رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

327

م. حسن الراشد

كفاءة التشغيل.. المعيار الحقيقي لفلسفة المطارات الناجحة

12 يناير 2026 , 12:00ص

يُعَدّ مطار حمد الدولي أحد أبرز الصروح والإنجازات في قطاع الطيران العالمي والخدمات اللوجستية التي نفخر بها جميعًا؛ فمنذ انطلاقته، نجح في إعادة صياغة معايير التميز، محتلاً مكانةً ريادية بين نخبة مطارات العالم، سواء من حيث التصميم المعماري، أو الكفاءة التشغيلية العالية، أو جودة الخدمات المقدَّمة للمسافرين. ويُجسِّد المطار بوابةً وواجهةً رائعة ومشرّفة لجميع الزوّار والسياح، حيث يعكس صورة حضارية متقدمة منذ اللحظة الأولى، ويُعد مثالاً يُحتذى به في تقديم الخدمات وفق أعلى المعايير العالمية.

ونُثمن جهود الإدارات والقيادات السابقة التي أرست قواعد هذا النجاح، ونتمنى التوفيق للإدارة الحالية لمواصلة مسيرة التطوير والبناء، بما يعزّز قيم الابتكار والاستدامة والإبداع، ويواكب تطلعات المستقبل، ويرتقي بتجربة المسافرين إلى مستويات أكثر تميزًا.

وبشكل عام، تُصنَّف خدمات المطارات ضمن «الخدمات العامة ذات المنفعة الاجتماعية» (Public Services  Merit Goods)، حيث تُقدَّم جودة الخدمة، ومعايير السلامة، وكفاءة التشغيل على مبدأ الربحية الضيقة. فالهدف الجوهري لهذه المرافق لا يقتصر على تحقيق عوائد مالية مباشرة، بل يمتد لضمان انسيابية الحركة، والحفاظ على أمن وسلامة المسافرين. ورغم وجود أنشطة تجارية ربحية كالأسواق الحرة والمطاعم، إلا أن «الخدمات التشغيلية الأساسية» تظل أولوية قصوى لا يجوز المساس بجودتها تحت أي ظرف. ومن خلال التجربة الميدانية، لوحظ أن بعض الأنظمة التقنية المخصصة لتسريع إجراءات الدخول (Self Service Kiosk) لا تعمل أحيانًا بالكفاءة المرجوة عند استخدام البطاقة الشخصية، كما أن بعض أنظمة الحاسب الآلي في منصات تسجيل المسافرين «الكونتر» (Check-in) قد تتسبب في تأخير محدود للسبب ذاته. وهذا يشير لربما إلى حاجة ملحّة لإعادة تقييم «تكامل الأنظمة» وتحديث البرمجيات، بما يضمن سرعة الاستجابة، ويعزّز ثقة المسافر في الاعتماد على البطاقة الشخصية كخيار ذكي موازٍ لجواز السفر، انسجامًا مع الهوية الرقمية المتقدمة. ونظرًا لاتساع مساحة المطار وضخامة مرافقه، قد يواجه بعض المسافرين تحديًا في تقدير الوقت اللازم للوصول إلى بوابات الصعود، ولا ننسى مسافري «الترانزيت» المرتبطين بجدول زمني ضيق. ومن هنا، تبرز أهمية توفير معلومات زمنية دقيقة حول «المسافة والوقت التقريبي» للوصول إلى بوابات المغادرة، عبر الإشارة إليها في بطاقات الصعود الرقمية أو الشاشات الإرشادية التفاعلية. إن هذا الإجراء – من وجهة نظري – يحدّ من ارتباك المسافرين، ويُسهم في الالتزام بمواعيد الإقلاع، مما يقلّل من تأخر الرحلات ويعزّز الكفاءة العامة. إنّ الربط بين هذه الملاحظات التشغيلية وبين «مؤشرات الأداء الرئيسية» (KPIs) يُعدّ ركيزةً أساسية لضمان استدامة التميز؛ فقياس «متوسط زمن إنهاء الإجراءات» وكفاءة «الأنظمة التقنية» ليس مجرد أرقام إحصائية، بل هو المرآة التي تعكس كفاءة الفلسفة التشغيلية وقدرتها على التكيف مع التحديات اللحظية. كما يُستحسن أن تتضمن تجربة المطار بُعدًا ثقافيًا أعمق يعكس الهوية القطرية بروح عصرية حضارية؛ فمسافرو «الترانزيت» يشكّلون شريحة واسعة، واعتماد وسائل مبتكرة لعرض الثقافة القطرية بصورة تفاعلية يسهم في تعزيز الصورة الذهنية للبلد وأهلها، ويحوّل المطار من مجرد محطة عبور إلى منصة سياحية تعريفية تشجّع المسافر على العودة لزيارة قطر كوجهة سياحية مستقبلًا.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن فلسفة بعض المطارات العالمية في مجال الكفاءة التشغيلية لا تقتصر على سرعة الإجراءات أو جودة المرافق فحسب، بل تمتد لتشمل أدق التفاصيل التشغيلية المرتبطة بتجربة المسافر. ففي نماذج متقدمة، تصل هذه الفلسفة إلى تقديم خدمات استثنائية تعكس أقصى درجات العناية والرقي، مثل الاهتمام بالأمتعة وتنظيف الحقائب قبل تسليمها للمسافر عند الوصول، بما يُحوّل الرحلة من إجراءٍ روتيني إلى تجربة راقية تعزّز ولاء المسافر وترسّخ انطباعًا إيجابيًا مستداماً. وفي إطار التطوير المستدام، يمكن للمطار توسيع الشراكة مع الجامعات المحلية عبر مشاريع تطبيقية تُنفَّذ تحت إشراف أكاديمي وخبرات ميدانية، لتقديم دراسات تحليلية لآراء المسافرين مبنية على معايير علمية. ويُعد هذا التوجه نموذجًا مبتكرًا يربط المخرجات الأكاديمية بالواقع العملي، ويزوّد المطار ببيانات دقيقة ترصد التحديات التشغيلية بمرونة واستباقية، وبتكلفة اقتصادية مدروسة. ختامًا، تنبع أهمية الكفاءة التشغيلية من كونها منظومة متكاملة لا تقتصر على الجوانب الفنية فحسب، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى لوصول المسافر، عبر إدارة زمن الانتظار وسلاسة الحركة، وصولًا إلى جاهزية الكوادر البشرية وكفاءتها. ويُعدّ المطار الواجهة الحقيقية والأولى للبلد، والعنصر الأهم في تشكيل الانطباع الأول لدى السياح والزائرين. ومن هذا المنطلق، فإن التركيز على «تجربة المسافر ورضاه» يُمثّل جوهر فلسفة التشغيل الحديثة، والركيزة الأساسية للحفاظ على التميّز وترسيخ الريادة العالمية.

مساحة إعلانية