رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الرومي وعشق إيفا الفرنسية

تعكس مقدمة ديوان (رباعيات مولانا جلال الدين الرومي) حضوراً بارزاً للصوفي المسلم (جلال الدين الرومي) في الثقافة العربية ككل والثقافة الغربية على حد سواء، حيث سعت الأخيرة من خلال مستشرقيها وانكبابهم المخلص على دراسة التصوف الإسلامي -لا سيما في نسخته الأصلية من النص الفارسي- على نشر تراثه الروحي عالمياً، وكذلك صنعت (إيفا دوفيتري ميروفيتش 1909: 1999). إنها أكاديمية فرنسية، أحبت رسالة الرومي حين عكفت على قراءة كتبه ودراسة حياته، وقد وجدتها حسب تعبيرها «رسالة حب ذات بُعد أخوي». الحب الذي مكّنها من مكاشفة الفتح الإلهي واعتناق الإسلام في نهاية المطاف، وقد قالت: «رأيت أن الإسلام وحده هو الكفيل بأن يحقق لي هذا الإيمان». أما الفقيه والمتصوف والشاعر، صاحب ديوان المثنوي الأشهر والطريقة المولوية (جلال الدين الرومي 604 - 672 هـ) أو محمد بن حسين بهاء الدين البلخي، فقد وُلد في مدينة بلخ بخراسان، ويعود نسب أجداده إلى أفغانستان الحالية، وهو الذي كان يفتخر بأصله الخراساني رغم رحيله إلى مدينة قونية في صغره. تبدو إيفا على صفحات الديوان وهي تشعّ محجّلة في إحرام الحج، والتي ينساب حديثها فيه نوراً وفتحاً وبركة وهي تحدّث عن روح الإسلام، وهو الديوان الذي يتطرق كذلك إلى سيرتها الذاتية! حصلت إيفا على درجة الدكتوراة في الفلسفة، حيث عكفت من بعدها على دراسة العلوم الإسلامية وتعلم اللغة الفارسية التي مكّنتها فيما بعد من ترجمة رباعيات جلال الدين الرومي. وقد تعرفت ابتداءً على الدين الإسلامي من خلال دراسة أكاديمية عميقة لمؤلفات الشاعر الباكستاني محمد إقبال، وكذلك على الرومي الذي قال فيه إقبال نفسه: «صيّر الرومي طيني جوهرا»، والذي تواصلت معه وقدّمته للقارئ الغربي من خلال ترجمة بعض كتبه. ومن ثم، قادها هذا التعارف إلى قراءة فلسفة الغزالي وتفسير البيضاوي، والتنقل لاحقاً في بلاد العرب عن طريق البعثات العلمية التي تكفّلت بها الحكومة الفرنسية نحو المغرب ولبنان ومصر، حيث توطدت علاقتها بالدكتور طه حسين والتقت بشيخ الأزهر ووزير الأوقاف آنذاك، ثم أخيراً زيارتها لإقليم البنجاب المفعم بروح التصوف ومدينة قونية، لتنعم بمعاني الكونية والانفتاح الإنساني وروح التعايش. لقد كانت تحرص على زيارة قونية، مدينة الرومي، حتى تهنأ بمشاهدة مريديه رؤى العين، وقد صرحت في آخر محاضرة ألقتها هناك عام 1998 بأمنيتها قائلة: «أود أن أدفن بقونية كي أبقى تحت ظلال بركات مولانا إلى يوم الحساب». لذا، وبعد وفاتها ودفنها في مقبرة بالقرب من مدينة باريس، تطوّع بعض رفاقها الأتراك لنقل رفاتها في يوم 17 من ديسمبر عام 2008 أو فيما يُسمى بـ (احتفالية يوم العرس) التي تُشير إلى ذكرى رحيل الرومي، حيث أقيمت مراسم الدفن من جديد على الطريقة الإسلامية، ودُفنت في المقبرة الواقعة قبالة ضريح الرومي. نشرت إيفا أول ترجماتها للرباعيات في مدينة إسطنبول عام 1946 عن نشرة الأديب والشاعر الإيراني بديع الزمان فروزنفر التي تضمنت ما يقارب ألفي رباعية، غير أنها امتنعت عن ترجمتها كاملة لتعذّر نقل بعض النصوص دون خسارة الذوق الجمالي الخاص بلغتها الأصلية. ومن الرباعيات التي جاءت في نظمها الشعري بأربعة مقاطع: (رباعية 147)، والتي فيها يظهر المرء ينعم بالقرب الإلهي حين يسلّم أمره لله، بينما لا يورثه التوغّل في جنبات نفسه إلا الحزن، بل ويكثّف طبقات الحُجُب بينه وبين الله تعالى. تترجم إيفا عن الرومي هذا المعنى قائلة: «إن أصبحت غنيمة الله تحررت من الحزن، ‎وإن تغلغلت داخل نفسك صرت حبيساً لها. ‎اعلم أن وجودك حجاب في طريقك. ‎لا تمكث مع نفسك، فلن تحس إلا بالضجر». أما في (رباعية 189) فيبدو أن العقل البرهاني ليس كالقلب الصوفي، إنما يتحصّل العلم اللدني عندما يُستغنى عن العقل! فتترجم إيفا عن الرومي هذا المعنى بدورها قائلة: ‎»يقال: العقل الكلي يملك الكثير من العلوم. ‎العقل الكلي جوهر هذا العالم! ‎هذا العقل صاحب العقل، إنه العقل الجزئي. ‎عندما يتنازل العقل عن العقل يصبح عقلاً كلياً». وعلى الحياة يمر العابرون، من الأنبياء والأولياء والأبدال والأمثل فالأمثل.. مرور كلمح البصر، لكنه يبقى محفور الأثر! في هذا المعنى تترجم إيفا عن الرومي نفحاته من (رباعية 291) قائلة: «ها قد مرّ فارس مكتنف بالأسرار، فتعالت سحابة من الغبار! ‎رحل.. وسحابة الغبار باقية! ‎انظر أمامك. لا يمنة ولا يسرة. ‎غباره هنا، والفارس في دار البقاء». ختاماً أقول: لقد كان لإيفا حلم في تعريف الفرنسيين وغيرهم من الناطقين بالفرنسية بـ «الرسالة الجمالية للإسلام»، وقد سعت في تحقيق حلمها حينما أجادت اللغة الفارسية وقدّمت للغرب بل وللمسلمين أنفسهم نفحة روحية قوية لأحد أتباع النبي محمد ﷺ وإرثه الروحي الخالص، وقصدت ببثّ كل معنى عميق، حَمَله الفهم النقي لرباعيات جلال الدين الرومي. وقد يكون قراءة ديوانها المرهف هذا بمثابة إحياء جانباً من حلمها الذي عاشت لأجله وماتت عليه.

408

| 13 سبتمبر 2025

الإباء في سيرة أسير فلسطيني

لا ينفك أدب السجون يثير من أمشاج المشاعر الإنسانية، إزاء ما يكشف عنه من صنوف ظلم وعنف وقهر وتعذيب وتقتيل تجري في غياهبها، ما يجعله الأصعب ضمن ما عداه من الأعمال الأدبية، وكأنه التصنيف الذي أحاط نفسه بأسلاك من رعب شائكة تحذّر القارئ من الاقتراب! فكيف إذا اجتمع بالنضال الفلسطيني؟! ففي سجون الاحتلال، يمضي الكاتب والصحفي الفلسطيني والمساعد الأكاديمي في جامعة بيرزيت (علي جرادات 1955) أسيراً لمدة أربعة عشر عاماً، متقطعة من خلال ستة اعتقالات، لا سيما تلك التي تُعرف بـ (الاعتقال الإداري)، أي بلا تهمة واضحة، ولا محاكمة قضائية، ولا محامي دفاع.. بل بملفات ودلائل سرية يحوط بها ضباط الاحتلال الإسرائيلي، وبمراوغة مع الأسير لا تكل ولا تمل، وذلك للاعتراف بما لا علم له به، فضلاً عن جلسات التعذيب التي يتعارك في وحشيتها القسوة والدناءة، وسيل الإهانات العابرة، وفي خارجه، حيث المطاردة إثر التخفي والإقامة الجبرية، وترويع الأهل بالأطفال والشيوخ معاً.. إضافة إلى الكثير من النماذج الفلسطينية من نساء ورجال التي رسخت مع صاحب هذه التجربة، أسطورة الفلسطيني الذي لا يُقهر.. والذي قال (في معرض النص): «نحن الأحرار الطليقين في الإنسان». ومع بداية هذه السيرة الذاتية الصادرة عن (مؤسسة الدراسات الفلسطينية) والتي تجسّد الإباء في عنوانها (لست وحدك: ذاكرة حرية تتدفق)، وتردد أصداؤه بين أقبية الزنازين، يطمئن الأسير السابق كل سجين - وقد انصهر في الجماعة حسب تعبيره- بقوله «لست وحدك وأنت السجين من أجل حرية فلسطين». فيسرد عدد من أولئك الذين بذلوا أرواحهم فداءً للوطن: كما في (سجن عكا الانتدابي) وليلة إعدام الجد عوض، و(باستيل عسقلان) الذي احتضن عبدالقادر أبو الفحم كأول شهيد (معارك الأمعاء الخاوية)، وسجن غزة الذي استشهد فيه (غيفارا غزة) وأولئك الذين كانوا يحكمون غزة ليلاً بينما يحكمها المحتل نهاراً، و(سجن الرؤوس الحامية) الذي تمرّد فيها علي الجعفري وراسم حلاوة وإسحق مراغة على (التغذية القسرية) لكسر إضرابهم حتى استشهادهم، و(سجن بئر السبع) الذي تسرح فيه روح ميسرة أبو حمدية الذي كابد شاباً السجن ثم المنفى ثم الحكم المؤبد، وفي سجن (نفي ترتسيا) للبنات الذي حفر على جدرانه أسماء أولى المناضلات اللاتي أنجبن جيلاً كاملاً من المناضلين. تتقاطع أخبار هؤلاء الذين لم يكونوا وحدهم، مع الأسير السابق الذي تصف محطات تجربته الطويلة مشيج تلك المشاعر المتصارعة بين ضيق الأسر بوحشيته، وسعة النفس الأبية رحب الأفق. فتأتي المحطة الأولى بعنوان (المواجهة الأولى تزرع بذرة وعي وطني)، تليها (التنكيل بوالدي يسرّع خيار النضال)، ثم (أنت لست إنساناً)، حتى تأتي محطة (من الزنزانة إلى الإقامة الجبرية) التي أسهب فيها الأسير بحديث عن الخيار بين الاعتراف أو الموت، وفنون التعذيب، ووعود المناضلين بالثأر... وغيرها الكثير، حتى ينتهي بمحطة (ليلة فرّ فيها الموت). أما عنه، وقد تزوج (سلوى) وأنجب (سجى) و(باسل)، فيسترجع أحداث الاعتقال الأول الذي تم في ليلة الخامس عشر من أغسطس عام 1976 ووالدته تحضّه على تناول العنب بينما لم يكن جائعاً حينها، وقد كان عائداً من الشام يمضي عطلته الجامعية بين أهله! فبعد أن تمدد في فراشه يطالع صفحات من رواية (البؤساء) وإذا بالطرق على باب الدار ينهال، وضوء الكشافات تملؤه، والجنود يتدافعون إلى داخله ويحشرون أفراد العائلة في زاوية، ويأمرونه بارتداء ملابسه في التو قبل أن يكبلّوا يديه إلى الوراء ويمضون به نحو المجهول. يتذكر حينها كلمات والديه معاً بعد أن ودعهما قائلاً «مع السلامة»: «الله معك، دير بالك ع حالك، خليك صامد».. وهي الكلمات التي جاءت بمثابة زاد منعه من الضعف والاستجداء، كما منعهما هما أيضاً، ككافة آباء فلسطين وأمهاتهم «وكأنهم قدّوا الصبر والبطولة من جبال البلد التي تملؤها حقول العطاء»، يجودون على الوطن بما لديهم بلا ثمن، وعلى الرغم من أحزانهم التي يكتمونها عند اعتقال فلذات أبنائهم أو استشهادهم، فإن أب المعتقل يجهر ويفخر بخيار ابنه البطل، أما أم الشهيد فتزغرد كما وأنها في حالة فرح. ومن السيرة التي جمعت بين نقيضي المعادلة: أسير أعزل إلا من عزيمة لا تلين، وجندي مدجج بسلاح وعنجهية ومنظومة حرب متكاملة، يقول الأسير السابق في خاتمة حديثه وهو يشيد بالجيل الجديد الذي تصدّر ميادين النضال وسجّل البطولات، وحيث إن الفئة العمرية للأسرى الجدد تغلّب عليها فئة الشباب من ذكور وإناث: «أن جيل جديد مبدع، هو ابن عصره، ومفعم بآمال وأحلام لا حدود لها، وتملؤه العزيمة والجسارة والروح النقدية العالية، وتحركه إرادة فتية فوارة، إنه الجيل الذي يمثل أمل الشعب الفلسطيني ومستقبله ونضاله الوطني الدفاعي التحرري الذي بمعزل عن تغيّر أشكاله وتبدل رايته، وتقلبات وتيرته، صعوداً وهبوطاً، لم ينقطع ولن ينقطع، بما يقتضيه من سجن، مصداقاً للنبوءة التي أطلقها القائد الوطني الكبير الشهيد عبد القادر الحسيني عشية النكبة: سيقاتل الشعب الفلسطيني، جيلاً بعد جيل، حتى تحرير فلسطين».

300

| 21 أغسطس 2025

النفس والحياة في كلمات الأدباء

رغم قصره غزير في حكمته! الكتاب الذي استعان المؤلف في مقدمته برجاء الفيلسوف أبو حيان التوحيدي التوفيق من الله، وهو يجمع بين دفتيه ما استعذب من نصوص قرأها لأصحابها من مفكرين وأدباء، والذين «عركتهم تجارب الحياة» بدورهم، فجادوا بما خبروا، وراموا به نفع البرية، وقد كان من خلود حكمتهم ما جاوز حدود المكان والزمان، فبقي محفوراً في وجدان من خَلَفهم، وذهب مأثور أقوالهم مضرب الأمثال. ومن هنا، اتخذ المؤلف لكتابه عنوان (معركة الحياة: رحلة البحث عن الذات)، راجياً أن يكون بمثابة منارة يستهدي بها قارئه، إن بدا طريقه وعراً طويلاً! فيظهر على أول الطريق الأديب لطفي المنفلوطي، وهو يرى «أن السعادة ينبوع يتفجّر من القلب، لا غيث يهطل من السماء»، ومتى ما كانت نفس المرء راضية كريمة وعفيفة، حمل سعادته في قلبه أينما حلّ، في قصر أو في كوخ، في جمع كان أو في عزلة. ثم يظهر المفكّر عباس العقاد والذي برر شغفه بالقراءة بقوله «لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة، ولكن لأن حياة واحدة لا تكفيني»، فالمرء تكفي معدته زاد، وجسده يكفيه حلّة، وهو لا يحلّ في مكانين مهما تنقّل، إلا أنه بحصاد الفكر والشعور والخيال يجمع أكثر من حياة في عمر واحد. يأتي بعده المفكّر أحمد الزيات الذي يدين لمذهبه في الحياة، سلامة صدره ولين جانبه، فقد ترك الخلق للخالق، لا ينتقد ولا يعارض ولا يجادل، فإن آب إليه من ضرّه تقبّله ولم يعاتبه، وهو يقول «وأي نفع ارتجيه من تعكير ما راق وإشعال ما خمد»، وقد أسقط الماضي من حاضره فور انقطاعه، واتخذ الإيثار وسيلة لإدخال السرور على قلب صاحبه لا لأن يتصدر به المجالس. أما الحب إذا سُأل عنه المفكر د. مصطفى محمود، فسيقول: «موجود ولكن نادر»، إنما هو «ثمرة توفيق إلهي وليس ثمرة اجتهاد شخصي»، والنفوس إن كانت عامرة بالخير والجمال، تنسجم وتتآلف وتتراحم بالفطرة، ثم تكمّل بعضها بعضاً.. في حين كان جلّ ما يخشاه الأديب الساخر توفيق الحكيم، تعدد الهدف وحيرة الإرادة، وهو يرى «أن المقصود من الهدف هو السير نحوه لا بلوغه»، وقد اعتبر (القدر) كائنا هائلا يسخر من أولئك الذين يظنون أنهم بلغوا أهدافهم، في حين لا يعترض طريق أولئك الذين يسيرون ويعملون. أما الروائي إحسان عبدالقدوس، فيعتقد أن البحث عن الراحة في مكان هادئ مدعاة لإرهاق أكبر للعقل وللأعصاب، ففي نظره «الراحة الحقيقية هي أن ترتاح من نفسك»، أي بأن يجد المرء ما يشغله عن نفسه في حياته، فإنما متاعبه ومشاكله وأشباحه تكمن في داخله، ومتى ما خلا بنفسه واجهته، ودبّ في عقله الضجيج، وأصابه التعب من جديد. غير أن الصحفي عبدالوهاب مطاوع يوصي هذا المرء بألا يسمم روحه فيكره من بغى عليه بلا ذنب، إذ ما عليه إلا أن يتجاهل وجوده ويدخّر اللحظة التي يطوف فيها بخياله «للتفكير فيمن تحبهم، لاستعادة وجوههم ورنين أصواتهم في مخيلتك». ثم يرى الشاعر محمد هيكل، بعد أن أتم دراسته وانخرط في الحياة، الكثير ممن ينجح فيها قد خالف المبادئ والقواعد والقوانين، غير أن أحدهم لا يلبث حتى يتعرض لمتاعب كثيرة يهدم بها حياته، لذا فهو يؤكد «أن التشبث بما نؤمن أنه الحق، والدفاع صادقاً، وسلوك سبيلنا في الحياة على هداه، ذلك هو الذي يرضي ضميرنا ويبعث الطمأنينة إلى نفوسنا». ومن بعده، توصي المفكرة د. هبة عزت ابنها، حفظ حقه في الرد وعدم تسليم عقله لأحد، لاسيما تجّار الدين والفكر والسلاح والسياسة، فإن حَفِظت الطاعة المبصرة الدنيا وأقامت الدين، فالعمياء منها تهدمها «والله وحده هو الأعلى والأعلم، فلا تتخذ أرباباً من دون الله» هكذا توصي ابنها. أما الكاتب المسرحي ممدوح عدوان، فيعتقد بحاجتنا إلى الجنون، ففي نظره «نحن أمة خالية من المجانين الحقيقيين، وهذا أكبر عيوبنا»، فبما أن العالم من حولنا مقيت وخانق ومرفوض، ومحاولة الجميع الظهور بمظهر العاقل يحيل الوضع إلى بلادة دائمة، فالجرأة على هكذا وضع في هكذا أمة يُعد جنوناً بالقطع، غير أنه كفيل بالإصلاح طالما أنه يكشف حقيقتنا الخائفة والخانعة. أما أديب المهجر جبران خليل جبران فقد اتخذ له من نفسه واعظا، تلك النفس التي علمته فن الإصغاء للأصوات التي لا تنطقها الألسنة، فشرع ينصت للسكينة ويستمع لأجواقها وهي «منشدة أغاني الدهور، مرتلة تسابيح الفضاء، معلنة أسرار الغيب»، بعد أن كان لا يعي سوى الضجة والصياح من حوله. غير أن الأديب إبراهيم نصرالله، يعلم بعلم الجنود عن سر حب المناضلين للحرية، وإن ارتقوا شهداء «فهم طيور الدنيا الجميلة»، لذا ترى أولئك الجنود متأهبين دائماً لاستهدافهم أينما كانوا، لا لكي يقتلوهم بل ليقتلوا الحرية الكامنة فيهم. ختاماً، وكما شبّه المؤلف رحلة الإنسان في البحث عن الذات في هذه الحياة بـ (معركة)، فمعارك الإنسان تتشابه قطعاً، وفي قصصه دائماً عبرة لأولي الألباب.

255

| 13 أغسطس 2025

الحكمة فارسية

وكأنه قول لقديس! .. كتاب وإن انحصر عنوانه بين (الأدب الصغير والأدب الكبير)، فهو يعبق بطيبات التراث العربي، ويزخر بلآلئ الحكمة وبحكيمها الذي صاغ بيانه في أجزل عبارة، وأنطق حكمته عبر تصاريف ما خبر من حياة قصيرة عاشها. أما الحكمة فنعماً هي، وأما الحكيم فهو (أبو محمد عبد الله بن المقفع 106-142هـ / 724-759م)، فارسي وُلِد مجوسياً ثم اعتنق الإسلام، وعاصر الخلافتين الأموية والعباسية، وقد قُتل شر قتلة على يد أعوان والي البصرة (سفيان بن معاوية بن يزيد) فترة حكم الخليفة العباسي المنصور، والذي كان يتوعّده لخلاف شديد كان قائما بينهما، لم يتورع فيه ابن المقفع من كيل ضروب السخرية اللاذعة في حقه، والتقليل من شأنه أمام العامة! لكن، ما أصل تصنيف الأدب بين صغير وكبير؟ فيما يُنسب إلى ابن المقفع نفسه، فإن كل ما من شأنه تهذيب النفس والارتقاء أخلاقياً على مستوى الذات، يندرج تحت (الأدب الصغير)، بينما يتسع (الأدب الكبير) فكراً وعمقاً ومعرفة ليشمل الحياة ككل. بعبارة أكثر بلاغة: (الأدب الصغير أدب عملي إرشادي، والأدب الكبير أدب تأملي فكري فلسفي). لذا، يظهر ابن المقفع في (الأدب الصغير) موجهاً، يفرّق بين الخطأ والصواب ويدعو لمحاسبة النفس بما لها وما عليها، لا سيما وهو يرى أن العاقل هو من يحصي مساوئه، مشدداً على عدم استصغار أي قدر من الخطأ، ويوصي أيضاً بالنفس، بتهذيبها وتعليمها وتلقينها قبل الغير، وبالأخذ عن الحكماء، وبتعاطي الأدب كسبيل لتنمية العقل، وهو يعتبر أنه لا مال أغلى من العقل، وأن آفته العُجب وحسب، بل وقد عدّ العاقل هو ذلك الذي لا يفرح بالمال الكثير. يرى أن الكذب هو رأس الذنوب، ويوصي بمداومة ذكر الموت فهو عصمة، وبأن الدنيا ليست سوى زخرف فلا ينبغي الركون لها ولا الاغترار بها، وهو حين يفرّق بين الدين والرأي من جهة، يؤكد على أن الرأي والهوى بطبيعتهما متعاديان، محذراً من الاعتداد بالرأي والاستخفاف بالغير، ومن خصومة الأهل والأصدقاء، وهو يفرّق في المودة بين الأخيار بعضهم ببعض، والأشرار فيما بينهم كذلك....، والكثير من صيغ التوجيهات الأخلاقية وفضائلها ورذائلها بين جنبات (الأدب الصغير). فعن حكمة طلب العلم، بين تلقي المعرفة وتحصيل الفطنة، كحق للمرء على نفسه، فيقول فيهما ابن المقفع: «حبب إلى نفسك العلم حتى تألفه وتلزمه، ويكون هو لهواك ولذتك وسلوتك وبُلغتك. واعلم أن العلم علمان: علم للمنافع وعلم لتذكية العقول. وأفشى العلمين وأحراهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يُحَض عليه، علم المنافع. وللعلم الذي هو ذكاء العقول وصِقالها وجلاؤها، فضيلة منزلة عند أهل الفضيلة والألباب». أما عن حق المرء على الآخرين، وعن حكمة التعامل مع من هم أعلى ومن هم أدنى، فيقول: «وقر من فوقك، وَلِنْ لمن دونك، وأحسن مؤاتاة أكفائك، وليكن آثر ذلك عندك مؤاتاة الإخوان، فإن ذلك هو الذي يشهد لك بأن إجلالك من فوقك ليس بخضوع منك لهم، وأن لينك لمن دونك ليس لالتماس خدمتهم». أما (الأدب الكبير) الذي جاءت وصاياه أقل في القدر من (الأدب الصغير)، فقد قسّمه الأديب الفارسي إلى قسمين رئيسيين: (في السلطان) و (في الأصدقاء)، فيوصي الملك ابتداءً بالاستعاذة بالعلماء طالما قد وقع عليه البلاء بالسلطان، محذراً من حب المدح ومن فرط الغضب ومن سفاسف الأمور يهتم بها فيضيّع عظيمها، منبهاً على أن ليس للملك أن يكذب أو أن يسيئ الظن. ثم يعرج على كل من صاحب سلطان يوصيه بدوره، فيحذَر سخطه ويتجنب المسخوط عليه، ويحفظ لسانه فلا يتكلم إلا حين يُسئل، لكن، عليه أن يتقن واجب النصح للسلطان! يقول عن حكمة الترفّع عن قبول المدح الذي يصبح المتقبّل له كمادح نفسه، موجهاً نصحه إلى كل من تقلّد منصب السلطان: «وإياك إذا كنت والياً، أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية، وأن يعرف الناس ذلك منك، فتكون ثُلمة من الثُّلم، يتقحَّمون عليك منها، وبابًا يفتتحونك منه، وغيبة يغتابونك بها، ويضحكون منك لها. واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه، والمرء جدير أن يكون حبه المدح، هو الذي يحمله على ردّه. فإن الراد له محمود والقابل له معيب». وبعد أن يفرغ من (السلطان) وينتقل إلى (الصديق)، يذكّر بحقه، وبعدم التطاول عليه، وبعدم نسب كلامه إلى نفسه، وبالجود معه، وبنبذ الحسد، وبالزهد بما في يديه، والحذر من التصنّع أمامه، وبحسن مجالسته والاستماع إليه، والنطق بالحسن من القول أمامه، والاستكثار من الصمت الذي يستجلب المودة.. وهو قبل هذا ينبّه على حسن اختياره وشروط الصحبة ككل، والتي من خلالها يحذّر من الأعداء، ومن خُلق العداوة والبغضاء. فيقول في حكمة التحفّظ في المخالطة والمحادثة، وهو يتوجه في نصحه إلى الصديق تجاه صديقه: «تحفّظ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطب نفساً عن كثير مما يعرض لك فيه صواب القول والرأي، مداراة، لئلا يظن أصحابك أن دأبك التطاول عليهم».

492

| 07 أغسطس 2025

الحداثة ومستقبل الذات الإنسانية

هل نهضة الحضارة الإنسانية نعمة كلها، أم أنها تخفي أفق مستقبل قاتم سيخلّف وبالاً على الإنسانية نفسها؟ فحينما يمتلك الإنسان الكثير ويستخدم الكثير يكون قد أضاع كينونته التي تناسى في خضم الماديات، كونها مركز نشاطه الإنساني الرئيس.. أو بمعنى آخر، أصبح ذا «كينونة ضئيلة». هكذا يعتقد المؤلف، الفيلسوف وعالم النفس الألماني-الأمريكي (إيريك فروم 1900-1980). فالإنسان في نظره، وإذ هو يصنع المنتجات العصرية، يتحول بمرور الوقت إلى مجرد شيء خاضع لسيطرتها، ومع أنه (مجرد شيء)، فقد بات متضخم الأنا جرّاء توحّده مع تلك الأدوات وتلك المؤسسات، وتماهيه مع طوفان منتوجاتها الاستهلاكية!. إنها بالقطع علاقة عكسية التي اقتبس في شأنها (إيريك فروم) من فكر الفيلسوف الاشتراكي الألماني (كارل ماركس) وعالم الاجتماع الألماني الماركسي (فريدريك إنجلز) ما معناه: «بقدر ما تكون قليل الشأن بقدر ما يقل تعبيرك عن حياتك، وبقدر ما تكبر ملكيتك بقدر ما يزداد تغرّب حياتك، وكلما تعاظم رصيدك من كينونتك المتغربة».. غير أنه يؤكد أن «كينونتنا مهمة أكثر من ملكيتنا أو أكثر مما نستخدم». إن تلك الحالة -على حد وصفه- تجسّد (الصنمية العالمية الجديدة) وقد بدأت مع القرن التاسع عشر واستمرت حتى القرن العشرين بكثافة وسرعة متزايدة، والتي لا تدعو لعبادة إله جديد، بل تسفر عن موقف إنساني يضفي الطابع المادي على كل ما هو حي، يتقدمها الإنسان كذات أو ككينونة أو ككائن حي! لذا، يقسّم الفيلسوف كتابه (كينونة الإنسان) إلى ثلاثة أجزاء رئيسية: (1-البديل الإنساني. 2-مبادرات واعترافات إنسانية. 3-إيكهارت وماركس حول الكينونة والتملك)، يتشعب من خلالها إلى العديد من المواضيع ذات الصلة، مثل: مستقبل الإنسان المعاصر، الاغتراب كعرض مرضي له، اللامبالاة كتمظهر جديد له، تفكك الأنظمة الاجتماعية، النضال ضد الصنمية، الملكية مقابل الكينونة، الدين والتصوف ومفهوم الإله. ففي موضوع (ما لا أحبه في المجتمع المعاصر)، يفضح الفيلسوف ذلك الإنسان الساعي نحو الإثارة بدلاً من السعادة، المتطلّع دوماً إلى التملّك أكثر من الرغبة في النمو والازدهار، والمتحرّق للإشباع الفوري وتلبية الحاجات بسعار يفوق الصبر على التعلم، فيقول: «أولاً، أود أن أعبر عن كرهي لحقيقة أن كل شيء وكل شخص تقريباً للبيع. ليس فقط السلع والخدمات بل الأفكار، الفن، الكتب، الأشخاص، القناعات، الشعور، الابتسامة.. كلها تحولت إلى سلع. وكذلك الإنسان كله، بكل جوارحه وإمكانياته. يترتب على ذلك أن قلة قليلة من الناس يمكن الوثوق بها. لا يقتضي هذا بالضرورة أني أقصد عدم النزاهة في العمل أو الاستخفاف بالعلاقات الشخصية، بل أقصد شيئاً أعمق. عندما يكون الإنسان للبيع، كيف تثق أنه سيكون غداً هو نفسه الذي تعرفه اليوم؟ كيف أعرف من هو، أو لمن سأمنح ثقتي؟ كيف أثق أنه لن يقتلني أو يسلبني؟ هذا، في حقيقة الأمر، تجديد للطمأنة، لكنه ليس موضع ثقة كبيرة». يقوده هذا للاعتقاد بأن قلة قليلة من الناس تمتلك قناعات.. القناعات التي تمثّل آراء متجذرة في طبيعة كل شخص تشكّل إجمالاً شخصيته المتكاملة، والتي بدورها تحفّز على العمل! ومن هنا، لا يجد الجيل الجديد -رغم نزاهته في نظره- سوى مفتقر لجوهر حقيقي، قد نزع إلى امتلاك طباع تشكّلت بفعل الأنماط التقليدية السائدة من أجل التكيّف والاستمرار! يوضّح رأيه هذا وهو يؤكد على أن «أحد الأشياء الممتعة في العالم المعاصر هو نزاهة جزء كبير من الجيل الشاب»، قائلاً: «انهم يعيشون عاطفياً ويتكلمون فكرياً من الفم إلى اليد. يشبعون حاجاتهم فوراً، وهم قليلو الصبر على التعلم، ولا يستطيعون احتمال الإحباط ببساطة، وليس لديهم أية نقطة مركزية في ذاتهم، ولا إحساس بالهوية. إنهم يعانون من هذا ويرتابون في أنفسهم، في هويتهم، وفي معنى الحياة. لقد صنع بعض علماء النفس فضيلة من هذا الافتقاد للهوية. يقولون إن هؤلاء الشباب لديهم (طبعاً متقلباً)، يسعون إلى كل شيء، ولا يرتبطون بأي شيء. لكن هذه مجرد طريقة شعرية في الحديث عن افتقاد الذات التي تحدث عنها سكينر، وأقصد (الهندسة البشرية) التي وفقاً لها يكون الإنسان ما هو مخطط أن يكونه». علاوة على هذا، يعبّر عن كرهه لحالة الضجر العام السائدة وانعدام شعور السعادة! فبينما يبدو الناس في نظره غير مهتمين بما يعملون، يظهر النظام الاقتصادي بدوره غير مهتم بعدم اهتمامهم ذاك، فيعقد الأمل على إيجاد طرق للاستمتاع والترفيه وقطع الرتابة بشكل أكبر مما كان متاحاً للجيل القديم، كحافز وحيد وضروري للإقبال على العمل، وكتعويض عن أي ضجر ملازم. لكنه من جديد، يعقد علاقة نفسية متضاربة بين هذين المتغيرين، فيقول: «إن وقت فراغهم ووقت تسليتهم من جهة أخرى، يبعث على الضجر. وبقدر ما يدار وقت فراغهم من قبل صناعة التسلية تدير المنشآت الصناعية وقت عملهم. فالبشر يبحثون عن المتعة والإثارة أكثر مما يبحثون عن البهجة، يبحثون عن السلطة والملكية بدلاً من البحث عن النمو، يريدون أن يملكوا الكثير ويستخدموا الكثير.. بدلاً من أن يكونوا هم الكثير».

792

| 31 يوليو 2025

قبعات التفكير.. اللون والنمط

يبدو أن المرونة في التفكير، تخدم عملية الطرح الموضوعي للبدائل والاقتراحات والرؤى والأفكار المتعلقة بموضوع ما، محل نقاش، والذي يترتب عليه بطبيعة الحال اتخاذ أكثر القرارات صواباً فيه، وهو الطرح الذي يعمد إلى استعراض الجوانب الإيجابية والسلبية منه، إضافة إلى حصيلة المشاعر والانطباعات الشخصية، فضلاً عن عناصر الحيادية والإبداع والتفكير خارج الصندوق، وكل ذلك تحت إدارة محكمة لمعترك هذه البوتقة من أنماط التفكير المتباينة، أو بالأحرى من خلال اعتمار قبعة ذات لون محدد تشير برمزية نحو كل نمط بعينه من التفكير، بما له وما عليه.. وهذا بالضبط ما يشير إليه الكتاب في عنوانه (قبعات التفكير الست). يصمم مفهوم (التفكير الجانبي) كوسيلة احترافية للإبداع (د. إدوارد دي بونو 1933 : 2021)، وهو طبيب وعالم نفس مالطي، تقلّد مناصب عدة في جامعات عالمية مرموقة مثل (أكسفورد) و(هارفارد)، وأصدر أكثر من خمسين كتاباً في هذا المجال، إضافة إلى إدارة برامج التدريس المباشر للتفكير في عدد من المدارس حول العالم، وكذلك تصميم أدوات مرنة لعملية التفكير وتطبيقاتها العملية في مؤسسات عالمية كبرى. وهو إذ يعتبر عملية التفكير أقصى مورد من موارد الإنسانية، فهو يسعى نحو تحسين مهارات الإنسان بدلاً من مجرد الاطمئنان للمستوى الجيد الذي هو عليه في الحاضر، لا سيما وأن هذه الطمأنينة في نظره، تنم عن مستوى متدنٍ من التفكير، يهدف من خلاله الإنسان إلى إثبات أنه على حق كيفما اتفق، ومن ثم إرضاء غروره الشخصي وحسب! بيد إن هذا الرضا الذاتي بحاجة إلى أن يواجه الارتباك الذي يصدر عن الصعوبات المرتبطة بعملية التفكير ذاتها، أو بالأحرى الارتباك الناجم عادة عن محاولة إنجاز عدد من الأعمال في وقت واحد، حيث تتزاحم بالداخل قوى المنطق وانفعالات العاطفة، وتعترك معاً مخيلة الإبداع وهاجس الترقب وبواعث الأمل.. فيأتي مفهوم «قبعات التفكير الست» ليفصل بينها جميعاً، من خلال الحثّ على اعتمار قبعة واحدة فقط في موقف محدد، أو حسب تعبير د. بونو: «إن قبعات التفكير الست على المستوى الفردي سوف تسمح لنا بأن نقود تفكيرنا كما يقود المايسترو الأوركسترا فنستدعي منه -من الآن فصاعداً- ما نريد». فما هو هذا الترميز اللوني؟ بما أن د. بونو يزاوج بين هذه الألوان الست في ثلاثة، فيعتبر أن (الأبيض والأحمر) رمز عن الحياد والعاطفة، و (الأسود والأصفر) رمز عن السلبي والإيجابي، و (الأخضر والأزرق) رمز عن الإبداع والنظام، فهو يعرضها حسب هذا المفهوم بقوله: «القبعة البيضاء: اللون الأبيض يعتبر محايداً وموضوعياً، لذا كانت تلك القبعة معنية بالحقائق الموضوعية والأشكال والرسومات التوضيحية. ‎القبعة الحمراء: اللون الأحمر يوحي بالغضب، بالغيظ، بالأحاسيس المتأججة؛ لذا فإن دور هذه القبعة هو إعطاء وجهة النظر العاطفية غير المبررة. ‎القبعة السوداء: الأسود هو لون مظلم سلبي؛ لذا فالقبعة السوداء ستغطي النواحي السلبية. ‎القبعة الصفراء: إن الأصفر هو لون مشمس وإيجابي؛ لذا فالقبعة الصفراء قبعة متفائلة ويغطي دورها الآمال والتفكير في الإيجابيات. ‎القبعة الخضراء: الأخضر هو لون الزرع والنمو المثمر الوفير والتكاثر الخضري؛ لذا فتلك القبعة تشير إلى الإبداع والأفكار الجديدة. ‎القبعة الزرقاء: اللون الأزرق هو لون بارد وهو لون السماء التي تعلو على أي شيء آخر؛ لذا فالقبعة الزرقاء معنية بالسيطرة والتنظيم لعمليات التفكير، وعملية استخدام القبعات الأخرى، فلا يطغى دور إحداها على الأخرى». وفي الحديث عن كل قبعة بلونها الخاص، فقد تطرّق د. بونو في (القبعة البيضاء) عن ترشيد عملية طلب المعلومات، وحدد المسافة بين الرأي والاعتقاد، وفرّق بين الصدق والحقيقة، في حين انتقل إلى مرحلة إعداد خريطة التفكير الشاملة في (القبعة الحمراء) التي تقود بطبيعة الحال إلى مرحلة اتخاذ القرار، محدداً موقع (الحدس) تحت حيّز هذه القبعة، وموضحاً مدى إمكانية تغيير العواطف عن طريق نمط التفكير المنوط بها! أما في (القبعة السوداء)، فقد فرّق في عملية التفكير بين طريقة التفكير وموضوعه، وقد ربط بين هذه القبعة وعملية النقد، مشيراً إلى عملية البحث عن السلبيات المنطقية، ومحذراً من الانغماس في رؤية السلبيات، بينما أدرج نمط التفكير البنّاء تحت (القبعة الصفراء)، وحرص على التفريق بين البناء والإبداع أثناء اعتمارها. أما في (القبعة الخضراء)، فقد تطرّق إلى عملية التفكير الجانبي، من باب الحاجة إلى الإثارة الذهنية وتحفيز عملية التفكير الخلّاق، وقد خصّ (القبعة الزرقاء) كـ (مايسترو) منظومة التفكير هذه، من ناحية تصميم برنامج التفكير المناسب، واستمرارية مهام التركيز والسيطرة والمتابعة. ويؤكد د. بونو في نهاية كتابه، بأن الغرض من مفهوم «قبعات التفكير الست» يتحدد في اثنين، الأول: تبسيط عملية التفكير، وذلك من خلال تمكين كل فرد من التعامل مع مختلف أنماط التفكير بطريقة منفردة وفي وقت محدد، دون الخلط فيما بينها. الثاني: المرونة في عملية التفكير، وذلك من خلال تمكين كل فرد استدعاء أنماط مختلفة من التفكير بدلاً من التمسك بنمط واحد بعينه.

816

| 24 يوليو 2025

سيرة كتب في سيرة كاتب

إنه كاتب برتبة قارئ، قارئ من قبل ومن بعد، لم تعتقه القراءة من أسرها يوماً واحداً في حياته، غير أنها لا تنفك تتغاير على هوى الواقع ومدارك الوعي وتغير المزاج، لا محالة! فيروي في كتابه (مسرات القراءة ومخاض الكتابة) تفاصيل تجر تفاصيل عن رحلته التي لا تزال تمضي على طريق الكتابة بمعية القراءة. الكتابة التي تعلّمها بالكتابة، لا على مقاعد دراسية، ولا في ورش كتابة إبداعية، ولا من خلال منشورات تعلّم (الكتابة في سبعة أيام) على غرار التوصيات الدعائية مفرطة السذاجة. إنما الكتابة في نظره منظومة متكاملة من معايير، تجمع بين استعداد فطري، وذهن حاضر، وشخصية صبورة، وقراءة نوعية دؤوبة، وتمارين كتابة شاقة مؤبدة، وتضحيات غير مأسوف عليها من متع الحياة المادية! وبينما يعتقد الكاتب بإمكانية موازاة سعة القراءة لسعة الكتابة في أنماطها ومختلف مجالاتها، لا يضمن بلوغه مبلغاً من العلم يجعله لا يقر بمدى عمق مجاهله التي تبلبل مغاليقها أسئلة تتوالد مع تنامي معارفه. أسئلة يحرض عليها تفكير خلاق وعقلية جدلية وقراءة جادة لا تسلم له بما اكتسب، بل تثير فيه بواعث الشك والريبة والحيرة، وتغربل ما اعتنق من حقائق، وتزحزح ما آمن به من مسلمات، وتدفعه نحو إعادة النظر فيها من جديد بعين رقيب وفكر ناقد، على الدوام. لا عجب بعد هذا أن يصنف الكاتب كتابه كـ (فصل من سيرة كاتب)، كما جاء في عنوانه الفرعي، وبوصفه أثمن ما عاشه في حياته، كما عبر في مقدمته. أما عنه، فهو (د. عبدالجبار الرفاعي 1954) مفكر عراقي وأستاذ جامعي، حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، واختص في علم الكلام وفلسفة الدين، ثم عمل على إصدار عدد من المؤلفات تصب في مجال تجديد الخطاب الديني، ونال العديد من الجوائز المحلية والعربية والعالمية. ففي نظره، يكتسب القارئ خبرة ما بعد تجواله في عالم الكتب، فلا ينتقي منها إلا ما يعزز بناء المعرفة الذي شيّده لنفسه، وبيقظة ودراية، ولا تعود تلك ذات العناوين الطنانة، تجذبه بإغواء رخيص وهي خاوية من أي نفع حقيقي! يقول في موضوع (القراءة العشوائية): «ما يخدع القراء من الكتب ويزيف وعيهم ليس قليلاً، مثل هذه الكتب ينبغي الفرار من شراكها. لا يعكس تعدد عناوين الكتب واختلافها تنوع مضمونها. يكون التعدد أحياناً تكراراً مملاً لكلمات خاوية، لا تجيد ‎رسم صورة ما تنشده بلغة صافية؛ فقلما نقرأ من يمتلك موهبة إعادة بناء الكلمات ورصفها بتشكيلة معمارية فاتنة. تسود مجتمعنا حالة شعف بالكلام، وطالما تحول الكلام إلى ركام كتب مبتذلة لا تقول شيئاً مفيداً، يضيع فيها عمر القراء ويزيف وعيهم». وفي موضوع (كلما احترقت مكتبة انطفأ شيء من نور العالم) وبعد أن يعرض تجربته الشخصية في ضياع مكتبته، لا لمرة واحدة، بل لمرات كان إحداها بفعل حريق متعمد له أسبابه القاهرة، يتعرض الكاتب من ناحية أخرى للتراث العربي الذي شهد على مدى العصور، مجازر وإتلاف وإغراق وحرائق انتقامية أودت بكنوز من كتب قد لا تقدر بثمن! فمن هولاكو وماكينة التدمير التي أودت بحياة مكتبات بغداد النفيسة، وحرائق مكتبات الأندلس إثر سقوط آخر معاقلها في غرناطة، إلى آليات التدمير الأخرى التي اعتمدتها الفرق الإسلامية في تكالبها على بعضها البعض، وتعمّد الفئة الناجية طمس مآثر الفئة الضالة، حسب رواية المنتصرين! فيقول: «متعة الظفر بكتاب ممنوع بعد سنوات من البحث عنه لا يعرفها إلا هواة الكتب. في زمن غياب المنع ووفرة الكتب الورقية والإلكترونية، يخسر القارئ هذا النوع من الشوق الغريب للممنوع ولا يبتهج بمتعة الظفر بكتاب بعد سنوات مديدة من البحث عنه». ثم يضيف ملح على جرح القارئ التقليدي الذي لم ينفك يرقب الكتاب الورقي وقد احتوشه الكتاب الإلكتروني إثر الطفرة الرقمية التي باتت تبرمج شؤون الحياة بضغطة زر، والكاتب يتحدث في موضوع (الكتابة في عصر الإنترنت) من منطق واقع أشد قساوة من منطق القارئ الرومانسي! فيقول: «لا شيء يحمينا من زحف الكتابة والكتاب الإلكتروني، وليس باستطاعتنا إيقاف شلال الإنترنيت الكاسح الذي يتسلط على كل شيء في حياتنا. في منازل الكتاب، غالباً تتبعثر الكتب بشكل فوضوي في غرف وباحات بيوتهم، المولعون بالورق كأنهم يستمعون إلى سمفونية تفيض على مشاعرهم رقة وهدوءاً. للكتاب بوصفه كائناً نعيش معه إيحاء مهدئ ‎لا يتحسسه إلا أولئك المغرمون بالورق يتعاطون معه كأنه صديق حميم، يبدد وحشة عزلتهم، ويخفّض شيئاً من اكتئابهم، ورفيق عاطفة يبوح لهم بما لا يبوحه أقرب الخلان، ومصباح يضيء عقولهم بما لا يرونه بأي ضوء غيره، ومحطة استراحة تبدد شعورهم بالقرف والملل وتكسر نمطية حياتهم ورتابة التكرار فيها لحظة ينخرطون في حوار مع الكتاب، يحدثهم فيحدثونه، يصغون إليه فيصغي إليهم، يناقشونه فيناقشهم، يشاكسونه فلا يمتعض منهم. يبقى على الدوام يهبهم ما يتوقعونه وما لا يتوقعونه منه بلا أي ثمن».

276

| 18 يوليو 2025

(حرائر سوريا ونظام الأسد)

في عصر ما قبل سقراط، قال الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس قولاً ما معناه: «لا يعبر الإنسان نفس النهر مرتين أبداً»، أما (ناجيات) هذا الكتاب السبع، فقد تقدمهن في صفحته الأولى قول: «ربما ستنجو.. لكنك لن تعود كما كنت»، وقد يكفي عنوان الكتاب الفرعي للتدليل على صدق المعنى في القولين، والذي جاء بـ: (شهادات حقيقية لناجيات سوريات من معتقلات نظام الأسد)! يتضمن هذا الكتاب شهادات حية لسبع معتقلات سوريات نجين من سجون الأسد وبطش جلاديه، بعد أن عشن في أقبيته الظلامية تجربة وحشية إثر اندلاع الثورة السورية عام 2011، تجسّد معاني القهر والظلم والألم واغتصاب الروح قبل الجسد! إنها حكاياتهن التي تم توثيقها من خلال مقابلات مسجلّة أجراها معهن فريق مختص، وقام فيما بعد بتفريغها وإعادة صياغتها في قالب قصصي موحد، وافقن على نشرها كما هي بعد أن عُرضت عليهن! ولأغراض الحفاظ على سرية هوياتهن وسلامتهن وسلامة ذويهن، فقد طال بعض التفاصيل شيء من التغيير، مع الحفاظ على صحة المعلومات الأساسية، كأماكن الاعتقال وفتراتها وأساليب التعذيب وأسماء المحققين ومناطقهم وانتماءاتهم، حتى تبقى صفحات هذا الكتاب بمثابة شهادة حقيقية على تجارب الاعتقال وجرائم نظام الأسد! على إثرها، تنتقل تلك الحرائر إلى تركيا، ويؤسسن عام 2019 (منظمة ناجيات سوريات)، تضم إليهن مجموعة أخرى تعرضن لتجربة اعتقال أو اختفاء قسري على خلفية رأي أو نشاط سياسي، وكذلك المناصرات لهن! ولأنهن يؤمن بالقيم التي قامت عليها الثورة السورية من عدالة وحرية وديمقراطية، فإن منظمتهن تسعى إلى «كشف الحقيقة وتحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات»، وإلى المساهمة في طي قضية الاعتقال في سوريا ومنعها من التكرار، كما تعمل على تمكين النساء الناجيات حقوقياً وسياسياً واقتصادياً، وإلى رفع الوعي المطلوب في عملية التوثيق، كما في هذا الكتاب. تقول الناجية الأولى في قصتها (إنسان مع وقف التنفيذ) والتي تمنت لو استسلمت لليأس منذ ليلتها الأولى في السجن، وقد افتقدت معنى الدفء من حينها بعد حادثة الاغتصاب التي تعرّضت لها، عندما اختارها المحقق وهي مسنة دوناً عن بقية السجينات الأصغر سناً، ولم تسعفها فيما بعد معاطف كل السجينات اللاتي هرعن لتدفئة جسدها المرتجف: «أما كل ذلك الكلام عن ضرورة التمسك بالأمل للنجاة فهراء محض.. اليأس هناك هو ما ينجي، فهو الذي يعينك على اللامبالاة الضرورية لتمضي الأيام كما هي! لا غد منتظر يطيل دقائقها، ولا آمال عريضة تثقل خيبات الأيام على النفوس». تقول الناجية الثانية في قصتها (يا حرية) والتي عثرت على مسمار في ظلمة زنزانتها المنفردة، وقد اعتبرته بمثابة هدية تُنهي به عذابها، فتُدفن ومعها كل ما شهدت عليه: «استجمعت كل ما لديَّ من رباطة جأش لأختار أفضل طريقة أستخدمه بها بأقل قدر من الألم! فكرت وفكرت.. أطبقت يدي على المسمار بقوة لا أعلم منبعها تاركة نصله مكشوفاً، ثم غرزته بالجدار.. وخططت به «يا حرية»». تقول الناجية الرابعة في قصتها (أنا مو بنان) والتي حلمت بالعودة يقيناً مرتدية بيجامتها التي لا تزال جدتها ترتبها في منزلها كل أسبوع ترقباً لمقدمها: «سأعود لا شك، وستزول تلك المنظومة الهشة التي يحاول النظام بها تشكيل المجتمع بشكل طائفي.. سأعود وسيكون السوري سورياً قبل كل شيء، ولن يكون هناك من يولدون ضباطاً وعناصر أمن، ومن يولدون مغتربين.. سأعود ‎لأشهد رفع علم الثورة في جبلة واللاذقية وطرطوس وسوريا كلها! سأعود.. وسيزول النظام.. وستبقى سوريا». تقول الناجية السادسة في قصتها (قارئة الفنجان) والتي بدورها تناوب خمسة ضباط على اغتصابها وعلى شتم الذات الإلهية معاً، لا سيما ذلك الذي لم يخف أصله العراقي في لهجته الشامية، حين ردت على بذاءة شتائمه الطائفية بفخر الانتساب والاتصاف بـ «بنات عائشة»، والذي توعدها بأن يجعلها تكره النظر لوجهها في المرآة: «‎كنت أبكي نفسي ومصيري بأنين مكتوم، فقد أدركت أني في فرع أمني يرتدي سجانوه لباس الأطباء والممرضين، الذين تعاملوا معي بلؤم شديد على الرغم من معرفتهم بما حدث لي، وبدا أنهم يعتقدون أن أمراً كهذا عقوبة عادية وطبيعية بحقنا نحن أبناء الثورة، بل إن ممرضة هناك قالتها لي صراحة بأنها تتمنى لو يسمح لها فتقتلني بدل أن تقوم بعلاجي». تقول الناجية السابعة في قصتها (حرة) والتي كانت تناضل بصوتها في سبيل الحق وعلى منصة وفوق جموع المتظاهرين، وقد اقتيدت وطفلها لفرع الأمن العسكري بجريرة زوجها الذي كان ملتحقاً بصفوف جماعة الإخوان المسلمين: «ناديت على السجان أخبره بحاجة ابني، وسمح لي بإخراجه إلى الحمامات، وعند عودتنا انتبهت له معتقلات من زنزانة أخرى كان بابها مفتوحاً، فهرعن إليه يقبلنه ويحتضنه، وعرفت أنهن إنما يقبلن فيه أبناءهن الذين خلّفنهم، بل يقبّلن فيه الحياة نفسها». في كلمة: هنا تجسّد الشيطان على هيئة جلّاد سلّطه نظام الأسد البائد على حرائر سوريا وحدهن.. حيث وحشية الانتهاك الآدمي في أحط مستويات الفحش، لا تخطر على قلب إبليس!

336

| 04 يوليو 2025

(المقاومة بسلاح الكلمة)

في هذه المادة الخام من التحدي والصمود والتضحية، وبعزيمة الإرادة التي لا تنكسر، وبأس الروح التي لا تُقهر، تبرز أقلام واعدة من فلسطين، لكتّاب وكاتبات قد تجاوزوا بالكاد العشرين من أعمارهم، وجاءت قصصهم القصيرة، المستلهمة والواقعية، التي وثّقوها بين عامي 2008 و2009، بمثابة شهادة تاريخية عن الخط الفاصل بين الحياة والموت، وهم يرزحون تحت نير العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة فيما عُرف باسم «عملية الرصاص المصبوب»، وهم بالتحديد الطليعة التي طالبت الكاتبة والناشطة الحقوقية الفلسطينية-الأمريكية (سوزان أبو الهوى) باحتوائهم، وقراءة إصداراتهم، ومن ثم العمل على نشرها، أو كما اعتبرتهم الصحفية الإنجليزية (فيكتوريا بريتن) حسب تعبيرها: «إن هذا الجيل يكتب كشكل من أشكال المقاومة»، في الوقت الذي حثّت فيه الكاتبة اليهودية (ميشيل كوهين) على ضرورة الاعتناء بما يكتبون بغية نشر الوعي بين الجميع، حيث قالت: «يجب أن تكون قراءة هذه القصص القصيرة عن غزة إلزامية للجميع، لأنها تخلق الوعي، والوعي يؤدي إلى الفهم، والفهم يؤدي إلى التغيير». لذا، لا شك من أن هذه المجموعة التي جاءت في نسختها الأصلية باللغة الإنجليزية (Gaza Writes Back: Short Stories from Young Writers in Gaza, Palestine) تعبّر بصدق عما يعتمل في عقول وقلوب نمت في أجساد غضة لم تزل أسيرة احتلال غاشم حفر ندوبه بعمق في جوانبها، لكنها خلاف ما اعتقد.. فهي عقول تعي فتكتب، وقلوب تغضب ولا ترضخ، فيراها تفجّر من قاع اليأس طوفان الأمل بحياة قادمة مفعمة بالعدل والحرية. يتصدر مجموعة (غزة ترد بالكتابة) إهداء موجّه «إلى فلسطين.. إلى غزة»، يجسّد عزيمة الروح الأبية التي تقرر الحياة، يأتي نصها كما يلي: «رغم أحكام الإعدام الإسرائيلية.. كالرصاص المصبوب على الرأس.. ينخر في حياتنا.. متشبثاً بها كالبرغوث على هريرة.. ومحشوراً في حناجرنا.. في اللحظة التي نقول فيها «آمين».. على صلوات النساء العجائز والرجال المسنين.. يعترضون طريقهم إلى الله.. فإننا نحلم ونصلي.. متشبثين بالحياة حتى بقوة أكبر.. في كل مرة تُقتلع فيها حياة شخص عزيز بالقوة.. فإننا نعيش.. نحن نعيش.. نحن نفعل». أما محرّر المجموعة، فيقول في مقدمته: «إن الكتّاب الفلسطينيين، وخاصة الشباب منهم، يجسدون قصصهم على هيئة سرديات، في محاولة لفهم السياق العبثي المحيط بهم، وفي بحثهم عن أرضهم فلسطين. فلسطين، وإن كانت تُجسد أحياناً مجازياً، إلا أنها يمكن أن تكون حقيقة جميلة! فلسطين على بُعد شهيد، أو دمعة، أو قذيفة، أو أنين.. فلسطين على بُعد قصة». إنه (رفعت العرعير 1979: 2023) كاتب وشاعر وأكاديمي وناشط فلسطيني، حصل على بكالوريوس اللغة الإنجليزية من الجامعة الإسلامية في غزة عام 2001، ودرجة الماجستير من كلية لندن عام 2007، ودرجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من جامعة بوترا في ماليزيا عام 2017. وبالإضافة إلى عمله الجامعي وإصداراته الأدبية، فقد شارك في تأسيس منظمة (لسنا أرقاماً)، التي حرصت على طرح معاناة أهل غزة لا سيما من خلال الكتّاب الجدد وإصداراتهم التي تعكس واقعهم تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، كإحدى وسائل المقاومة للشعب الفلسطيني.. وهو الذي استشهد مع عدد من أفراد عائلته في غارة جوية إسرائيلية استهدفت شمال قطاع غزة في ديسمبر 2023، أو كما تشير بعض التقديرات باستهدافه شخصياً، إثر تهديدات تلقاها على هاتفه وعلى حساباته الرقمية عبر حسابات إسرائيلية. ينتقي المحرر ثلاثا وعشرين قصة من بين عشرات القصص التي تم تقديمها للمنظمة باللغة الإنجليزية، جلّها عن طريق كاتبات شابات. وإن كان هذا لا ينتقص من دور نظرائهن من الكتّاب الشباب، فإنّ تزايد أعدادهن يعكس من ناحية، هوية المجتمع الفلسطيني الحديث الذي بات أكثر انفتاحاً يتساوى فيه النساء والرجال، ومن ناحية أخرى، يعكس حرص تلك الكاتبات الأخذ بزمام المبادرة بكل ما أتيح لهن من أدوات -لا سيما وسائل التواصل الاجتماعي- لعرض قضية الوطن والمقاومة بالكتابة ومواصلة النضال، فضلاً عن الأدوار الرائدة التي لعبتها النساء الفلسطينيات عبر التاريخ والتي من غير الممكن إنكارها. ومن جميل ما أورده أولئك الكتّاب والكاتبات اليافعون في قصصهم، الرافضون للاحتلال والمقاومون بالكتابة، بعد أن سئموا من مجتمع دولي لا يحرك ساكناً وقيادة فلسطينية لا تختلف، وقد قرروا بعد أن تعلّموا اللغة الإنجليزية، أن يكتبوا بها، كسلاح أمضى بين أيديهم في قضيتهم العادلة وفي معركة تقرير المصير، ما ختمت به الكاتبة (سارة علي) قصتها التي جاءت بعنوان (قصة الأرض The story of the land)، وهي التي تؤمن بمحاربة الاحتلال على جبهات مختلفة، من ضمنها ميادين الصحافة والإعلام، حيث قالت: «أتذكر أن غزة ليست سوى جزء صغير من فلسطين. أتذكر أن فلسطين أكبر من غزة. فلسطين هي الضفة الغربية، فلسطين هي رام الله، فلسطين هي نابلس، فلسطين هي جنين، فلسطين هي طولكرم، فلسطين هي بيت لحم، والأهم من ذلك، فلسطين هي يافا وحيفا وعكا وكل تلك المدن التي تريد إسرائيل منا أن ننساها».

363

| 27 يونيو 2025

الصحة بين الحقيقة والخرافة

هنا حصيلة (خرافات) طالما تم اعتمادها طبياً كـ (حقائق) جاءت نتاج دراسات علمية وأبحاث رصينة، وذلك حسب مؤلف الكتاب الذي يعمل كطبيب منذ أكثر من عقد، وعاين أكثر من عشرين ألف مريض، وبحث فيما اعتبره «أساطير طبية وأكاذيب صريحة» يرويها الأطباء عادة لمرضاهم، مؤكداً على أن الحقائق العلمية التي من شأنها دعم بعض نصائحهم، قليلة بدرجة صادمة! وبينما يثير عنوان كتابه (أكاذيب أخبرني بها طبيبي: خرافات طبية قد تؤذي صحتك - Lies My Doctor Told Me: Medical Myths That Can Harm Your Health) حفيظة الكثير من زملائه، فهو يعتقد بأن الأطباء عادة ما يستندون في نصائحهم الى القليل من البحث، وغالباً ما يقومون باعتماد وصفاتهم بناءً على إعلان دواء، أو على بيانات عامة نقلها لهم مندوب مبيعات، أو على أبحاث رعتها شركات أدوية وأغذية كبرى، أو على أبحاث مولتها الحكومات بغرض تقديم توصيات داعمة لتلك الصناعات العملاقة على حساب صحة الفرد، وبحيث تأتي عليها جميعاً نصائح الأطباء -ومن غير قصد- بما لا يعزز الصحة العامة كما هو مطلوب! رغم هذا، فهو لا يشكك في نزاهة الأطباء وفيما يستثمرونه من جهد لتقديم رعاية مدروسة ومدعومة بأبحاث سليمة فيما يتوافر لديهم من أدوات ومعلومات، غير أنها هذه الأدوات غالباً ما تكون قديمة أو لا تكون المعلومات على درجة كافية من الدقة، كما أسلف. إنه (د. كين بيري)، طبيب الأسرة الحاصل على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف في علم الأحياء وعلم النفس الحيواني من جامعة تينيسي الأمريكية، وعلى درجة الدكتوراه في الطب من مركز علوم الصحة بنفس الجامعة، ثم على درجة الزمالة من الأكاديمية الأمريكية لأطباء الأسرة. أخذ د. بيري على عاتقه تتبع العديد من الحقائق الطبية خلال فترة ما حين ساوره الشك ابتداءً في مصداقيتها، وشرع من ثم إجراء تحقيقه الخاص، حتى ما لبث أن وقف على عدد من الأبحاث بنتائجها واستنتاجاتها وتوصياتها التي لم يتحقق لها بشكل كافٍ شروط البحث العلمي، فضلاً عن تضارب الحقائق فيما بينها! وحيث إن الكثير -مما كان هو والعديد من زملائه- يخبرون به مرضاهم، قائماً على أبحاث غير دقيقة، إضافة إلى اطلاعهم المستعجل على توصيات ما يقع تحت أيديهم من دراسات، فقد قرر د. بيري تغيير نهجه أولاً، حتى ما إذا أثمر وأسفر عن نتائج مُرضية، طفق يشارك ما تعلمه مع مرضاه وزملائه، ثم وضع هذا الكتاب. وفي شهادة لأحد زملائه، فإن كتابه يأتي بمثابة أداة فعالة من أجل «البقاء على قيد الحياة» وبصحة أكثر رفاهية، لكل من المرضى والأطباء على حد سواء! فبالنسبة للمرضى الذين هم بحاجة للحصول على معلومات أفضل، فإن على الأطباء مناقشة ما أتيح لهم من معلومات على نطاق أوضح وأشمل، وألا يعولوا كثيراً على المثل القائل «ثق بي أنا طبيب» الذي لم يعد يتمتع بمصداقية الأمس، وأن «البقاء على قيد الحياة» بالنسبة لهم لا يتم سوى من خلال القراءة المستمرة في مجال الطب وحوله. وفي هذه الطبعة المنقحة والأكثر مبيعاً، يشارك د. بيري كل ما سبق مع قارئه، وهو يحفّزه على إجراء تحقيقه الخاص بدوره وبناء علاقة أكثر صراحة مع مقدمي الرعاية الصحية، لا سيما فيما يتعلق برفض العيش وفقاً للأكاذيب، وبإجراء التغييرات الممكنة، وبفرص الحصول على صحة أفضل، ثم يكلّفه بواجب منزلي في نهاية كل موضوع، لا يخرج عن قائمة من الكتب والمقالات والمواقع الإلكترونية، الجديرة بالاطلاع. يطرح د. بيري سبعة وعشرين موضوعاً، يبدأها بالمأثور من أقوال أعلام العلم والأدب كمقدمة تشويقية لما سيأتي من تفنيد صادم، وقد قال ابتداءً: «ثق بالله وليس بطبيبك». فيكشف عن حقيقة العلاقة بين زيادة الكالسيوم وحصوات الكلى، وبين الكساح وفيتامين دي، وبين التمارين الرياضية وإنقاص الوزن، وبين السرطان واللحوم الحمراء والمصنعة فضلاً عن المشوية، وبين الألياف وصحة الأمعاء، وبين حليب الأم وحاجة المولود الكاملة، وما بين الغدة الدرقية وهرمونها، ويتحدث عن الكوليسترول ما إذا كان عدوا حقاً، وعن السعرات الحرارية هل هي متساوية، وعن الكربوهيدرات كغذاء للعقل، وعن العظام التي تستحق الأفضل، وعن القمح والملح والبذور والدهون، وغيرها الكثير. أما في موضوع (الفيروسات تسخر من المضادات الحيوية Viruses laugh at Antibiotics)، يؤكد على أن في كل مرة يتناول المريض المضادات الحيوية لعلاج نزلات البرد أو أي مرض فيروسي آخر، يحدث أمران: لا يؤثر المضاد على سبب المرض أو مدته. يقتل المضاد مليارات البكتيريا المفيدة في الأمعاء وفي أعضاء أخرى، بحيث يمكن أن يكون لهذا القتل البكتيري تأثير سلبي على الصحة بعدة طرق! ختاماً، يطمح د. بيري الى أن يساعد كتابه في التعرف على تجارب وخبرات أكثر وعلم وجودة وصحة، وقد قدم ما أمكنه في كشف الحقيقة ورد المفاهيم الخاطئة الشائعة حول الرعاية الصحية، وجعل من كتابه هذا مورداً جيداً للتمييز بين الحقائق والأكاذيب.

306

| 13 يونيو 2025

فلسطين في معرض الدوحة للكتاب

بينما احتضن معرض الدوحة الدولي للكتاب في حلّته الرابعة والثلاثين، رحلة التدوين التي قطعها الإنسان (من النقش إلى الكتابة)، عبر ستة آلاف عام وصولاً إلى التحول الرقمي في عصر الثورة التكنولوجية، حلّت دولة فلسطين (من النهر إلى البحر) ضيف شرف في خضم الأحداث الدامية، كموقف يعبّر عن صدق التضامن مع القضية الفلسطينية، لا سيما في المجال الثقافي. وفي حين شاركت إحدى عشر دار نشر فلسطينية لأول مرة في المعرض، ازدانت الدور الأخرى بإصدارات عريقة وحديثة تتناول فلسطين في مجالات الأدب والفكر والتاريخ والسياسة، تتقدمها قضية الاحتلال الإسرائيلي، ما جعل حصيلة مشترياتي منها تتجاوز العشرين، والتي أعرض فيما يلي نبذة عن بعض منها. ففي كتاب (صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية) يقرّ مؤلفه اليهودي-الأمريكي (نورمان فنكلستاين) بأن المحرقة النازية ليست سوى صناعة، عمدت على تضخيم أهوالها المنظمات اليهودية-الأمريكية من أجل التنفّذ السياسي والتكسّب المادي، بينما يفضح الصحفي الاستقصائي الأسترالي (أنتوني لوينستيان) مؤلف كتاب (قضيتي ضد إسرائيل) حرص جماعة الضغط الصهيونية في أمريكا وبريطانيا وأستراليا على وصم أي انتقاد يطول إسرائيل وسياساتها كمعاداة للسامية، الأمر الذي يعرقل عادة إجراء نقاش جاد حول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وعن ثلاثية: (اختراع الشعب اليهودي)، (اختراع أرض إسرائيل)، (كيف لم أعد يهودياً)، التي يضعها البروفيسور الإسرائيلي في جامعة تل أبيب (شلومو ساند)، فيكشف في أولها عن اختلاق هذا الشعب من شتات جماعات يهودية ضمّت منتسبين لا يمكن عدّهم أحفاداً لقدماء اليهود، بينما يكشف ثانيها عن الأساطير التي اختلقتها الصهيونية بأرض الميعاد التي وعد الرب بها إسرائيل والتي لا ترقى إلى مصدر تاريخي موثوق في نظره، في حين يعبّر في ثالثها عن خجله من الممارسات العنصرية التي تمارسها دولته في حق الفلسطينيين الذين يبدي لهم الكثير من التعاطف، ويستبرأ مما اعتبره يهودية علمانية. وضمن مجموعة مقالات يضمّنها الناقد والروائي اللبناني (إلياس خوري) كتابه (النكبة المستمرة)، تظهر قراءة النكبة الفلسطينية مغايرة، كحدث ماضٍ لم يزل قائماً بتبعاته في الحاضر، ويتمظهر من خلال: سيطرة الاحتلال وحصار غزة والتعتيم على المجازر وتزوير التاريخ، بغية التطهير العرقي للسكان الأصليين، في حين يوضح كتاب (العرب والمحرقة النازية) لمؤلفه البروفيسور اللبناني-الفرنسي (جلبير الأشقر) رد الفعل العربي تجاه المحرقة التي تأصلت في تأسيس الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، الرد الذي تباين بحسب التوجه السياسي آنذاك، بين قومي وإسلامي واشتراكي وعلماني. أما الكاتب الفلسطيني (عاطف أبو سيف) فيكتب في كتابه (وقت مستقطع للنجاة: يوميات الحرب في غزة) وقائع الحرب الدائرة من قلب الحدث، والتي عكف على نقلها باللغتين العربية والإنجليزية لأصدقائه الذين تولوا بدورهم نشر تفاصيلها في الصحف، لتكون بمثابة شهادة حية ووثيقة للتاريخ. ومن مركز الجزيرة للدراسات، يضم كتاب (شبكات التواصل الاجتماعي وآليات التحكم في الرأي العام العالمي: الإبادة الرقمية للمحتوى الفلسطيني خلال الحرب على غزة) مجموعة أبحاث تتطرق أولاها إلى عمليات إبادة المحتوى الرقمي المعني بالشأن الفلسطيني والتي تنتهجها بعض منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما من خلال برمجة الخوارزميات إضافة إلى الفحص المباشر للمحتوى الذي قد يتحايل عليها. أما كتاب (شيرين أبو عاقلة: سيرة صحفية) الذي يصدر في الذكرى الأولى لاغتيال الصحفية، فيروي سيرتها المهنية لا سيما من خلال عرض منهجي لتقاريرها الإخبارية، مضافاً إليها القضية الفلسطينية التي تبنتها حتى مماتها. يبدو كتاب الشاعر الفلسطيني (محمد الكرد) الصادر في نصّه الإنجليزي (Perfect Victims and the Politics of Appeal) معني بـ (الضحايا المثاليون وسياسات الاستعطاف) الذي يعرض فيه الفلسطيني كنموذج للمقاومة وسط عالم يقلب الموازين ويطمس الحقائق، فيمجّد الجاني ويرضيه ويلوم الضحية ويحاكمه. أما الناشط الحقوقي الفلسطيني (رجا شحادة) ومن خلال كتابه الذي جاء في نصه الإنجليزي (When the Bulbul Stopped Singing: A Diary of Ramallah Under Siege) وهو يعني به (عندما توقف البلبل عن الغناء: يوميات رام الله تحت الحصار)، فيسجل فيه شهادة حية ليوميات اجتياح قوات الاحتلال لمدينة رام الله عام 2002، وما كان منها من عمليات مروعة تمثلت في قتل وتدمير ونهب واقتحام للبيوت وطرد ساكنيها. وبعيداً عن الألم المصاحب لما سبق من حديث، يأتي كتاب (الموسيقى والغناء في فلسطين قبل 1948 وبعدها)، لمؤلفيه الأخوة (إلياس وسليم وفكتور سحّاب)، عذباً، وهو يتطرق لفنون الغناء والرقص والألحان والأناشيد وتحديداً فيما يخص المناسبات الاجتماعية آنذاك، فضلاً عن دور الإذاعة في جنين ويافا والقدس في انتشارها. وفي خاتمة جولتي بالمعرض التي لا تخلو عادة من شجن رغم الاحتفاء بالتفاعلية الثقافية، استوقفتني -ضمن ملحقات الكتب- حقيبة، تأخذ من شجرة الزيتون لونها، ومن لحائها ملمسها، نُقش عليها «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».. الشطر الذي جاء ضمن قصيدة شاعر الثورة الفلسطيني (محمود درويش)، والذي يسترسل بعده قائلاً: «على هذه الأرض سيدة الأرض، أم البدايات أم النهايات.. كانت تُسمى فلسطين.. صارت تُسمى فلسطين».. وأقول: وستبقى تُسمى كذلك!

765

| 06 يونيو 2025

شيرين أبو عاقلة: الشاهدة والشهيدة

«أيقونة الإعلام الفلسطيني»، «عميدة المحاربين العرب»، «شهيدة الفجر»، «شهيدة الميدان»، «شهيدة الكلمة الحرة».. أوسمة زادها رفعة، تمثيلها للتي ما برحت تمهر الخبر من قلب الحدث باسمها حتى أصبح دمها المهر والخبر.. أو «نجمة القدس» في أرفع وسام تمنحه السلطة الفلسطينية، لكنها بالأحرى «الشاهدة والشهيدة» التي زُفت كعروس لطُهر القدس، بين قرع أجراس الكنائس، وتكبيرات مآذن المساجد. يسجّل كتاب (شيرين أبو عاقلة: الشاهدة والشهيدة) شهادة حية لرسالة الصحفية الأولى في نقل الواقع الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال، لا سيما منذ 1997 حيث التحاق الصحفية شيرين أبو عاقلة بقناة الجزيرة الإخبارية، حتى لحظة استشهادها في 2022. وبينما يأخذ مؤلف الكتاب (هيثم زعيتر) عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين، على عاتقه مهمة التوثيق، يتولى (د. رمزي خوري) عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التقديم للكتاب، الذي في نظره سيروي للأجيال مسيرة الصحفية المهنية خلال ربع قرن انتهت ببذل دمائها وتوّجت بـ «أيقونة الحق والحقيقة»، وتحوّل مراسم تشييعها إلى عرس وطني، رغم ما طاله من اعتداء وحشي بقبضة الاحتلال، حيث «أكَّدت هيبة جنازتها على رسالة أخرى، وهي أن القدس فلسطينية، وستبقى كذلك إلى الأبد» حسب ما قال. كذلك، لا يعتقد مدير دار النشر (زياد شبيب) بسهولة المهمة التي اضطلعت بها «شاهدة الحق»، كشابة مسيحية مقدسية، قررت التصدي لمحاولات تُحيل القضية الفلسطينية كوطن محتل إلى قضية صراع ديني وحسب، «أي عملياً، تشويه حقيقة هذه القضية وتحويلها من قضية وطن مسلوب وشعب مظلوم يتعرّض للإبادة العنصرية المستمرة، إلى قضية صراع ديني بين اليهود والمسلمين». يعرض الكتاب مسيرة الصحفية من خلال تسعة أبواب، تكشف عن تفاصيل لم تخلُ من شجن، والمؤلف يهديه إلى «الشاهدة والشهيدة» مع أولئك المؤمنين بقوة الكلمة والصورة في إرهاب العدو، ومع كل من ناصر «قضية الحق والعدالة في أرض المرسلين». يستفتح (الباب الأول: بين الولادة والشهادة) بالبطاقة الشخصية للصحفية، كفلسطينية شهدت مدينة القدس ميلادها في الثالث من أبريل عام 1971، وآثرت دراسة الصحافة على الهندسة، والعمل لصالح وطنها على فرص العمل الواعدة كأمريكية الجنسية، فعملت في (وكالة الأونروا) و (إذاعة صوت فلسطين)، حتى انتقلت للعمل في قناة الجزيرة واستشهدت على مرأى شاشاتها غداة الحادي عشر من مايو 2022، برصاص قنّاص إسرائيلي، وهي تغطي أحداث مخيم جنين في الضفة الغربية المحتلة! يغطي هذا الباب أيضاً زيارتها الأخيرة لمكتب الجزيرة والوداع والتكريم الرسميين في رام الله، ومراسم الجنازة والتشييع الذي جللها بعلم فلسطين وكوفية وإكليل ورد، ومواقف التنديد الدولية بالعدوان على المراسم من قبل جنود الاحتلال، مع آخر صورة لها ولزميلتها (جيفارا البديري) مرفقة بعبارة: «ما بنعرف شو بصير» بينما كانتا تتحدثان بمرح حول عيد ميلادها، وينتهي الباب بسردية مدير مكتب الجزيرة في فلسطين (وليد العمري)، لا سيما التوقيت الزمني لجريمة الاغتيال. أما (‎الباب الثاني: الموقف الفلسطيني)، فيعرض مواكبة الرئيس الفلسطيني لكافة تفاصيل الجريمة، وحرصه على تصعيدها في المحافل الدولية، بينما يروي (‎الثالث: عائلة أبو عاقلة.. إصرار على معاقبة الجناة) صدمة العائلة في تلقي خبر الاستشهاد، ومحاولاتها الجادة للتصعيد من خلال الرئيس الأمريكي. وفي (‎الرابع: الاحتلال يمارس التضليل)، يظهر تضارب الروايات الإسرائيلية التي قُدمت في ملابسات القضية كمحاولة مكشوفة للتملص، ويعرض شهادة الشاب (شريف العزب) ومحاولته إنقاذ الصحفية بعد سقوطها بمحاذاة الشجرة، وإصابة زميلها (علي السمودي) وهلع زميلتها الشابة (شذا حنايشة). ثم يعرض (‎الخامس: الموقف العربي والدولي) ردود الأفعال العربية والعالمية المنددة والمطالبة بمعاقبة مرتكبي الاغتيال، في حين تظهر السلطة الفلسطينية في (‎السادس: التحقيقات تثبت مسؤولية الاحتلال) وهي تتولى زمام التحقيق والاحتكام قضائياً في المحكمة الجنائية الدولية. كذلك، لم يبخل (‎السابع: الإعلام يتضامن مع أيقونته) في عرض تضامن وسائل الإعلام مع القضية منذ بدايتها على رأسها (تلفزيون فلسطين)، بينما يعرض (‎الثامن: تكريم من فلسطين إلى العالم) توالي أشكال التكريم للصحفية، من منح الأوسمة، وتشييد اللوحات الجدارية، وإطلاق اسمها على عدد من الشوارع، وتخصيص منح دراسية وجوائز أكاديمية باسمها في بعض الجامعات، في حين يعرض (‎التاسع: شيرين الإنسانة)، مجموعة صور تذكارية للصحفية، تطل في أولاها بكسرة خبز في يدها تعلمت من (السيد المسيح عليه السلام) أن تُقاسمها الفقراء، ومرة أخرى باكية على الهواء مباشرة، إثر اقتحام جنود الاحتلال باحة المسجد الأقصى والأحياء القديمة. ختاماً، والمؤلف يسترجع اللازمة التي كانت تختتم بها الصحفية تقاريرها الإخبارية اليومية من فلسطين عبر ميكروفون الجزيرة، يوثّق بدوره خاتمة آخر تقرير الذي لم تنطقه باسمها بل روته بدمها، ورسالتها التي لم تحِد في الحق صوتاً وصورة.. وبأن «القدس» كما قالت «ستبقى لأهلها، وسندحر عنها المحتل الغازي»، موصياً في الختام: «لتبقى التغطية مستمرة مع شيرين....».

561

| 19 مايو 2025

alsharq
(زمن الأعذار انتهى)

الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...

2631

| 27 فبراير 2026

alsharq
عندما كانوا يصومون

رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...

2136

| 25 فبراير 2026

alsharq
كبسولة لتقوية الإرادة

أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...

1485

| 01 مارس 2026

alsharq
الدهرُ يومان... يومٌ لك ويومٌ عليك

في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...

1023

| 26 فبراير 2026

alsharq
رمضان.. شهر يُعيد ترتيب الخسائر

رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...

819

| 27 فبراير 2026

alsharq
تفاصيل رمضانية

جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...

789

| 25 فبراير 2026

alsharq
من الحضور إلى الأثر.. نقلة هادئة في فلسفة التعليم

يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...

669

| 24 فبراير 2026

alsharq
التجارب لا تُجامِل

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...

621

| 24 فبراير 2026

alsharq
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...

597

| 02 مارس 2026

alsharq
الإمام بين المحراب والقيادة.. هل تراجعت هيبة المسجد

لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...

570

| 26 فبراير 2026

alsharq
العدوان الإيراني يظهر كفاءة عالية لمنظومتنا الدفاعية

-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...

552

| 01 مارس 2026

alsharq
من المستفيد.. ومن الضحية؟!

اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...

534

| 01 مارس 2026

أخبار محلية