رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرّت أيامك سريعًا يا شهر الصيام، ولكن رمضان كعادته يترك وراءه أثرًا باقيًا في القلوب، يختلف كل عام عن العام الذي قبله. فنشعر بالسعادة بحُسن الختام، ونحسّ بفرح الطاعة والالتزام بالعبادة؛ فختام الشهر المبارك ليس مجرد انتهاءٍ للصيام، بل هو حصاد الصبر والاجتهاد. فسبب السعادة الحقيقية مع انتهاء رمضان هو الشعور بأننا تسابقنا في اقتناص الفرص، وأحسنّا استثمار اللحظات، وأتقنّا ختام أعمالنا وأقوالنا بكل خير. فيعمّ مع الختام شعورٌ بالطمأنينة يغمر القلب، بأننا اقتربنا من الله أكثر، وأننا أضفنا طاعةً وذكرًا وعملًا صالحًا إلى سجلاتنا. ونستقبل العيد بفرحةٍ غامرة، كختامٍ بهيج يحمل في طيّاته فرحة الروح وسرور القلوب، ويذكّرنا بأن حُسن الختام جزءٌ أصيل من الرحلة الإيمانية التي عشناها طوال الشهر الفضيل. فالفرحة بالعيد ليست مجرد احتفال، بل هي تتويجٌ للطاعات، وتجسيدٌ لما تعلمناه من قيم، وتجديدٌ للعهد على استمرار الخير. كما أن العيد أجمل فرصةٍ للتآلف، وتقوية الروابط الأسرية والمجتمعية، وفرصة لإدخال البهجة في نفوس من حولنا، فتتضاعف البركة في العطاء، وتسمو النية الصافية. وحُسن الختام أن نجعل هذه الأيام بدايةً للثبات على الأخلاق الحسنة، واستمرار العطاء، ونورًا للقلوب لا ينطفئ بانقضاء الشهر. فاللهم اجعل عيدنا ختامًا مباركًا لشهر الصيام، وافتتاحًا لأيام خيرٍ قادمة، وارزقنا فيه الفرح بالعبادة، والسكينة في القلوب، والمودة بين الناس، ودوام الطاعات التي ترضيك عنا، يا رب العالمين.
768
| 19 مارس 2026
القلوب متشوقة، والعيون مترقبة، والألسن تلهج بالذكر والدعاء في تلك الليلة المباركة التي شرفها الله على سائر الليالي. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 3–4]. وأخبرنا نبينا ﷺ أن قيامها سبب لمغفرة الذنوب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم. فهذه الليلة يمكن أن تُسمّى باللحظة الفارقة في حياة المسلم؛ فليست كل اللحظات التي تمر في حياة الإنسان متشابهة. ولذا تميّزت ليلة القدر لتكون وقتًا من اللحظات الفاصلة التي قد تغيّر المسار، وتترك أثرًا طيبًا؛ لأنها تمحو ما مضى من التقصير والزلل، وتفتح طريقًا جديدًا، وصفحاتٍ مضيئةً مشرقةً في حياة المسلم. وليس المقصود من تحرّي ليلة القدر الاجتهاد في ليلة واحدة فحسب، بل في الليالي التي أخفاها الله لحكمة، ليكون السعي أوسع، والجدّ أشمل، والقلوب أقرب. فالسعيد من أحسن الاستعداد، ولم يُفوّت الفرصة، وجعل كل ليلة مظنّةً للقبول. فتحرّي ليلة القدر ليس مجرد ترقّب لزمان، بل هو استعداد من القلب، وحضور للروح، وانقطاع صادق عن الضجيج. فهي لحظة صفاء تتخفف فيها النفس من أثقالها وعنائها في الدنيا، وتعود إلى ربها برجاءٍ خالص، ودعاءٍ لا تشوبه غفلة. وقد لا يدرك الإنسان علامات ليلة القدر، لكنه يدرك أثرها حين يصدق في طلبها ويجتهد في تحرّيها. وفي هذه الليالي المباركة تتشابه اللحظات في ظاهرها عند عموم المصلين والمجتهدين، لكنها تختلف في حقيقتها وجوهرها؛ فربّ ركعة صادقة، أو دمعة خاشعة، أو دعوة خرجت من أعماق القلب، تكون فاصلةً في حياة صاحبها، فيفتح الله بها بابًا من الخير لا يُسدّ، ويبدّل بها حالًا كان قد أصاب صاحبه اليأس. فاللهم ارزقنا صدق الإقبال، ولا تحرمنا فضل هذه الليلة المباركة، واكتب لنا فيها عفوًا ومغفرة، واجعلها لحظةً فارقة تغيّر قلوبنا وأقدارنا إلى كل خير.
285
| 17 مارس 2026
كل الأعمال نجد لها متسعًا من الوقت لنصل إلى إتمامها، فنستريح أحيانًا، ونؤجل أحيانًا أخرى، ونكسل أحيانًا ثالثة. ولكن هناك أوقات تحمل في طياتها معنى أعمق من مجرد مرور الساعات والدقائق؛ فليست كل لحظة متماثلة، وليست كل الأيام متساوية في قيمتها. فالطاعات والعبادات في رمضان لها وقتها القصير والمحدد، فيجب التسارع والتسابق في اغتنامها. فالوقت في رمضان ليس عاديًا كباقي الشهور، بل مكتوب علينا ومحدد بوقت. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ (184) سورة البقرة. وكون أوقات رمضان مختلفة ليس فقط لوجود فريضة الصيام في هذا الشهر المبارك، أو لتنوع العبادات والطاعات فيه، بل لما يحمله هذا الشهر من فرص للتغيير، وللتقرب من الله، ولإعادة تصفية القلوب وتهذيب النفوس. إنه وقت لا يُقاس بالساعات أو الأيام، بل باللحظات التي تُنقش فيها الطاعة أثرًا، وبالفرص التي يمكن استثمارها في خير دائم على مدار العام. ومن خصائص الوقت في رمضان أن الحسنات تتضاعف وتُفتح أبواب الرحمة والمغفرة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الرحمة، وغُلِّقت أبواب جهنم، وسُلسِلت الشياطين» ولا شك أن هذا أنسب وقت تكون فيه القلوب أكثر تقبلاً للخير، والألسنة أكثر حفظًا للحق، والأرواح أكثر صفاءً. ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل صيام عن كل ما يبعد الإنسان عن رضا الله: عن الغيبة، والكذب، والحقد، والكسل. رمضان فرصة لإعادة اكتشاف الروح، وإعادة ترتيب الأولويات، وإحياء القيم التي قد تلاشت في زحام الحياة اليومية. إنه مدرسة عظيمة لتربية النفس على الصبر والانضباط، ولتقوية الروابط الأسرية والمجتمعية؛ فالتجمع وقت الإفطار والسحور، ومشاركة الفرح والبهجة والسرور مع أهالينا وأحبابنا له طعم مختلف، مما يجعل هذا الشهر محطة لتعميق القيم الإنسانية. وفيه يكتشف الإنسان أن الوقت ليس مجرد مرور لحظات، بل فرصة لعمل يُؤجر عليه. فالأوقات المميزة هي التي تصنع الفرق الواضح في حياتنا، وتجعلنا نراجع أولوياتنا، ونعيد ترتيب مشاعرنا وأفعالنا، وننظر إلى العالم بعيون أكثر يقظة. حين ندرك أن الوقت الذي نعيشه ليس عاديًا، نصبح أكثر حرصًا على استثماره فيما ينفعنا ويقربنا من الله تعالى. لذلك، فمن أدرك قيمة هذا الشهر واستثمر وقته الثمين، ولم يُضيّع لحظة فيه، يصنع لنفسه رصيدًا روحيًا يعينه على إصلاح ذاته سائر العام، وليس فقط في رمضان. اللهم تقبّل منا الصيام والقيام، واجعل أوقاته خيرًا وبركة، واهدنا فيه لفعل الطاعات، واغفر لنا فيه يا رب العالمين.
558
| 15 مارس 2026
مشوار العمر يشبه القطار، يسير على طريق محدد، فيه محطات يقف فيها القطار بالترتيب، ويمكث فيها بعض الوقت ثم يمضي، وهكذا حتى يصل إلى نهاية الرحلة. ولا أبالغ حين أقول إن عمرك هو ثروتك الحقيقية ورأس مالك في الدنيا؛ فيجب الحفاظ على كل دقيقة من عمرك، والخوف من ضياعها بدون فائدة وأجر. فالناس يتسابقون في جمع الثروات، بل ويقيس كثيرون النجاح بما يملكون من مال أو منصب، بينما تغيب عنهم أعظم ثروة يمتلكها الإنسان منذ ولادته: العُمر. فهو الرصيد الوحيد الذي ينقص كل يوم، ولا يمكن تعويضه مهما عظمت المكاسب. العمر ليس عدد السنوات، بل ما يملأ به العبد السجلات، وما يتركه من أثر بعد الممات. فقد يطول العمر ويخلو من الإنجاز، وقد يقصر ويزخر بالعطاء. الفرق لا تصنعه الظروف وحدها، بل تصنعه طريقة استثمار الوقت في هذا العمر، وحسن توجيه الجهد، والوعي بقيمة اللحظة قبل أن تنقضي بلا رجعة. وإذا تأملنا مسألة السؤال عن العمر، وجدنا الأمر مخيفًا ويستحق اليقظة قبل فوات الأوان. فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم؟» رواه الترمذي. فيجب عليك الاهتمام بثروتك الحقيقية؛ فكل يوم يمر هو جزء من هذه الثروة، إما أن يضاف إلى رصيد نافع لك، أو يُهدر في فراغ لا فائدة فيه. فهناك ساعات تضيع في لهو لا يترك أثرًا نافعًا، وأيام تُستهلك في قلق وتوتر لا يغير واقعًا، بينما كان يمكن لتلك اللحظات أن تكون علمًا ينتفع به، أو خيرًا يُقدّم للغير، أو علاقة تُبنى جسورًا من التواصل والود. وحين يدرك الإنسان أن عمره هو رأس ماله الحقيقي، تتغير نظرته للأولويات، ويصبح أكثر حرصًا على وقته، وأبعد عن الملهيات، وأقرب لما ينفعه في دنياه وآخرته. فالعاقل لا يفرط في ثروة يعلم أنها لا تعوض. في النهاية، لا يسأل الإنسان عما جمع، بقدر ما يسأل عما صنع بما أُعطاه الله من نعم في حياته. اللهم بارك لنا في أعمارنا، وأعنا على حسن استثمارها، واجعلها شاهدة لنا لا علينا، يا رب العالمين.
252
| 14 مارس 2026
الاحترام هو صلب العلاقات بلا منازع، وهو الأساس الذي تُبنى عليه مختلف الروابط الإنسانية؛ من زواج وقرابة وصداقة وزمالة. وليس الاحترام سلوكًا عابرًا أو مجاملة اجتماعية، بل ثقافة راسخة تعبّر عن وعي الإنسان ورقيّه وأصله الطيب وقيم المجتمع الذي ينتمي إليه. فحين يسود الاحترام تزدهر العلاقات، وتقلّ الخلافات، ويشعر الأفراد بالأمان النفسي والانتماء الحقيقي. والاحترام في صورته العملية يظهر في أبسط التفاصيل؛ في اختيار الكلمة الطيبة، وتجنّب الكلمة الجارحة، وفي نظرة التوقير بدل الاحتقار، والبعد عن الهمز واللمز. ومنه أيضًا احترام آراء الآخرين والإنصات لهم، ومراعاة الفروق الفردية في الفهم تبعًا لاختلاف البيئات والمستويات التعليمية والثقافية. ومن صميم الأخلاق الإسلامية احترام عقائد الناس، وهو مما كان سببًا في انتشار هذا الدين الحنيف، مع الاعتزاز بمعتقداتنا والفخر بها. فالاحترام يقوم على أساس الإنسانية لا الطبقية؛ ففقر الإنسان أو غناه لا ينقص من قدره، كما أن الإسلام يقدّر جهد الإنسان وتعبه، ويحترم المريض والضعيف وأصحاب الهمم، ويراعي ظروفهم دون أن يوقعهم في الحرج. وحتى المخطئ يُعامل باحترام، ويُوجَّه برفق دون جرح أو إساءة. والاحترام لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل الجماعات، فلا سخرية من عادات الشعوب ما دامت لا تخالف الشرع. وهو لا يعني الاتفاق الدائم، بل الاختلاف بأدب، والتعبير دون تجريح، وحفظ إنسانية الآخرين مهما تباينت الآراء. فالمجتمعات التي تُرسّخ ثقافة الاحترام منذ الصغر تبني أجيالًا متزنة قادرة على الحوار، بعيدة عن العنف اللفظي والسلوكي. أما غياب الاحترام فيحوّل الخلاف إلى صراع، ويُضعف لغة التواصل بين أفراد المجتمع. وللأسرة الدور الأبرز في غرس هذه القيمة، يليها التعليم والإعلام، فالقدوة أبلغ من القول، والممارسة أصدق من الشعار. إن الاهتمام بثقافة الاحترام استثمار حقيقي في استقرار المجتمع وتماسكه، وهو الطريق الأقصر لبناء بيئة إنسانية راقية. فاللهم جمّلنا بخلق الاحترام، واجعل أقوالنا وأفعالنا شاهدة على رقيّنا وسموّ نفوسنا.
255
| 11 مارس 2026
المجتمعات المتقدمة هي من يملك سكانها قدرًا كبيرًا من الإيجابية التي تساهم في ازدهار البيئة من حولهم. فلا تُقاس الدول بما تملكه من موارد طبيعية فحسب، بل بما يملكه مواطنوها من وعي؛ الوعي الذي يحسن توظيف هذه الموارد، ولديهم إيجابية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص. فالوعي والإيجابية ليست رفاهية شخصية، بل ضرورة مجتمعية لا غنى عنها في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المؤثرات. فالوعي هو البوصلة التي تحمي المجتمع من الانجراف خلف الشائعات، أو اللهث وراء المضللين، أو الانسياق وراء الإحباط واليأس الذي يبثه الأعداء في كل وقت وحين. والنضج الفكري هو الذي يمنح الفرد القدرة على الفهم والتحليل، والتمييز بين النقد البناء والتشكيك الهدام. ونأتي إلى دور الإيجابية في بناء المجتمعات، فنجدها بمثابة الوقود الذي يدفع المجتمع إلى العمل، ويحوّل المعرفة إلى سلوك، والفهم إلى مبادرة. ولا تعني الإيجابية تجاهل المشكلات والظواهر الخاطئة من أجل تزيين الواقع، بل تعني مواجهتها بعقل واعٍ، ونفس واثقة، وإرادة تبحث عن الحل لا عن الأعذار. فالمجتمع الواعي لا ينكر أخطاءه، لكنه لا يسمح لها أن تشل حركته، ولا أن تسرق منه الأمل في مستقبل أفضل. إن بناء الوعي مسؤولية مشتركة، تبدأ بذورها في محيط الأسرة، وتمتد إلى المدرسة، وتترسخ عبر الإعلام وأصحاب الفكر والقلم وجهود الصادقين في الإصلاح وحب الوطن العزيز. فيجب الاهتمام بنشر التوعية المستمرة في كل مجالات المجتمع، لأنه كلما ارتفع منسوب الوعي، زادت قدرة المجتمع على التماسك، وقلت فرص العبث بعقول شبابنا وبناتنا، مما ينفي الفرقة بين أفراد المجتمع الواحد. ولنعلم جميعًا أن المجتمعات لا تنهض بالصوت العالي، ولا بالشعارات الرنانة، ولا بالفلسفة الفارغة، بل بالفكر العميق والوعي، ولا تستمر بالشكوى والاستنكار، بل تحتاج إلى إيجابية وعمل دؤوب. نسأل الله أن يوفق مجتمعاتنا لكل خير، وأن يرزقها وعيًا راشدًا وإيجابية صادقة، ويجعلنا جميعًا مفاتيح للخير، مغاليق للشر.
261
| 10 مارس 2026
الاحتساب خُلُقٌ يتمتع به أصحاب القلوب التقيّة المخلصة، المستسلمة لله تعالى في كل كبيرة وصغيرة، تُسلِّم الأمر كله لله. ودائمًا نُردِّد أن الاحتساب تجارة المخلصين، وملاذ الخائفين. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 2–3]. فنجد في حياة الإنسان محطاتٍ كثيرة يمر بها، دون أن يدرك أن أعظم ما يملكه ليس ما في يده، بل ما في قلبه من نيةٍ طيبة خالصة لوجه الله تعالى. فالاحتساب ليس مجرد كلمة أو شعارٍ عابر، بل هو بطاقة اكتساب حقيقية، يُحوِّل بها المؤمن تفاصيل حياته إلى رصيدٍ من الأجر لا ينقطع. حين يحتسب الإنسان تعبه، وصبره، وسعيه، وحتى لحظات ضعفه، كل ذلك لله وفي سبيله، بكل رضا وقبول وإذعان؛ فإنه لا يعيش الخسارة نفسها التي يعيشها غيره. فالألم مع الاحتساب يختلف، والانتظار معه يهون، والعمل معه يسمو. فالاحتساب لا يغيّر الواقع، لكنه يغيّر موقعك منه، ويمنحك معنى أوسع مما تراه العين بالنظرة العادية للأمور؛ فعين المحتسب ترى الأمور ببصيرة وفهم يهوِّن عليها الصعوبات والمشقات. فكم من أعمالٍ متشابهة في ظاهرها، لكنها مختلفة في ميزانها؛ هذا يعمل فيكسب مالًا، وذاك يعمل فيكسب أجرًا وأثرًا. والفرق لم يكن في الجهد، بل في النية. فالاحتساب يجعل من العمل رسالة، ومن الصبر عبادة، ومن البذل تجارة رابحة مع الله. وفي زمنٍ تُقاس فيه المكاسب بالأرقام، يبقى الاحتساب أعظم استثمار، لا يخضع لتقلّبات السوق، ولا يتأثر بضجيج الحياة. هو رصيد صامت، لكنه حاضر، يرافق الإنسان في سريرته وعلانيته، ويمنحه طمأنينة لا تُشترى بالأموال. فالمسلم الفطن حقًا هو من لا يترك لحظة تمر دون نيةٍ صادقة طيبة، ولا موقفًا يخلو من احتسابٍ لوجه الله وحده. نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الاحتساب في السرّاء والضرّاء، ويجعل أعمالنا مضاعفة الأجر، وقلوبنا مخلصة له، يا رب العالمين.
534
| 09 مارس 2026
ما أجمل أن تُقبل على عبادتك بشكلٍ مستمر ودائم، فتصير كأنها عادةٌ لا تُقصِّر فيها ولا تتركها، ولكن انتبه لروح العبادة وجوهرها؛ حتى تستشعر لذة الطاعة، بل وتصل إلى حلاوة الإيمان التي لا ينالها إلا أهل التوفيق والقبول. ويظن كثيرون أن العبادة محصورة في أوقات محددة وأفعال معروفة، دون التعمق في جوهر العبادات وما تحمله من هدايات ربانية للنفس البشرية، لتتربى على منهجٍ سليم وسلوكٍ قويم. فيجب أن نعلم أن الطاعات تفتح لنا أبوابًا واسعة من القرب إلى الله تعالى، فحين تتحول العادات اليومية إلى أعمال تُؤدّى بروح العبادة، إلى جانب العبادات المفروضة، تجد وقتك كله لله، وتزيد البركة لتشمل تفاصيل حياتك كلها. فعلى سبيل المثال، حين يخرج الإنسان إلى عمله بنية الكسب الحلال، وحين يجلس مع أسرته بقصد الإحسان وإدخال السرور عليهم، وحين يبتسم في وجوه الآخرين ابتغاء الأجر؛ تتحول العادة إلى عبادة، ويتحوّل الروتين إلى أجر وثواب. فلا تشعر أن العبادة عبءٌ ثقيل، بل روح تسري في كل حركة وسكنة من وقتك. فالعادات اليومية تحمل طاقة عظيمة يجب استثمارها، حتى التفاصيل الصغيرة فيها؛ لأنها هي التي تصنع الإنسان المتوازن، وتغرس في قلبه الشعور الدائم بمراقبة الله، وحسن القصد. والمشكلة ليست في قلة الطاعات، بل في غياب النية عن كثير من أفعالنا. ولو صلحت النية، لاتّسعت أبواب الخير، ولأصبح اليوم كله عبادة لا تنقطع. وهنا تتجلّى رحمة الله، إذ لم يجعل القرب منه حكرًا على وقتٍ أو مكان، بل فتحه لكل من أراد الوصول إلى مرضاته. اللهم ارزقنا نيةً صادقة، واجعل عاداتنا طاعات، وأيامنا قربًا منك، وأعمالنا خالصةً لوجهك الكريم.
294
| 08 مارس 2026
لقد أسبغ الله تعالى على عباده نعمه ظاهرة وباطنة، ومن أجلّ هذه النعم وأعلاها قدرًا نعمة الأمن والأمان التي لطالما نتقلب فيها ليل نهار، وقليل ما نستشعر قيمتها في حياتنا، بل ربما نهمل شكرها وحمد الله على وجودها حولنا. فيعرف الناس قيمة الأمن في أزمنة الاستقرار، لكنهم في أزمنة الفتن يدركون ضرورة وجود هذه النعمة العظيمة في حياتهم. فالأمن غذاء للروح وليس مجرد كلمة، بل شعور وسكينة تعم جوانب النفس، وركيزة أساسية تقوم عليها مصالح الدين والدنيا. ومن أعظم أسباب حفظ الأمن واستمرار الاستقرار: طاعة ولي الأمر، والاجتماع عليه، ونبذ الفوضى والفرقة والخلاف ومثيري الاضطراب. فالشرع الحكيم أقر مبدأ السمع والطاعة وشدد عليه حمايةً للناس من التنازع، وسدًا لباب الفوضى. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} النساء: 59 فجعل الخالق سبحانه طاعة أولي الأمر في سياق الطاعة لله ورسوله، لأنها تحفظ وحدة الصف، وتمنع التفرق والاختلاف الذي يؤدي إلى الضعف والانهيار لا قدر الله. وطاعة ولي الأمر يعلم قدرها ذوو العقول الواعية والنظرة الثاقبة لمجريات الأمور وتطورات الأحداث، والطاعة التزام منضبط بضوابط الشرع، قائم على تحقيق المصالح العامة، ودفع المفاسد الكبرى. فالمجتمعات لا تستقيم بالفوضى، ولا تبنى بالمناشدات والعبارات العاطفية، وإنما تقوم على نظام تحترم فيه العهود والمواثيق، وتراعى فيه المصالح، وتقدر فيه العواقب كذلك. وفي زمن الأزمات والحروب والاضطرابات تشتد الحاجة إلى ترسيخ مبدأ الطاعة لولي الأمر، والتمسك والاعتصام والالتحام فيما بيننا، لأن قوتنا بعد الله سبحانه في اتحادنا وترابطنا، يدًا واحدة تحت ظل قيادة حكيمة رشيدة تعبر بنا إلى بر الأمان بإذن الله في زمن الفتن التي لم تفرق بين مصيب ومخطئ، ولا بين مصلح ومفسد. ومن هنا كان لزوم الطاعة لله ولرسوله ولولي الأمر، واجتماع الكلمة، وتغليب المصلحة العامة، لأنها صمام أمان للوطن يحول دون الانزلاق إلى مسارات مجهولة العواقب. فحين نعي قيمة الاجتماع والوحدة وندرك خطورة الفرقة، ونتعامل بعقل راشد في زمن الاضطرابات والفتن، نكون قد أسهمنا بحق في حماية الوطن، وحفظ المجتمع، وصيانة المستقبل بإذن الله. اللهم احفظ وطننا الغالي من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجمع كلمتنا على الحق، وبارك اللهم في قيادتنا الرشيدة وهيئ لها البطانة الصالحة، وأدم علينا جميعاً نعمة الأمن والأمان والرخاء الاستقرار على البلاد والعباد.. اللهم آمين.
300
| 07 مارس 2026
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة التوحيد، وبارك في أعمارنا لنُدرك رمضان؛ هذا الموسم العظيم من مواسم الخير التي تظلّنا طوال العام، فتوقظ القلوب من الغفلة، وتحث الأبدان على علو الهمة في بذل الطاعات، ونتعرض فيها لنفحات ربنا، فيشعر المسلم بعبيرها الذي تترقبه الأرواح قبل العقول. فلهذا الشهر الكريم نفحات ينتظرها الجميع، لأنها تأتي محمَّلة بالطمأنينة، وتمنح الإنسان فرصة نادرة لمراجعة نفسه، وتجديد صلته بربه، وترميم ما أفسدته زحمة الحياة. فلنسارع إلى تهيئة القلوب حتى نتعرض لهذه النفحات المباركة. فعن محمد بن مسلمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها، فلا تشقوا بعدها أبدًا) رواه الطبراني. فهذه النفحات الرمضانية، القصيرة المدى، لا تُقاس بطول الوقت، بل بعمق الأثر. قد تكون في دعاء بيقين قبل الإفطار، أو ساعة مناجاة في هدوء قبل الفجر، أو دعاء صادق لمن تحب، أو دمعة خاشعة، أو شعور داخلي بالسكينة لا سبب له إلا القرب من الله. وهي نفحات لا تحتاج استعدادًا شكليًا بقدر ما تحتاج قلبًا حاضرًا، ونية صادقة، وابتعادًا عن الضجيج الذي يثقل الأرواح. والجميل في هذه النفحات أنها لا تفرّق بين غني وفقير، أو مشغول ومتفرغ، بل تفتح أبوابها لكل من طرقها بصدق. لكنها قد تمر خفيفة على من شغلته الملهيات، وثقيلة بالخير على من انتبه لها واستثمرها. فالسعيد من أدرك قيمتها قبل أن تنقضي، وجعلها نقطة تحوّل لا مجرد ذكرى عابرة. إن أعظم الخسارة أن تمر هذه النفحات الرمضانية دون أن تترك أثرًا في أخلاقنا، أو سلوكنا، أو علاقتنا بالله وبالناس. فالعبرة ليست في انتظارها فقط، بل في حسن استقبالها، وحفظ أثرها بعد رحيلها. اللهم لا تحرمنا نفحات هذا الشهر الكريم، واجعلها حياةً لقلوبنا، ونورًا لصدورنا، ونجاحًا وفلاحًا لنا في الدنيا والآخرة، يا رب العالمين.
654
| 04 مارس 2026
يشمل روتين حياتنا اليومية جزأين رئيسين: حق الأسرة ومتطلبات العمل. وفي ظل تزاحم الاثنين معًا، وصعوبة الحياة، وسرعة وتيرتها، يقف الإنسان حائرًا بين متطلبات العمل وحقوق أسرته، وكأن عليه أن يختار أحد الطريقين ويهمل الآخر. غير أن الإنجاز الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بينهما، بل في صنع التوازن؛ فذلك التوازن هو الذي يحفظ لنجاح العمل قيمته، وللاستقرار الأسري روحه. فالعمل ضرورة، وبه تتحقق الكرامة ويُبنى المستقبل، لكن الإفراط فيه قد يحوّل الإنجاز إلى عبء، ويجعل النجاح ناقصًا إذا كان ثمنه الأبناء أو الزوجة أو دفء البيت. وفي المقابل، فإن الانشغال الكامل بالأسرة دون تنظيم، أو سعي، أو طموح للتقدم والنجاح، قد يفقد الإنسان ثقته بذاته وتقديره لنفسه، ويورثه قلقًا وضيقًا في القلب. وهنا يظهر دور الوعي في ترتيب الأولويات، وفهم أن الوقت طاقة، إن أُحسن توزيعها بارك الله فيها. وصنع التوازن يبدأ من إدراك الإنسان أن الأسرة ليست هامشًا يُؤجَّل، بل هي الأساس الذي يمنح العمل معناه الحقيقي. فنحن نعمل لأجل الأسرة، وتحسين معيشتها، وتوفير حياة كريمة لها، فلا يطغى ذلك العمل على حقوقها. فساعة تقضيها مع أبنائك بهدوء، أو جلسة هادفة مع أسرتك دون انشغال بمشكلات العمل، قد تصنع أثرًا يفوق أيامًا من الغياب. كما أن احترام وقت العمل، والالتزام به دون إسراف أو تجاوز، يخفف الضغط، ويمنح الإنسان مساحة أوسع للحياة. والتوازن لا يعني المثالية الدائمة، بل المحاولة الواعية، والتصحيح المستمر. فكلما طغى جانب على الآخر، راجعنا أنفسنا، وأعدنا التوازن لحياتنا. فالمهم أن نبقى منتبهين، وألا نسمح للعمل أن يسرق أعمارنا، ولا للأسرة أن تكون ضحية طموح طاغٍ. ولنعلم أن الناجح حقًا هو من يعود إلى بيته مطمئنًا، يحمل إنجازًا يفتخر به، وقلوبًا تفرح بعودته. فاللهم بارك لنا في أوقاتنا، وأعنّا على أداء حقوق أعمالنا وأسرنا، واجعل بيوتنا سكينة، وأعمالنا في مرضاتك، يا رب العالمين.
288
| 01 مارس 2026
لقد كثرت الملهيات في عصرنا الحالي على خلاف ما عهدناه في ماضينا، بل تحوّلت إلى نمطٍ يومي يسرق الوقت بهدوء دون أن نشعر، ويأتي في مقدمتها الأجهزة الذكية والجوالات التي تقتحم حياتنا دون استئذان. وفي شهر رمضان من كل عام، نُكرر على أنفسنا سؤالًا مهمًا: كيف نعيش روح الشهر؟ فنجد الإجابة واضحة ولا تحتاج إلى كثير تفكير؛ إذ يجب علينا ترك الملهيات، والتخفف بدرجة كبيرة من هذه الأجهزة التي تسرق منا الأوقات. لأننا ببساطة لا يمكننا التلذذ بالطاعات والعبادات وقلوبنا مزدحمة بحب اللهو ومضيعة الوقت، وعيوننا معلّقة بالشاشات والهواتف، وأوقاتنا موزعة بين المتابعات والإشعارات. فرمضان موسم طاعة وعبادة، ومحطة لمراجعة الحسابات مع الله، وفرصة لتخلية القلوب وتهيئة النفوس لمزيد من الطاعات والأعمال الصالحة. فلا وقت لزيادة الانشغال بما لا نفع فيه ولا فائدة. فأوقاتنا في رمضان كنز ثمين يجب استغلاله في مرضاة الله. وإن كان استغلال الفراغ أمرًا مأمورين به في كل وقت، فإن الاستفادة منه في رمضان أعظم وأنفع. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري. فرمضان شهر تخلية القلوب، وتهذيب النفوس، وتقوية الروابط والصلات. وإذا نظرنا إلى واقعنا في الماضي القريب، قبل عصر الانفتاح والتطور التقني، وجدنا الحياة ممتعة بكل تفاصيلها، تعمها البساطة التي تؤلف القلوب وتقوي العلاقات. فالإفراط في استخدام الأجهزة حوّل كثيرًا من أشكال التواصل إلى مكالمة أو تعليق أو مشاركة، وهو تواصل غير حقيقي بعيد عن الواقع. فنجد أوقاتنا تضيع حتى في الاجتماعات، ولو كانت في رمضان؛ فالجميع مشغول بهاتفه، ويصبح الحضور بلا معنى ولا نفع، ويشعر الجميع بالوحدة رغم اجتماعهم في مكان واحد. وهذا الأثر السلبي للتعلق الزائد بالأجهزة والهواتف يشمل الأسر والعائلات والمجتمعات؛ فتضعف الحوارات، وتتراجع قيم المشاركة، ويختفي الإصغاء الحقيقي، ويُستبدل بالتصفح السريع. فرمضان فرصة ثمينة لإحياء الجلسات العائلية وتقوية العلاقات من جديد. وترك الملهيات لا يعني القطيعة التامة مع التقنية، بل ضبط استخدامها، ومنح النفس فترات صيامٍ عن الشاشات كما نصوم عن الطعام والشراب؛ فالعبرة ليست في كثرة الساعات، بل في جودة الوقت الذي نعيشه. وفي الختام، نسأل الله أن يعيننا على اغتنام أوقات رمضان، وأن يصرف قلوبنا عمّا يلهينا عن ذكره، وأن يبارك لنا في أعمارنا وأوقاتنا، ويجعل هذا الشهر شاهدًا لنا بكل خير. يا رب العالمين، اللهم آمين.
432
| 28 فبراير 2026
مساحة إعلانية
كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو...
3438
| 11 أبريل 2026
-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية...
3057
| 12 أبريل 2026
بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز...
1152
| 12 أبريل 2026
في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، تواصل...
870
| 10 أبريل 2026
سلوى الباكر الثقة ليست شعارًا يُرفع في الاجتماعات،...
825
| 10 أبريل 2026
تخيل هذا المشهد: شخص يتعثر ويسقط في مجمع...
753
| 15 أبريل 2026
في الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: من...
744
| 10 أبريل 2026
مرت على شواطئنا رياحٌ عاتية، تلاطمت فيها الأمواج...
726
| 14 أبريل 2026
حين تضرب الأزمة، يتحرك الإعلام. تُفتح غرف الأخبار،...
711
| 09 أبريل 2026
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل...
648
| 15 أبريل 2026
• نعيش في وطن لم يجعل أمن الإنسان...
603
| 09 أبريل 2026
ليست المؤسسات الكبرى تلك التي تكتفي بما أنجزته،...
594
| 14 أبريل 2026
مساحة إعلانية