رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

468

م. حسن الراشد

الإمام بين المحراب والقيادة.. هل تراجعت هيبة المسجد

26 فبراير 2026 , 05:27ص

لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ لإقامة الصلوات فحسب، بل كانت عبر التاريخ قواعدَ لبناء المجتمع، ومنابرَ للتوجيه، وساحاتٍ للضبط والربط، ومرجعيةً لنظام الأمة وانضباطها. فمن رحابها أضاء نور العلم ليغمر الآفاق، وفي كنفها تخرّج خيرة القادة والعلماء الذين وصل أثرهم ونفعهم إلى الدنيا شرقاً وغرباً بأخلاقهم قبل علومهم، فكان المسجد هو المسطرة التي يستقيم عليها سلوك المجتمع.

لكنَّ المشهد الذي بات يتكرر في مساجدنا اليوم خاصة في صلوات التراويح والقيام والجمع يورث في النفس غصةً وحيرة؛ إذ تحولت من مواقعَ للخشوع، إلى مساحاتٍ للضجيج والفوضى. إننا أمام واقعٍ سلوكيٍّ يسيء لهيبة بيوت الله، ويستدعي وقفةً حازمة لاستعادة ذلك الوقار الذي عهدناه في مساجدنا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حين كان للمسجد وقارٌ يفرض نفسه على الجميع.

إنّ ما نشهده اليوم من ظواهر دخيلة على مجتمعاتنا كتحويل بعض المساجد إلى «حضانات ورياض مفتوحة» يعبث في أروقتها صغارٌ لم يبلغوا سنّ التمييز والحلم- يضعنا أمام سؤال موجع: إلى أيّ حدّ تراجعت هيبة بيوت الله حتى غدا الحديث عن توظيف رجال أمن ضرورة لضبطها أمراً واقعاً في بعض المساجد؟

المشكلة لم تعد محصورة داخل جدران المسجد، بل امتدّت إلى محيطه؛ فوضى مرورية خانقة، إغلاق للطرقات العامة، تضييق على القاطنين، وسلوكيات تفتقر إلى أدنى درجات الاحترام وخصوصية الآخرين. أما مشهد «الأحذية الملقاة بغير نظام» عند المداخل، فصار صورة مؤسفة تخدش جلال المكان. إنها مشاهد تدفعنا إلى التساؤل بمرارة عن مستوى الوعي والسلوك لدى بعض المصلّين الأفاضل، فهل سنصل غداً إلى مرحلة نحتاج فيها شركات متخصصة لا لتنظيم المرور فقط، بل لترتيب أحذية المصلّين أيضاً؟

وهنا يبرز التساؤل الجوهري: أين دور الإمام الموقر ؟

إنّ المتأمّل في واقعنا يجد أنّ مسؤولية الإمام قد تقزّمت، فانحصرت في حدود المحراب، واقتصرت على أداء الشعائر وضبط استقامة الصفوف الأمامية، وكأنّ مهمته تنتهي عند التسليمة الثانية. نحن أمام إشكالية «الإمام الموظّف» الذي يعيش في عزلةٍ شعورية عمّا يدور خلفه؛ فبينما يغرق المسجد أحياناً في فوضى سلوكية، غير مدركٍ أنّ هذه الممارسات وما يرافقها من ضعف في الوعي والثقافة قد تُسيء إلى رسالة المكان وهيبته.

إنّ غياب هذا الدور القيادي ليس مسألةً عابرة، بل انعكاس مباشر لضمور البعد القيادي والثقافي في شخصية الإمام؛ فالإمامة ليست وظيفةً تُؤدّى مقابل راتبٍ شهري فحسب، بل هي قيادة ميدانية ومسؤولية تربوية وأخلاقية، تفرض السكينة بانضباطٍ واعٍ وحزمٍ حكيم، وتعيد للمسجد مكانته بوصفه فضاءً للطمأنينة والتربية قبل أن يكون موضعاً لأداء الشعائر فقط.

ومن تمام هذا الدور أيضاً ضبط «الاجتهادات الشخصية» في مقامات الأذان والإقامة، ليكون المؤذن كما وجّه النبي ﷺ «أندى الناس صوتاً»، يجذب القلوب ويطمئنها ولا ينفّرها. فالأذان رسالة سكينة وطمأنينة قبل كل شيء، وجمال الأداء فيه يقاس بقدر ما يفتح القلوب للخشوع ويهيئ النفوس للصلاة.

ولا يتوقف المشهد عند السلوك العام، بل يمتدّ إلى «فقه الواقع» داخل المحراب؛ حيث نلمس أحياناً غياباً لتقدير أحوال المصلّين في مسألة الإطالة غير المبرّرة، وعدم الالتزام بمواقيت انتهاء الصلاة المعلنة. فالإمام الذي يطيل القراءة متجاوزاً حدّ الاعتدال قد يغفل عن أنّ خلفه كبيرَ سنٍّ أثقله التعب، وشاباً نحتاج إلى جذبه لا تنفيره، وربما مصلّياً يدخل المسجد لأول مرة، أو مريضاً أو معاقاً أو صاحب عذرٍ لا يُرى.

إنّ الهدف الأسمى من صلاة الجماعة هو التأليف والتحبيب لا المشقّة والإرهاق؛ والإمام الفطن هو من يوازن بين الخشوع والإطالة وبين جمال التلاوة وواقع المصلّين، فيجعل من صلاته جسراً للطمأنينة لا سبباً للعناء. فالمسجد محراب رحمةٍ يتّسع ويحتضن الجميع.

ولعلّ أحد الحلول لإعادة الانضباط إلى بيوت الله يكمن لربما في «توطين الإمامة»، عبر إسناد مهام الإمامة وإدارة بعض المساجد إلى متقاعدين قطريين من سكان الأحياء، ممّن عُرفوا بالكفاءة والوقار وحفظ كتاب الله. فهؤلاء، بما لهم من مكانة اجتماعية ومعرفة دقيقة بطبيعة المجتمع، أقدر على الجمع بين الهيبة والحكمة، وعلى فرض النظام والحزم بروحٍ مسؤولة تحفظ للمسجد سكينته وجلاله.

لقد أسهمت بعض السلوكيات العشوائية، ومعها إطالة الإمام غير المبررة، في حيرة شريحة من المصلّين، حتى بات بعضهم يبحث عن «خشوعٍ ضائع» في مجالسهم الخاصة بعيداً عن فوضى وصخب المسجد، وهو مؤشرٌ مؤلم لا يجوز تجاهله. فالمسجد ليس مجرد فضاءٍ لأداء الشعائر، بل هو المرآة الصادقة لرقيّ المجتمع وانضباطه؛ فإما أن نعيد إليه هيبته بالوعي والحزم والمسؤولية، وإما أن نتركه عرضةً للمظاهر الدخيلة التي تُضعف رسالته وتُفقده أثره التربوي.

وكما قال الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله-:

«إنّ المساجد التي لا تُخرِج رجالاً منضبطين في الشارع، هي مساجد لم تُؤدَّ فيها الصلاة بحق».

وأخيراً.. هل يمثل «توطين الإمامة» المدخل الأساسي لاستعادة النظام والخشوع المفقود في بيوت الله؟ وهل باتت الإمامة، كمسؤولية قيادية، تقتضي تأهيلاً مكثفاً في ثقافة القيادة وفن الإدارة؟

مساحة إعلانية