطرقات. ثامناً: وعن (ملامح من الحياة التعليمية)، لم يتمكن الإنجليز من ادعاء تنظيم التعليم في فلسطين، فقد فوجئوا زمن الانتداب بـ «شعب له مدارسه وعلمه وثقافته وماضيه المجيد»، وقد كان هناك نظام التعليم في القرية، والتعليم المدرسي في المدينة، إضافة إلى التعليم الجامعي ونظام الابتعاث. تاسعاً: تعكس (ملامح من التاريخ الفلسطيني) مرحلة ما قبل النكبة، لاسيما التي حفظتها الذاكرة وتناقلتها الألسن دون مدوّنات، وهي التي تؤكد على تواجد الجالية اليهودية في الثلاثينيات، والكنيسين داخل أسوار حيفا وحارة اليهود، وما دار فيها من أحداث مهمة كثورة الإضراب وتنظيم الكفاح وتحركات الجنود الإنجليز وسنوات الحرب العالمية الثانية. ختاماً أقول: لا تترسخ السيرة باعتبارها وحسب اعترافاً شخصياً، بل كوثيقة وعي لشعب، حافظ على هويته في مواجهة النسيان الذاتي والاقتلاع الحضاري.
279
| 19 فبراير 2026
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد...
5787
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم...
4884
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة...
2253
| 23 أغسطس 2026
بحكم أن أحد أفراد أسرتي يتلقى العلاج في...
1800
| 25 أغسطس 2026
هل يمكن لشخص يملك عشرة آلاف ريال أن...
1752
| 26 أغسطس 2026
اليوم تنطلق الجولة الثانية من دوري نجوم بنك...
1053
| 27 أغسطس 2026
كم مرة سمعت نفسك تقول: “ انتهت الإجازة،...
822
| 28 أغسطس 2026
قد تضم المؤسسة مديرين أكفاء، وتملك خططًا جيدة...
813
| 29 أغسطس 2026
* يحل علينا في شهر ربيع الأول من...
774
| 26 أغسطس 2026
في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما...
738
| 26 أغسطس 2026
أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي،...
597
| 23 أغسطس 2026
هذه رسالة أوجهها إلى كل مسؤول أول في...
588
| 27 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل