رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

27

م. حسن الراشد

قطاع الغاز.. هل يسقط في فخ «سيناريو النفط والفحم»؟

03 فبراير 2026 , 02:00ص

يُردّد المحللون الاقتصاديون مقولة إن «الأرقام لا تكذب»، وهي عبارة قد تبدو صحيحة في ظاهرها، لكنها لا تعكس الحقيقة الكاملة حين يتعلّق الأمر بسلع إستراتيجية كالنفط والغاز. فقراءة الأرقام خارج سياقها الجيوسياسي والاستثماري والحيوي قد تؤدي إلى استنتاجات مضللة، خاصة عندما تُبنى على نماذج تحليلية تركز على منظور المستهلك أو اللاعب السياسي المتحكِّم، متجاهلة طبيعة القطاع وديناميكياته المعقدة، وجهود المنتجين والمطورين، وحجم الاستثمارات الضخمة. فالنفط والغاز ليسا مجرد سلعتين خاضعتين لمنطق العرض والطلب التقليدي، بل هما ركيزتان أساسيتان للأمن الطاقوي العالمي، وأداتان سياديتان تمتلكان تأثيراً عميقاً على الاستقرار الاقتصادي والإستراتيجي للدول. لذا، فإن التعامل معهما بمعزل عن هذه الأبعاد يؤدي إلى رؤية قاصرة تتجافى مع الواقع التشغيلي. وانطلاقاً من هذا الفهم، يبرز خلل واضح في توزيع المخاطر والعوائد؛ فالمنتجون والمستثمرون يتحملون العبء الأكبر عبر ضخ مئات المليارات في الدراسات والاستكشافات الجيولوجية المعقدة، والحفر، والتطوير،، وصولاً إلى بناء البنى التحتية العملاقة التي تمتد من المنبع (Upstream) إلى المصب (Downstream)، لضمان استقرار الإمدادات على المدى الطويل. وفي المقابل، تحصد الدول الصناعية والمستهلكون فوائد إمدادات طاقة مستقرة ومنخفضة التكلفة تعزز تنافسيتهم الاقتصادية، كما تجني حكوماتها عوائد ضريبية وتنظيمية قد تفوق بكثير ما تحمله الأطراف المنتجة من أعباء مالية ومخاطر تشغيلية. هذا الواقع يدفع إلى تساؤل مشروع حول مدى عدالة توزيع المخاطر والعوائد في قطاع حيوي يستفيد منه الجميع، وخاصة الدول الصناعية المستهلكة التي تعتمد عليه في تشغيل صناعاتها وتأمين استدامة الطاقة ورفاهية مواطنيها. وفي هذا السياق غير المتوازن، تظهر التحديات الرئيسية التي تواجه صناعة الغاز الطبيعي المسال LNG اليوم. فالإشكالية ليست في التوسع بحد ذاته، بل في منهجية التخطيط له وإدارة الاستثمارات المرتبطة به. فالاندفاع نحو ضخ استثمارات ضخمة بناءً على توقعات وتقارير قد لا تراعي مصالح جميع الأطراف، يمكن أن يؤدي إلى فائض في المعروض يضغط على الأسعار سلباً، ويحوّل منشآت بمليارات الدولارات إلى أصول معطلة أو شبه معطلة. وتتعمق هذه الإشكالية مع الاعتماد على “المعلومات المُسيَّسة”، حيث لا تُبنى التوقعات دائماً على أسس اقتصادية أو تسويقية بحتة، بل قد تُصاغ لخدمة مصالح الدول الصناعية المستهلكة؛ سواء عبر الترويج لشح الكميات والحاجة الملحة للاستثمارات، أو الترويج لوفرة المعروض لضمان أسعار منخفضة، أو من خلال المبالغة في وتيرة التحول نحو الطاقة الخضراء المتجددة، مما يخلق ضغوطاً غير متوازنة على الدول المنتجة واستثماراتها تحت غطاء أهداف مناخية قد لا تراعي واقع الموازنات الطاقوية. وقد تجلى هذا النمط سابقاً في الخطاب الذي روج لأفول الطاقة النووية وتصويرها كخيار غير مستدام، قبل أن تعيد العديد من الدول الصناعية – مثل اليابان وألمانيا – الاعتبار لها كخيار إستراتيجي أساسي لأمن الطاقة بعد أزمات جيوسياسية كشفت هشاشة الاعتماد على مصادر وحيدة. كما شهدنا تصحيحاً مماثلاً في الموقف من الفحم، الذي عادت العديد من الدول الأوروبية إلى استخدامه بشكل مكثف بعد الحرب الروسية– الأوكرانية، بعد أن كان يُصنف كمصدر “منتهي الصلاحية”. وهذا التحول يكشف محدودية التوقعات التي تبني إستراتيجياتها على افتراضات نظرية بعيدة عن الواقع الجيوسياسي.

وتزداد حساسية هذه التحديات في قطاع الغاز الطبيعي المسال LNG نظراً لارتفاع كثافته الرأسمالية ومحدودية مرونته التشغيلية مقارنة بالنفط. فمحطات الإسالة والسفن الناقلة تمثل استثمارات ضخمة يصعب إعادة توظيفها أو تعليقها عند حدوث فائض مفاجئ، كما أن طبيعتها التعاقدية طويلة الأجل تجعل أي اختلال في التوازن تهديداً مباشراً لاستدامتها المالية. ولا يقتصر أثر هذا الاختلال على قطاع الغاز وحده، بل يمتد إلى الصناعات التحويلية المرتبطة به، كالبتروكيماويات، التي تواجه ضغوطاً تنافسية شديدة في ظل تقلبات الأسعار وانخفاضها تحديداً.

من هذا المنطلق، يجب أن تركز الأولوية الإستراتيجية على حماية الاستثمارات القائمة والمستقبلية من خلال:

* ربط التوسع بعقود شراء طويلة الأجل وموثوقة تضمن تدفقات نقدية مستقرة.

* اعتماد نمو مرحلي ومتدرج يتماشى مع نمو الطلب الفعلي في الأسواق.

* تنويع الأسواق وقاعدة العملاء لتقليل المخاطر الجيوسياسية المرافقة لبعض المناطق.

* تبنّي سياسات تسعير متوازنة تأخذ في الاعتبار التكاليف الرأسمالية العالية والمخاطر التشغيلية الكبيرة.

* تبني نموذج “الارتباط العضوي” و”التكامل العمودي نحو الأسفل” (Downward Vertical Integration) عبر الاستثمار المباشر في محطات (Regasification) داخل الدول المستهلكة؛ وبذلك يتحول المنتج إلى “شريك إستراتيجي” في الشبكات الوطنية.

* تعظيم القيمة المضافة عبر “مجمعات التصنيع المجاورة”: بإنشاء مناطق صناعية (Industrial Hubs) بجوار محطات الإسالة تعتمد على الغاز اللقيم (Feedstock)، مما يقلل تكاليف النقل ويخلق قيمة مضافة محلية.

* دراسة مقابلة الأعباء الكربونية المفروضة على صادرات الغاز بآليات مماثلة تُطبق على المنتجات الصناعية والبتروكيماوية المستوردة، لضمان ميزة تنافسية عادلة.

وكجزء من هذا التحرك الإستراتيجي، يجب التفكير بشكل استباقي في احتمالية عدوى انتقال السياسات الضريبية والرسوم المرتبطة بالانبعاثات الكربونية من الأسواق الأوروبية إلى الأسواق الآسيوية الرئيسية التي تستهلك الغاز بمستويات استهلاك مرتفعة، مثل اليابان وكوريا والصين والهند، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات على الجدوى الاقتصادية لمشاريع الغاز المسال الضخمة والمستقبلية.

وختاماً، يقف قطاع الغاز الطبيعي المسال اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما أن يتطور إلى نموذج استثماري متوازن يقوم على شراكات طويلة الأجل تحقق استقراراً للمنتجين والمستهلكين والمصنعين، أو أن ينزلق إلى فخ “الدورة التقلبية” التي عانى منها النفط والفحم، حيث تؤدي الاستثمارات المفرطة إلى فائض معروض يهوي بالأسعار ويُعرض المشاريع للخطر. وعلى الدول الصناعية المستهلكة أن تدرك جيداً بأن “شح” الاستثمارات الضخمة في قطاع الغاز هو في الواقع أخطر بكثير من وفرة المعروض منه؛ لأن وفرة المعروض أزمة سعرية عابرة، أما شح الاستثمار فهو أزمة وجودية لأمن الطاقة العالمي. وعليه، فإن السؤال الجوهري للمرحلة المقبلة لا يتمثّل في: «كم سنبيع؟»، بل في: «لمن سنبيع؟ وبأي شروط تعاقدية وتمويلية تضمن استدامة هذه الاستثمارات العملاقة على مدى عقود؟».

اقرأ المزيد

alsharq هل نعرف هذا المصطلح؟

ليست كل إشكالية في قطاع التدريب ناتجة عن ضعف المحتوى أو هشاشة الطرح، فبعض الأزمات تبدأ من العنوان،... اقرأ المزيد

39

| 03 فبراير 2026

alsharq العطاء الخالد.. إنفاقٌ من سعتك

من أبهى العطاءات أن يكون الإنسان سيّالاً في بذله، متدفقاً في عطائه، كالنهر الصافي الزلال، يمضي في سكينته،... اقرأ المزيد

39

| 03 فبراير 2026

alsharq سلم مكسور !

تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي تُعدّ اليوم من أهم الطرق والوسائل الحديثة للوصول إلى الأفراد والمجتمعات من التثقيف والتعليم... اقرأ المزيد

39

| 03 فبراير 2026

مساحة إعلانية