رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
“أبو العبد” زلمة عصامي ربّى أبناءه الاثني عشر بعرق جبينه، فيما تدير “أم العبد” شؤون البيت بحكمة وصبر الجبال، متحمّلةً غيرة الضراير وزيجات “أبو العبد” الثلاث: أم الياسين، وأم جمال، وأم عزّام.
عاد “أبو العبد” في ذلك المساء مُنهكًا، وعلى وجهه تُقرأ فصولُ كفاحٍ الزمن وأهواله.
تناول غداءه البسيط: “فتات الخبز البلدي المغموس بزيت الزيتون النابلسي والزعتر الجبلي، وبجانبه بعض حبات البندورة”.
ثم جلس ليستريح على كرسيه الخشبي القديم، وفي يده ظرفٌ بنّي اللون يحمل شعار وزارة الكهرباء والماء، كُتب عليه بخطٍ عريض: «رضا المواطنين هدفنا وغايتنا».
ما أن فتح الظرف حتى ارتعشت يداه وصاح بقوة:
“يا الله يا لطيف! مستحيل هالكلام ! شو هالمسخرة؟ شو هالمهزلة؟ شو هالتخبيص يا عالم؟!… الله لا يوفّقكم لا دنيا ولا آخرة!”.
زمجر غاضبًا وهو يلوّح بالفاتورة الماء العالية التي أفقدته صوابه.
أسرعت أم العبد تحمل دفتر المصاريف الشهري وبدأت تحسب بعينٍ قلقة:
“مصروف الأولاد والمدرسة… وثمن كيس الطحين… وسعر المازوت… والأدوية…”
ثم صاحت: “شو هالعبط….! الله لا يوفقهم يا أبو العبد! ما يخافوا الله!”.
وبينما هو غارق في همّه، وأم العبد تلطم خدّيها، فتح مذياعه القديم، يرتشف من “الهيشة” ويتنهّد كمن يحمل همّ الدنيا.
وفجأة، انطلق نداءٌ عاجل من مسؤول الكهرباء والماء عبر الإذاعة:
“نعتذر للمواطن أبو العبد، لقد حصل خطأ غير مقصود… تم احتساب كمية الهواء مع الماء في عدّاد أبو العبد للمياه.”
“شووووو..الله لا يبارك فيكم ولا في عداداتكم! حتى الهواء اللي بنتنفسه صار عليه فاتورة؟… يعني الأوكسجين صار عليه ضريبة يا “ ام العبد “…؟!”
شعر بدوارٍ شديد، حاول التمسّك بالكرسي فلم يستطع، فسقط على الأرض مغشيًا عليه.
هرعت أم العبد تصرخ: “النجدة! النجدة، أبو العبد مات!”.
تجمّع الجيران وأطفال الحارة، وأُرسلت سيارة الإسعاف التي نقلته إلى المستشفى، وأم العبد خلفه تبكي وهي تردد:
“فاتورة هوا يا ناس ! فاتورة الهوا يا عالم!
في المستشفى، وبينما الأطباء يحاولون إنعاشه، بعد ساعاتٍ طويلة، أفاق أبو العبد، نظر حوله بنظرة حزينة، ثم همس ورفع يديه إلى السماء قائلاً:
“حسبنا الله ونعم الوكيل… ما بيخافوا الله في الفقراء.”
لقد كانت حادثة “أبو العبد” صرخةً مدوّية، وسؤالاً مؤلمًا يراودني:
كم من “أبي العبد” سقط ضحية خطأٍ أو إهمال مسؤول؟
وكم من أسرةٍ بسيطةٍ انقلبت حياتها رأسًا على عقب بسبب خطأٍ عابر، مقصودًا كان أم غير مقصود؛ ناتجٍ عن عطلٍ في جهاز، أو خللٍ في “النظام” (السيستم)، أو حتى ورقةٍ بيضاء تحمل توقيع مسؤولٍ لم يُدرك تبعات قراره؟
بل الأدهى والأمر، كم من موظفٍ يدفع ثمن سوء اختيار المسؤول، أو ضعف كفاءته أومحدودية خبرتيه أو إمكانياته الإدارية والقيادية معًا!
ولعلّ ما يثير القلق أنّ القضايا الإدارية المتعلّقة بالنزاعات بين الموظفين وجهات عملهم تمثّل نحو ٤٠٪ من إجمالي القضايا التي تُرفع إلى مكاتب المحاماة، ما يعكس حجم الفجوة والخلل الإداري في الشركات والمؤسسات بين ربّ العمل والموظف الحلقة الأضعف.
فبيئات العمل الإدارية المرنة والناجحة لا تُقاس بشدّة أنظمتها، ولا بكثرة لوائحها وملفّاتها وأعداد موظفيها، بل بعدالةٍ وحزمٍ من يديرها، وحكمةٍ وحنكة من يقودها.
ومع ذلك، يجد الموظف البسيط نفسه في النهاية هو من يدفع ثمن أخطاءٍ لم يرتكبها.
وعندما تقع الأخطاء، يختفي السبب والمسبّب معًا خلف ستار “الإجراءات” و“النظام”( السيستم) و“اللوائح”، ليبقى الموظف في الواجهة يتحمّل اللوم وحده، بينما ينجو صاحب القرار إمّا ببقائه في منصبه، أو بخروجه منها بكامل مستحقاته المالية، في حين يدفع المتضرر الثمن باهظًا عن خطأٍ لا ناقة له فيه ولا جمل.
وفي نهاية المطاف، لم يكن “أبو العبد” ضحية فاتورةٍ خُلِط فيها الماء بالهواء، بل ضحية فاتورةٍ أكبر بكثير: فاتورة الإهمال الإداري، والتسرّع في إصدار القرارات دون دراسةٍ أو تأنٍّ، وتداخل المسؤوليات، وتشابك البيروقراطية التي لا تُرهِق الأفراد فحسب، بل تُفكّك الكيان الإداري نفسه مع مرور الوقت.
وهكذا تبقى العدالة والنزاهة والشفافية مجرّد بنودٍ في النظام الأساسي، وملفّاتٍ مُرتّبة بعنايةٍ على رفّ مكتب “المسؤول المحترم”، بينما يظل “الموظف” هو الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن بصمت.
أخيرًا، مات “أبو العبد” قهرًا وصمت قلبه الموجع قبل أن يصمت لسانه، رحمة الله رحمةً واسعة، وعوّضه في الآخرة خيرًا من الدنيا وما فيها، وجزاه جزاء الصابرين والشهداء، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1635
| 04 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
813
| 31 ديسمبر 2025
لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري والسياحي هي جهودٌ مقدَّرة ومحلّ اعتزاز، ونأمل أن تبلغ أسمى درجات التميّز والإبداع من خلال التكامل والتنسيق بين مختلف الجهات، وبمشاركة أطياف المجتمع كافة؛ بما يعكس الصورة المشرّفة للبلد، وثقافتها، وقيمها، ورُقيّ أهلها. وبحكم كوني من روّاد كورنيش الدوحة، فقد استوقفتني بعض الممارسات التي -من وجهة نظري- قد تؤثّر سلبًا في المشهد العام وجودة التجربة السياحية التي نطمح جميعًا إلى الارتقاء بها. إذ إن لهذه الممارسات انعكاساتٍ مباشرة على سمعة القطاع السياحي، وعلى جودة الخدمات المرتبطة به. ومن أبرز هذه الملاحظات انتشار مجموعات من الأشخاص الذين يمارسون الإرشاد السياحي دون ترخيص أو تأهيل مهني، يتمركزون في نقاط معيّنة على الكورنيش والمواقع الحيوية، ويعمدون إلى استقطاب السياح بصورة عشوائية تفتقر إلى التنظيم. وأشير هنا -من باب رصد الواقع لا التعميم- إلى بعض العمالة، ولا سيما الآسيوية منها، التي تفتقر إلى أبسط أدوات الإرشاد السياحي السليم، وإلى الوعي والبعد التاريخي والثقافي للمكان. وهنا يبرز تساؤلٌ مشروع: هل يحمل هؤلاء تصاريح رسمية تخوّلهم مزاولة هذه المهنة؟ وهل يمتلكون التأهيل المعرفي اللازم لنقل المعلومة الدقيقة عن التاريخ، والعادات، وقيم المجتمع؟ فالإرشاد السياحي ليس مجرّد مرافقة عابرة، بل هو تمثيلٌ حيّ، وصورة واقعية تُنقل إلى العالم عبر التواصل الإنساني المباشر، وتترك أثرًا دائمًا في ذاكرة الزائر والسائح. وتبرز ملاحظةٌ أخرى تتعلّق بالقوارب الخشبية السياحية التقليدية، حيث تظهر على بعضها علامات التهالك، وتدنّي معايير السلامة والنظافة، فضلًا عن غياب الأسلوب الاحترافي السياحي في التعامل مع الزوّار والسائحين، وهو ما يثير تساؤلًا حول مدى توافق هذه المشاهد مع الصورة العصرية والحضارية التي نحرص على تقديمها في أحد أبرز معالمنا السياحية. إن إعادة تأهيل هذه القوارب السياحية والارتقاء بجاهزيتها، من خلال تحسين معايير الأمان، وتوفير سبل الراحة، والالتزام الصارم بمعايير السلامة والنظافة، واعتماد أسلوب احترافي في الخدمة، من شأنه أن يجعلها أكثر جاذبية للسياح، ويحوّلها من وسيلة نقل عشوائية إلى عنصر سياحي فعّال يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية على الكورنيش. إن كورنيش الدوحة ليس مجرّد معلمٍ عابر، بل لوحة نابضة تروي قصة وطن؛ فعن يمين الزائر تتجلّى الأبراج الشاهقة رمزًا للحداثة، وعن يساره يستحضر عبق التاريخ المرتبط بالبحر والغوص والبادية. وفي هذا التلاقي الفريد، يلتقي الماضي بالحاضر ليجسّدا رحلة بلدٍ حافظ على هويته وهو يعانق المستقبل. ومن هنا تكمن المفارقة في وجود بنية تحتية عالمية المستوى، يقابلها ضعف في جودة بعض التفاصيل الميدانية التي قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة الأثر في جوهر التجربة السياحية. وفي المقابل، تمثّل مهنة الإرشاد السياحي فرصةً حقيقية وواعدة لأبناء الوطن من الجنسين، لما تتطلّبه من مخزون ثقافي ومعرفي واعتزاز بالهوية. وقد أثبت الشباب القطري كفاءته في شتى المجالات، وهو الأقدر على تقديم تجربة سياحية أصيلة تعكس القيم والتاريخ بصورة مشرّفة. إن اختيار الدوحة عاصمةً للسياحة الخليجية لعام 2026 هو إنجازٌ يفخر به الجميع، لكنه في الوقت ذاته يضع الجميع أمام مسؤوليةٍ مضاعفة لترجمة هذا اللقب إلى واقعٍ ملموس، يتجلّى في جودة التنظيم، وسلامة المرافق، ورُقيّ مستوى الخدمة. خلاصة القول.. تظلّ التجربة السياحية ناقصة ما لم يُرافقها محتوى إنساني وثقافي مؤهَّل يعكس روح المكان. إن الاستثمار في تنظيم وضبط معايير الخدمات الميدانية هو استثمارٌ في سمعة القطاع السياحي واستدامته؛ إذ لا يدوم التميّز إلا حين يلمسه الزائر والسائح واقعًا في كل تفاصيلها.
723
| 04 يناير 2026