رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رحلة بين ما فقدته.. وما أصبحته

في مثل هذا اليوم… لا أعدّ السنوات بقدر ما أستعيد الطريق. أقف بهدوء بين ما كان وما أصبح، وأتأمل كيف مرّت الأيام، لا كأرقام على التقويم، بل كتجارب حفرت معناها في داخلي. يوم ميلادي لم يعد مجرد مناسبة للاحتفال، بل صار مساحة للتأمل… لحظة أراجع فيها نفسي بصدق، وأصافح فيها تلك النسخة القديمة مني، التي حاولت، وتعثّرت، ثم نهضت من جديد. لم تكن الرحلة سهلة، ولم تكن الطرق دائمًا ممهدة، لكن في كل منعطف كان هناك درس ينتظرني، وفي كل تحدٍ كان هناك جزء مني يتشكّل وينضج. تعلمت أن القوة ليست في أن لا نسقط، بل في أن نعرف كيف ننهض دون أن نفقد إنسانيتنا. تعلمت أن بعض الخسارات كانت في حقيقتها إنقاذًا، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت كانت تحميني من طرق لا تشبهني. لم أفهم ذلك في حينه، لكنني اليوم أراه بوضوح… أراه بنضجٍ لم أكن أملكه من قبل. كبرتُ… نعم، لكن ليس بالعمر فقط، بل بالفهم، بالصبر، وبالقدرة على احتواء الحياة كما هي، لا كما أريدها أن تكون. صرت أُقدّر التفاصيل الصغيرة، وأمنح نفسي الحق في التباطؤ أحيانًا، وفي البدء من جديد دون خوف أو تردد. لم أعد أبحث عن الكمال، بل عن السلام… ذلك السلام الذي يجعلني أتصالح مع نفسي، وأرضى بما وصلت إليه، وأثق أن القادم يحمل لي ما أستحق. وفي كل عام، أكتشف أن النضج لا يأتي فجأة، بل يتسلل إلينا عبر المواقف، عبر الصبر الطويل، عبر الدموع التي لم يرها أحد، والانتصارات الصغيرة التي شعرنا بها وحدنا. هو ذلك الإحساس الهادئ بأننا أصبحنا أكثر وعيًا، وأكثر رحمة بأنفسنا وبالآخرين. في يوم ميلادي، أمتنّ لكل ما مررت به… لكل لحظة ضعف جعلتني أقوى، لكل تجربة صقلتني، ولكل إنسان كان جزءًا من رحلتي، سواء بقي أو رحل. أمتنّ لنفسي التي لم تستسلم، والتي اختارت دائمًا أن تستمر رغم كل شيء. أستقبل عامًا جديدًا، لا وأنا أبحث عن حياة مثالية، بل وأنا أكثر استعدادًا لأن أعيشها بصدق. أحمل قلبي بخفة، وأحلامي بثقة، وأمضي… لأنني تعلمت أن الجمال لا يكمن في أن تكون الطريق سهلة، بل في أن نكون نحن أقوى، أهدأ، وأكثر نضجًا في مواجهتها. وعقبال عمرٍ طويلٍ مليءٍ بالخير والسلام… ونضجٍ يزداد عامًا بعد عام “لا أعدّ عمري… بل أعدّ كم مرة نهضتُ، وكم مرة اخترتُ نفسي رغم كل شيء.”

252

| 06 مايو 2026

معًا نتجاوز الأزمات.. خليجنا واحد

في ظل الظروف السياسية الراهنة والحروب التي تهز بعض المناطق، أثبتت دول الخليج أن التماسك والتعاون هما أساس قوتها واستقرارها. لم تقف هذه الدول متفرجة، بل وقفت يدًا واحدة، متماسكة، متضامنة، لتؤكد أن وحدتنا ليست مجرد شعار، بل واقع نعيشه يوميًا في تعاملنا مع التحديات والأزمات. هذه الوحدة تجسد روح الخليج الأصيلة، حيث يقف الجميع جنبًا إلى جنب، يدًا بيد، من أجل حماية حاضرهم ومستقبلهم، وتحويل المحن إلى فرص للنمو والتقدم. ليست الأزمات غريبة على حياتنا، فهي تأتي دون استئذان، تحمل معها القلق والاضطرابات، وتفرض تحديات قد تبدو أكبر من قدرتنا في بعض الأحيان. لكن الشعوب الخليجية أثبتت مرارًا أن التكاتف والتعاون في الشدائد يولّد قوة جديدة، ويحوّل المحن إلى فرص لصنع مستقبل أكثر استقرارًا وصلابة. فالتحديات مهما عظمت، تصبح أقل وطأة عندما نواجهها بروح مشتركة، ونتشارك المسؤولية مع بعضنا البعض. حين نقول “خليجنا واحد”، نحن لا نتحدث عن حدود جغرافية فقط، بل عن روح مشتركة وقيم متجذرة تجمعنا مهما اختلفت الظروف. تاريخنا المشترك يذكرنا دومًا بأن الوقوف معًا ليس خيارًا، بل ضرورة لمواجهة الأزمات. التضامن بين الدول والشعوب هو الذي يعزز القدرة على تجاوز أي محنة، مهما كانت صعبة أو مفاجئة، ويمنح الجميع شعورًا بالأمان والثقة في المستقبل. الأزمات تكشف معادن الناس والدول على حد سواء، وتظهر من يقف بصدق ومن يتراجع عند الصعوبات. نحن، كأبناء هذا الخليج، تعودنا أن نكون في الصفوف الأولى عند الحاجة، ندعم بعضنا، نخفف عن بعضنا، ونقف معًا، لأن ما يصيب دولة أو شعبًا منا، يمس الجميع. هذا الإحساس بالمسؤولية المشتركة هو ما يمنحنا القوة على الاستمرار مهما كانت التحديات، ويعزز الثقة بين الشعوب والدول، ويعيد تأكيد أن الوحدة هي الحصن المنيع ضد أي تهديد أو أزمة. قد تختلف طبيعة الأزمات، اقتصادية كانت أم سياسية، صحية أو اجتماعية، لكن الرد دائمًا واحد: التكاتف والتعاون. القوة الحقيقية ليست في الفرد أو الدولة وحدها، بل في الجماعة المتماسكة، في شعورنا العميق بأننا جزء من كيان واحد، وأن تضامننا هو الذي يحمي حاضرنا ويصون مستقبلنا. أحيانًا، أبسط المبادرات تصنع فرقًا كبيرًا. الدعم المتبادل، المبادرات الإنسانية، التواصل والتنسيق بين الدول والشعوب، كل ذلك يترك أثرًا عميقًا في مواجهة الأزمات. هذه المبادرة تمثل روح التضامن والخير التي تميزنا كخليجيين، وتعيد لنا الثقة بأن وحدتنا هي الدرع الأقوى في أصعب الظروف. في النهاية، سيبقى الخليج قويًا ما دامت قلوبنا متقاربة، وما دمنا نؤمن أن وحدتنا ليست خيارًا، بل أساس وجودنا واستمرارنا. فالأزمات قد تمر، لكن روح التعاون والتماسك بين دولنا وشعوبنا هي ما يبقى، ويكبر مع الزمن، ويذكر العالم بأن الخليج نموذج في التضامن والنجاح المشترك.

372

| 21 أبريل 2026

حين نؤجل الفرح… نخسر الكثير

كثير من الناس يعيشون حياتهم وكأن الفرح موعد مؤجل، ينتظرون ظرفًا أفضل أو وقتًا مناسبًا أو إنجازًا أكبر حتى يسمحوا لأنفسهم بالشعور بالسعادة. يقولون: سأفرح عندما أنتهي من هذا العمل، عندما يكبر أطفالي، عندما تتحسن الظروف، عندما يتحقق هذا الحلم. وهكذا تمر الأيام، وربما تمر سنوات، وهم ينتظرون اللحظة المثالية التي قد لا تأتي أبدًا. الحقيقة أن الحياة لا تسير دائمًا كما نخطط لها، ولا تمنحنا كل ما نتمنى في الوقت الذي نريده. هناك دائمًا مسؤوليات وضغوط وأحداث غير متوقعة. ولو قرر الإنسان أن يؤجل الفرح حتى تزول كل المتاعب، فقد يجد نفسه يعيش عمره كله في حالة انتظار. الفرح ليس حدثًا كبيرًا فقط، بل هو لحظات صغيرة مبعثرة في تفاصيل يومنا العادي. قد يكون في فنجان قهوة هادئ في الصباح، أو في مكالمة مع صديق قديم، أو في ضحكة عفوية مع طفل. أحيانًا يكون الفرح في لحظة هدوء بعد يوم طويل، أو في شعور الامتنان لما نملكه، مهما بدا بسيطًا. نحن للأسف نمر على هذه اللحظات سريعًا دون أن ننتبه لها، وكأنها أشياء عادية لا تستحق التوقف عندها. لكن لو تأملنا قليلًا، سنكتشف أن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع جمال الحياة الحقيقي. فالسعادة ليست دائمًا في الأحداث الكبيرة، بل في قدرتنا على رؤية النور في الأشياء البسيطة. الأصعب من ذلك أن بعض الناس يعيشون حياتهم وهم قلقون من المستقبل أو عالقون في ذكريات الماضي. يفكرون كثيرًا فيما حدث، أو فيما قد يحدث، فينسون أن يعيشوا اللحظة التي بين أيديهم الآن. وكأنهم يتركون الحاضر يمر دون أن يلمسوه فعلاً. الحياة أقصر مما نتصور، والأيام تمضي بسرعة أكبر مما نتوقع. لذلك ربما علينا أن نتعلم درسًا بسيطًا لكنه عميق: لا تؤجلوا الفرح. لا تنتظروا المناسبة الكبيرة حتى تبتسموا، ولا تربطوا سعادتكم بشروط كثيرة. فالحياة ليست محطة نصل إليها بعد سلسلة طويلة من الانتظار، بل هي رحلة نعيشها لحظة بلحظة. وكل يوم يمر يحمل في طياته فرصة صغيرة للفرح إن أحسنا ملاحظتها. أحيانًا يكفي أن نبطئ خطواتنا قليلًا، وأن ننظر حولنا بعين أكثر امتنانًا، لنكتشف أن هناك الكثير مما يستحق أن نفرح به. عيشوا اليوم وكأنكم ضيوف أعزاء في حياتكم. دللوا أنفسكم أحيانًا، امنحوا قلوبكم لحظات من الراحة، وتذكروا أن الفرح ليس ترفًا، بل حاجة إنسانية تساعدنا على الاستمرار في مواجهة تحديات الحياة. ربما لن تكون الحياة خالية من الصعوبات، ولن تختفي الهموم تمامًا، لكننا نستطيع رغم ذلك أن نخلق لأنفسنا مساحات صغيرة من السعادة. كلمة طيبة، لحظة تقدير، أو حتى وقفة صادقة مع النفس نشكر فيها الله على ما لدينا. وفي نهاية الأمر، قد لا نتذكر تفاصيل كل الأيام التي عشناها، لكننا بالتأكيد سنتذكر اللحظات التي شعرنا فيها بالدفء، بالحب، وبالطمأنينة. تلك اللحظات الصغيرة التي بدت عادية في وقتها، لكنها مع الزمن تصبح أجمل ذكرياتنا. لذلك، لا تؤجلوا أن تعيشوا… فالحياة لا تنتظر أحدًا، واللحظات التي تمر لن تعود مرة أخرى. عيشوا يومكم بامتنان، وامنحوا قلوبكم حقها من الفرح، فربما تكون هذه اللحظة البسيطة التي تعيشونها اليوم هي الذكرى الجميلة التي سترافقكم غدًا.

1650

| 02 أبريل 2026

العيد.. حين كانت البساطة تصنع الفرح

كان العيد حين كنّا صغارًا مختلفًا تمامًا عمّا نعيشه اليوم… لم يكن مجرد مناسبة عابرة، بل كان شعورًا متكاملًا يسكن تفاصيلنا منذ لحظة انتظاره وحتى آخر يوم فيه. كنا نعدّ الأيام بلهفة، نراقب اقتراب العيد وكأننا ننتظر حدثًا استثنائيًا يغيّر ملامح الحياة كلها. كانت فرحتنا بسيطة… لكنها عميقة. ملابس العيد، رغم بساطتها، كانت كفيلة بأن تجعلنا نشعر أننا نملك الدنيا. كنا نرتديها بفخر، وننظر إلى أنفسنا بعيون مليئة بالدهشة والسعادة. لم نكن نقارن، ولم نكن نبحث عن الأغلى أو الأجمل بمعايير الناس، بل كان كل شيء يبدو جميلًا لأن قلوبنا كانت ممتلئة بالرضا. العيدية كانت قليلة، لكنها تحمل قيمة كبيرة في نفوسنا. لم تكن مجرد نقود، بل كانت رمزًا للحب والاهتمام. كنا نخطط كيف سننفقها، ونفرح بها كأنها كنز. الأهم من ذلك، كانت تجمعنا لحظات لا تُنسى مع الأهل والأقارب. البيوت في ذلك الوقت كانت نابضة بالحياة… الأبواب مفتوحة، والزيارات لا تحتاج إلى موعد. كنا ننتقل من بيت إلى آخر، نستقبل ونُستقبل بقلوب صافية. الجيران كانوا جزءًا من العائلة، واللمة كانت عنوان العيد الحقيقي. الضحكات كانت صادقة، والحديث عفوي، والوقت مليء بالبركة. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد كثيرًا، أصبح العيد عند البعض مرهقًا بالتفاصيل والتكاليف، صرنا نركض خلف الكمال في كل شيء: ملابس، هدايا، تجهيزات… حتى فقدنا لذة البساطة. تحوّلت الفرحة إلى مسؤوليات، وأصبح البعض يشعر بثقل العيد بدلًا من خفته. تباعدت العلاقات رغم قرب المسافات، صارت الزيارات أقل، والاجتماعات أقصر، والتواصل أحيانًا يختصر في رسالة هاتف. انشغل كلٌّ بحياته، وأصبحت اللحظات التي تجمعنا نادرة، بعد أن كانت هي الأصل. ومع ذلك، لا يمكن أن نقول إن الجمال انتهى… بل ربما تغيّر شكله فقط. لا يزال بإمكاننا أن نعيد للعيد روحه، إن أردنا. الأمر لا يحتاج إلى تكاليف بقدر ما يحتاج إلى نية صادقة. أن نقترب من بعضنا، أن نعيد الدفء لعلاقاتنا، أن نمنح وقتنا لمن نحب دون انشغال أو تشتت. الذكريات التي نحملها من طفولتنا ليست مجرد حنين… بل هي رسالة، تذكّرنا أن الفرح الحقيقي لا يُشترى، وأن أجمل ما في العيد هو القرب، والاحتواء، والمشاركة الصادقة. فلنحاول أن نصنع عيدًا يشبه تلك الأيام… ليس في التفاصيل، بل في الروح. أن نُدخل السرور على قلوب أطفالنا، وأن نزرع فيهم ذكريات دافئة يعيشون عليها كما نعيش نحن اليوم على ذكرياتنا. العيد سيبقى جميلًا… إذا عدنا نحن كما كنّا.

504

| 22 مارس 2026

رمضان في زمن القلق..

جاء رمضان هذا العام مختلفًا في إحساسه ووقعه على القلوب. فبينما اعتدنا أن نستقبل الشهر بفرح ظاهر وأجواء من الطمأنينة التي تملأ البيوت والشوارع، وجدنا أنفسنا هذه المرة نعيش رمضان في ظل ظروف إقليمية ودولية مضطربة، وأحداث متسارعة جعلت العالم يبدو وكأنه يعيش حالة مستمرة من القلق والترقب. ومع كل ما يحدث حولنا، كان السؤال الذي يتردد في النفوس : كيف يمكن للإنسان أن يعيش روح رمضان الحقيقية وسط هذا الكم من الأخبار الثقيلة والمشاعر المتعبة؟ الحقيقة أن رمضان لم يتغير، فهو الشهر الذي يحمل في جوهره معاني السكينة والرحمة والتقرب إلى الله. لكن الذي تغير هو الحالة النفسية العامة التي يعيشها العالم اليوم. فقد أصبح الإنسان يستيقظ على الأخبار، وينام على متابعة ما يحدث في العالم من أزمات وصراعات وضغوط اقتصادية واجتماعية. ومع تكرار هذه المشاهد يومًا بعد يوم، قد يشعر البعض بما يمكن أن نسميه “البرودة النفسية”، وهي حالة من التعب العاطفي يفقد فيها الإنسان جزءًا من حماسه ومشاعره الطبيعية نتيجة تراكم الضغوط وكثرة القلق. ولم يعد القلق مرتبطًا بالأخبار فقط، بل أصبح حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. فصوت صفارات الإنذار في بعض المناطق، أو رنين الهواتف المتكرر حاملًا أخبارًا عاجلة، وحتى المقاطع التي تنقل أصوات الصواريخ أو لحظات التصدي لها، كلها مشاهد وأصوات تترك أثرًا نفسيًا عميقًا في نفوس الناس. هذه الأصوات التي تحمل في طياتها التوتر والترقب تجعل الإنسان يشعر أحيانًا وكأن العالم من حوله فقد هدوءه المعتاد. رغم ذلك، كان لرمضان قدرة عجيبة على إعادة التوازن للنفوس. ففي لحظة الأذان عند الإفطار، حين تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة، يعود الشعور بالألفة والدفء الذي نفتقده أحيانًا في زحمة الأيام. تلك اللحظات البسيطة تذكرنا بأن الحياة ما زالت تحمل الكثير من المعاني الجميلة التي لا يمكن للأزمات أن تمحوها. وفي صلاة التراويح، حين يقف الناس جنبًا إلى جنب في صفوف متراصة، يشعر الإنسان بأنه جزء من مجتمع كبير يجمعه الإيمان والرجاء. هناك، في هدوء المساجد، تتراجع ضوضاء العالم قليلًا، ويجد القلب فرصة ليهدأ ويتنفس بعيدًا عن ضغوط الحياة . لقد علّمنا هذا الشهر أن الإنسان قادر على أن يصنع لحظات من السلام الداخلي حتى لو كان العالم من حوله مضطربًا. فالعبادة في رمضان ليست مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل هي أيضًا صيام عن الاستسلام للخوف وعن ترك القلق يسيطر على تفاصيل حياتنا.

471

| 18 مارس 2026

عندما تتحول الكلمة إلى فتنة

في أوقات الأزمات تظهر معادن الناس الحقيقية؛ فهناك من يقف موقف المسؤولية والوعي، ويسعى إلى التهدئة وبث الطمأنينة، وهناك – للأسف – من يختار طريقًا آخر، طريق نقل الأخبار المغلوطة أو تضخيم الأحداث، دون إدراك حجم الضرر الذي قد تسببه الكلمة عندما تُقال في غير موضعها، خاصة إذا أصبحت ترند على حساب دولة وشعب كامل. هذه الظاهرة ليست مجرد خطأ فردي، بل قد تتحول في لحظات إلى حالة من الفوضى النفسية والاجتماعية، تؤثر في استقرار المجتمع وتقلل من ثقته بمصادر المعلومات الرسمية. إثارة الفتن في أوقات الأزمات من أخطر السلوكيات التي تهدد تماسك المجتمع، خصوصًا عندما يقوم بعض الأشخاص بتداول أخبار غير دقيقة أو معلومات غير موثقة حول ما يجري من أحداث. فهذه الأخبار لا تهدف غالبًا إلى نقل الحقيقة بقدر ما تسعى إلى إثارة القلق والبلبلة بين الناس، وزعزعة الثقة بين أفراد المجتمع، وكأن البعض لا يدرك أن الكلمة أحيانًا قد تكون أخطر من الفعل نفسه. ولعل أخطر ما في الأمر أن الشائعة تنتشر بسرعة هائلة، خاصة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي. بضغطة زر قد تنتقل معلومة غير صحيحة إلى مئات أو آلاف الأشخاص، لتتحول في لحظات إلى حديث الناس، رغم أن مصدرها قد يكون مجهولًا أو غير موثوق. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فليس كل ما يُقال أو يُكتب حقيقة، وليس كل ما نسمعه يستحق إعادة النشر. إن تداول المعلومات دون التحقق من صحتها قد يؤدي إلى تضخيم الأحداث وإشاعة الخوف بين الناس، وهو ما يخلق حالة من التوتر الاجتماعي غير المبرر. فالمجتمع الذي يعيش حالة من القلق الدائم بسبب الأخبار المتناقضة، يفقد جزءًا من استقراره النفسي والاجتماعي، بينما الحقيقة قد تكون أبسط بكثير مما يتم تداوله. ولهذا فإن الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة مثل هذه الظواهر. فالمجتمع الواعي لا ينجرف خلف كل خبر، ولا يسمح للشائعات أن تقوده إلى القلق أو التوتر. بل يبحث عن الحقيقة من مصادرها الرسمية والموثوقة، ويتعامل مع الأخبار بعقلانية واتزان، بعيدًا عن الانفعال أو التسرع في الحكم. كما أن التكاتف بين المواطنين والمقيمين، والالتزام بالتعليمات الرسمية، يعكس صورة المجتمع المتماسك الذي يدرك أن قوته الحقيقية تكمن في وحدته. فالأزمات مهما كانت صعبة تمر وتزول، لكن ما يبقى هو وعي الناس وطريقة تعاملهم مع تلك اللحظات الحساسة، ومدى قدرتهم على التمسك بروح المسؤولية الجماعية. إن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات، بل بمدى وعي أبنائها وقدرتهم على حماية وحدتهم الوطنية من محاولات بث الفرقة أو زرع الشكوك بين الناس. فالكلمة أمانة، والمسؤولية لا تقف عند حدود ما نقول، بل تمتد إلى ما ننشره وما نعيد تداوله. فكم من كلمة أشعلت خلافًا، وكم من شائعة أربكت مجتمعًا كاملًا، بينما الحقيقة كانت تنتظر قليلًا من التروي والتحقق. ولعل ما نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو أن نتعلم ثقافة التثبت قبل النقل، وأن ندرك أن الكلمة قد تبني ثقة وقد تهدمها، وقد تطمئن الناس وقد تقلقهم. لذلك فإن مسؤوليتنا الفردية في التعامل مع الأخبار لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات في نشر الحقيقة. فلنكن جميعًا على قدر هذه المسؤولية، ولنجعل من وعينا درعًا يحمي مجتمعنا من الشائعات والقلق غير المبرر، حتى تبقى روح التضامن أقوى من أي محاولة لزعزعة الثقة بين الناس. فالمجتمعات الواعية لا تهزمها الشائعات، لأنها تعرف أن الحقيقة أقوى من الضجيج، وأن تماسك الناس هو الحصن الحقيقي الذي يحفظ استقرار المجتمع وطمأنينته. وعندما نحافظ على هذا الوعي ونتحقق قبل النشر، نضمن ألا تتحول الكلمات البريئة إلى أداة فتنة تؤثر في وحدة مجتمعنا.

522

| 10 مارس 2026

حين يكون الفرح شاملًا يكبر الوطن في عيون أطفاله

في منتصف رمضان، تتزين بيوتنا وتنبض شوارعنا بأصوات الأطفال وهم يرددون أهازيج القرنقعوه، يحملون أكياسهم الصغيرة وقلوبهم الممتلئة شغفًا. القرنقعوه ليس مجرد مناسبة لتوزيع الحلوى، بل هو ذاكرة جمعية، وصورة من صور الهوية القطرية والخليجية، وطقس اجتماعي يرسخ في الطفل معنى الانتماء والبهجة المشتركة. لكن وسط هذا المشهد الجميل، يبرز سؤال مهم: هل كل أطفالنا يعيشون هذه اللحظة بالقدر ذاته من الفرح؟ ماذا عن الأطفال من ذوي الإعاقة؟ هل نراهم مشاركين في قلب الحدث، أم متفرجين على أطرافه؟ الطفل ذو الإعاقة لا يحتاج امتيازًا خاصًا في الاحتفال، بل يحتاج فرصة عادلة. يحتاج أن نُفكر في تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها بالنسبة له فارقة: ممر مهيأ لمن يستخدم الكرسي المتحرك، تخفيف حدة الصوت لطفل لديه حساسية سمعية، تنظيم بصري واضح لطفل على طيف التوحد، وجود متطوعين مدرّبين يعرفون كيف يتعاملون بلطف وفهم، لا بدهشة أو شفقة. الدمج في الاحتفالات التراثية رسالة عميقة تتجاوز اللحظة. عندما يشارك الطفل ذو الإعاقة في القرنقعوه، فهو لا يحصل على كيس حلوى فحسب، بل يحصل على اعتراف ضمني بأنه جزء أصيل من هذا المجتمع، من ثقافته، من ذاكرته الجماعية. يشعر أن له مكانًا محفوظًا في الصورة، وأن اسمه مكتوب في قائمة الفرح. كثيرًا ما نتحدث عن الدمج في المدارس، في القوانين، في البرامج التعليمية. لكن الدمج الحقيقي يُختبر في الحياة اليومية، في الشارع، في المسجد، في الحديقة، وفي مناسبات الفرح. لأن الطفل يتعلم من التجربة أكثر مما يتعلم من الشعارات. حين يرى زملاءه يقفون بجانبه دون تمييز، وحين يشعر أن المجتمع يستوعبه بطبيعته، تنمو ثقته بنفسه، ويتعزز تقديره لذاته، وتتشكل لديه هوية متوازنة. كما أن إشراك ذوي الإعاقة في القرنقعوه يُربي بقية الأطفال على القبول. يتعلمون أن الاختلاف طبيعي، وأن لكل إنسان قدراته وتحدياته، وأن المشاركة لا تُقصي أحدًا. هكذا نصنع جيلًا أكثر وعيًا ورحمة، جيلًا يرى التنوع قوة لا عبئًا. إن الاحتفال الشامل لا يتطلب إمكانات خارقة، بل يتطلب نية واعية وتخطيطًا بسيطًا. أن نسأل أنفسنا قبل أي فعالية: هل هذه البيئة مناسبة للجميع؟ هل فكرنا في الطفل الذي قد يتردد بسبب ازدحام أو ضجيج؟ هل تركنا مساحة هادئة لمن يحتاج؟ هذه الأسئلة الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا. القرنقعوه فرصة سنوية لنقول عمليًا إن الفرح حق للجميع، أن نُثبت أن تراثنا يتسع لكل أبنائه، أن نُرسل رسالة صامتة لكنها عميقة: لا أحد خارج دائرة الاحتفال. حين يكون الفرح شاملًا، يكبر في عيون الأطفال معنى الوطن، وحين نُراعي أضعف الفئات، نُثبت أننا مجتمع قوي بإنسانيته، فلنجعل كل احتفال مساحة احتواء، وكل أهزوجة دعوة مفتوحة، وكل كيس حلوى رمزًا لمجتمع لا ينسى أحدًا.

315

| 02 مارس 2026

بالكبر يضعف النظر لكن الرؤية تتضح أكثر

جملة قصيرة تختصر رحلة عمر كاملة؛ رحلة تبدأ بالاندفاع وتنتهي بالحكمة، تبدأ بكثرة الأسئلة وتنتهي بقلة الحيرة. حين نكبر، قد لا تعود أعيننا ترى التفاصيل الدقيقة كما كانت، وربما نحتاج إلى نظارة أو إضاءة أقوى، لكن ما ينمو في الداخل أعظم بكثير. البصيرة تتسع بهدوء، والعقل يتعلم أن يفرّق بين المهم والعابر، بين ما يستحق الوقوف عنده وما يكفي أن نمرّ به دون ضجيج. في سنوات الشباب، نرى كل شيء مكبّرًا. الألم يبدو نهاية العالم، والخسارة كارثة، والاختلاف تهديدًا. ننشغل بإثبات أنفسنا، ونركض خلف أحلام قد لا تكون لنا بقدر ما هي انعكاس لتوقعات الآخرين. نريد أن نكسب كل المعارك، وأن نرضي الجميع، وأن نحصل على اعتراف دائم بقيمتنا. نرى كثيرًا، لكننا لا نفهم إلا القليل. ومع التقدم في العمر، لا تصبح الحياة أسهل بالضرورة، لكنها تصبح أوضح. نتعلم أن بعض المعارك لا تستحق الدخول أصلًا، وأن السلام الداخلي أغلى من أي انتصار ظاهري. نكتشف أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الابتعاد في بعض المواقف ليس ضعفًا بل حكمة، وليس هروبًا بل حفاظًا على ما تبقى من طاقة القلب. الرؤية هنا لا تعني قوة البصر، بل وضوح المعنى. نفهم الناس أكثر، لا لأنهم تغيّروا، بل لأننا لم نعد نطلب منهم الكمال. ندرك أن لكل إنسان ألمه الخفي، وأن القسوة غالبًا قناع، وأن الطيبة الصادقة لا تحتاج إعلانًا. نتوقف عن إصدار الأحكام السريعة، ونمنح الأعذار، ونختار الرحمة حين نستطيع. مع الكِبَر، نعيد تعريف النجاح. لم يعد منصبًا أو لقبًا أو تصفيقًا، بل راحة ضمير، ونومًا هادئًا، وعلاقات صادقة لا تقوم على المصلحة. نكتشف أن السعادة ليست في كثرة ما نملك، بل في قلة ما نحتاج، وأن الامتنان اليومي أبسط علاج للقلق وأعمق مصدر للطمأنينة. حتى الألم نراه بعين مختلفة. لا يختفي، لكنه يفقد حدّته. نفهم أنه معلّم قاسٍ لكنه صادق، وأن كثيرًا مما كسرنا يومًا هو ما صاغ وعينا اليوم. نتوقف عن لعن التجارب الصعبة، ونبدأ في شكرها لأنها كشفت لنا حدودنا وقوتنا في آنٍ واحد. بالكبر، نتصالح مع فكرة أن الحياة ليست عادلة دائمًا، لكنها رغم ذلك مليئة بالمعاني. نتوقف عن سؤال: لماذا حدث هذا لي؟ ونبدأ بسؤال أهدأ: ماذا تعلّمت؟ وكيف أعيش أخفّ؟ نعم، قد يضعف النظر مع الزمن، لكن الرؤية تتضح. نعرف أين نضع قلوبنا قبل أقدامنا، وأين لا يستحق الأمر أن نستنزف أعمارنا. وتلك ليست خسارة، بل هدية العمر الحقيقية.

369

| 24 فبراير 2026

رمضان وأبناؤنا بين الروح والتربية

يأتي رمضان كل عام ضيفًا عزيزًا، يحمل في طيّاته السكينة، ويمنح البيوت دفئًا مختلفًا. لكن السؤال الذي يشغل قلبي دائمًا: كيف نُدخل أبناءنا إلى روح رمضان، لا إلى شكله فقط؟ رمضان ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل هو مدرسة تربوية متكاملة. مدرسة للصبر، وضبط النفس، وتنظيم الوقت، والشعور بالآخر. أطفالنا لا يتعلمون رمضان من الأوامر، بل من المشهد اليومي الذي يعيشونه. من طريقة حديثنا قبل الإفطار، من هدوئنا ونحن صائمون، من دعواتنا الصادقة، ومن علاقتنا بالقرآن. كثير من الأسر تركّز على سؤال: متى يصوم الطفل؟ والأجمل أن نسأل: كيف نُحبّبه في الصيام؟ التدرّج هو المفتاح. ساعات صيام بسيطة، كلمات تشجيع، احتفاء بأول محاولة، شهادة تقدير عائلية صغيرة… كلها تصنع ذاكرة جميلة. لا نريد لطفلنا أن يرتبط رمضان لديه بالتعب والغضب، بل بالفرح والإنجاز والانتماء. أما أبناؤنا من ذوي الإعاقة، فهم أولى بأن نمنحهم تجربة تناسب قدراتهم. ليس المطلوب تكليفًا يفوق طاقتهم، بل إشراكهم في الطقوس اليومية: ترتيب المائدة، توزيع التمر، تعليق الزينة، أو اختيار دعاء قصير. بعضهم قد لا يستطيع الصيام لأسباب صحية، وهنا تكون الرحمة أولى من المقارنة. يمكن تعويض ذلك بأعمال خير بسيطة أو مهام تعزز لديهم الشعور بالقيمة والمشاركة. ورمضان فرصة ذهبية لغرس القيم الاجتماعية. حين نصطحب أبناءنا لإيصال وجبة لجار، أو نضع صندوقًا صغيرًا للصدقة في المنزل، أو نشرح لهم معنى الجوع بلغة الرحمة، فإننا نحوّل الصوم إلى وعي، والعبادة إلى سلوك. الطفل يتعلّم العطاء حين يراه ممارسة يومية لا درسًا نظريًا. ولأن التربية في رمضان تحتاج وعيًا مقصودًا، فهذه بعض النصائح العملية للأسر: أولًا: ضعوا روتينًا واضحًا لليوم الرمضاني، يتضمن وقت نوم كافيًا، ووقتًا للقراءة أو العبادة، ونشاطًا خفيفًا يناسب أعمارهم. ثانيًا: خففوا التوقعات في الأيام الأولى، فالجسم يحتاج وقتًا للتكيّف مع الصيام. ثالثًا: اجعلوا وقت الإفطار مساحة هدوء وامتنان، وابتعدوا عن النقاشات الحادة قبل الأذان. رابعًا: خصصوا دقائق يومية لحوار رمضاني بسيط، سؤال مفتوح يجيب عنه كل فرد في الأسرة. خامسًا: احتفلوا بالإنجازات الصغيرة، فالتقدير يصنع دافعية داخلية عميقة. ولا ننسى أن أطفالنا يراقبون انفعالاتنا أكثر مما يسمعون كلماتنا. إن كان رمضان موسم توتر، فستترسخ لديهم صورة مشوشة عنه. وإن كان موسم طمأنينة وتسامح، فسيشتاقون له كل عام. رمضان ليس سباقًا في عدد الختمات، بل سباق في عدد القلوب التي نُصلحها. وأقرب القلوب إلينا قلوب أبنائنا. فلنجعل هذا الشهر فرصة لنغرس فيهم معنى الصبر، والرحمة، والانتماء… ولنتذكر أننا نربي أنفسنا أمامهم قبل أن نربيهم.

324

| 16 فبراير 2026

حين تصبح الرياضة أسلوب حياة للجميع

في اليوم الرياضي للدولة، تمتلئ الساحات بالحركة، والملابس الرياضية، والابتسامات، ويعلو صوت التشجيع. يبدو المشهد جميلًا ومألوفًا، لكن خلف هذا اليوم رسالة أعمق من مجرد فعالية عابرة. هو يوم نحتفي فيه بالجسد، وبالصحة، وبالإنسان، ونُذكَّر بأن الرياضة ليست حدثًا موسميًا، بل ممارسة ينبغي أن تتحوّل إلى أسلوب حياة. رياضة ذوي الإعاقة… القوة الحقيقية رياضة ذوي الإعاقة تحديدًا تفتح أمامنا فهمًا مختلفًا لمعنى القوة. هي ليست قصة شفقة، ولا عنوان “تحدّي” يُستهلك في الخطاب، بل حق أصيل في الحركة، وفي الفرح، وفي الشعور بالإنجاز. حين نمنح الأشخاص ذوي الإعاقة فرصة ممارسة الرياضة بانتظام، نحن لا ندرّب أجسادهم فقط، بل نغذّي ثقتهم بأنفسهم، ونرسّخ شعورهم بالانتماء والمشاركة. في هذا اليوم، نشاهد أطفالًا وشبابًا من ذوي الإعاقة يشاركون في أنشطة رياضية متنوعة، بعضهم يخطو خطوات صغيرة، وبعضهم يحقق إنجازات كبيرة، لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا هو الإصرار. الرياضة هنا لا تُقاس بالنتيجة، بل بالاستمرارية، وبالقدرة على المحاولة مرة بعد أخرى. هل يكفي يوم واحد؟ لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: هل يكفي يوم واحد في السنة؟ أم أن قيمة اليوم الرياضي الحقيقية تكمن في أن يكون نقطة بداية لا محطة نهاية؟ تحديد يوم رياضي ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة ذكية لنعتاد الممارسات الصحية الجديدة. يوم نُعيد فيه ترتيب أولوياتنا، ونذكّر أنفسنا وأبناءنا بأن الحركة جزء من الحياة اليومية، لا رفاهية مؤجلة. وحين يتحوّل هذا اليوم إلى عادة أسبوعية أو روتين مستمر، تصبح الرياضة لغة مشتركة داخل الأسرة، والمدرسة، والمركز، والمجتمع. الاستمرارية… المفتاح الحقيقي بالنسبة لذوي الإعاقة، الاستمرارية هي المفتاح الحقيقي. رياضة منتظمة تعني تحسّنًا جسديًا، واستقرارًا نفسيًا، وتواصلًا اجتماعيًا أفضل. هي تعني مزيدًا من الاستقلالية، ومزيدًا من الثقة، ومزيدًا من الإيمان بالقدرة على الإنجاز. اليوم الرياضي للدولة يضع الإطار، لكن مسؤوليتنا أن نملأ هذا الإطار بالممارسة الفعلية. أن نختار يومًا ثابتًا للحركة، أن نُبسّط الرياضة لتكون متاحة للجميع، وأن نؤمن بأن التغيير لا يحتاج قفزات كبيرة، بل خطوات صغيرة مستمرة. حين نعلّم أبناءنا، ومنهم ذوو الإعاقة، أن الرياضة أسلوب حياة، نحن نمنحهم أداة لحياة أكثر صحة وتوازنًا. وحين تتحرّك الأجساد بانتظام، تتحرّك معها النفوس، وتتغيّر النظرة، ويصبح الدمج ممارسة يومية لا شعارًا موسميًا. دعوة للأسر وهنا تأتي الدعوة الأهم… دعوة صادقة لكل أسرة، ولكل أب وأم: لا تجعلوا الرياضة ذكرى مرتبطة بيوم واحد في السنة، ولا نشاطًا استثنائيًا يحتاج مناسبة. اختاروا يومًا ثابتًا في الأسبوع، ساعة بسيطة، حركة خفيفة، مشي، تمارين، لعبة جماعية، أي شيء يحرّك الجسد ويُنعش الروح. بالنسبة لأبنائنا من ذوي الإعاقة، وجود الأسرة هو الدافع الأول للاستمرار. حين يرى الطفل أو الشاب أن الرياضة جزء من روتين العائلة، وليست عبئًا أو واجبًا، تتحول إلى متعة وأمان وثقة. لا تبحثوا عن الكمال، ولا عن الأداء المثالي، بل عن الاستمرارية، فالقليل الدائم أقوى من الكثير المنقطع. دعونا نعلّم أبناءنا أن الحركة حق، وأن الجسد أمانة، وأن الرياضة أسلوب حياة لا يُقاس بالسرعة ولا بالإنجاز، بل بالمواظبة. يوم واحد قد يلفت الانتباه، لكن يومًا نكرّره كل أسبوع يصنع الفرق الحقيقي. الخاتمة في اليوم الرياضي… لنحتفل بالحركة، ولنختَر الاستمرار، فالقوة الحقيقية ليست في يوم واحد، بل في عادة تدوم.

363

| 10 فبراير 2026

حين تغيرت الحياة.. وصارت المرأة ترى نفسها أولًا

أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك أن الحياة تغيّرت، يكفي أن ننظر حولنا قليلًا. صالونات التجميل منتشرة، السوشيال ميديا حاضرة في كل يد، ومصطلح “حب الذات” لم يعد غريبًا أو مثيرًا للدهشة. لكن السؤال الذي يراودني دائمًا: هل تغيرت الحياة فعلًا؟ أم تغيرت نظرتنا لأنفسنا؟ أتذكر كيف كانت المرأة قديمًا، خاصة بعد سن الخمسين، تُقاس قيمتها بما قدمته للآخرين. كانت أمًا، زوجة، عمود بيت، ومصدر أمان للجميع، لكنها غالبًا آخر من يفكر بنفسه. الاهتمام بالذات كان مؤجلًا، مؤطرًا بجملة مألوفة: “خلص العمر” أو “مو وقته”. وكان التقدم في السن يُستخدم كذريعة للانسحاب الهادئ من المشهد، وكأن الظهور حكر على الشباب فقط. اليوم، المشهد مختلف. المرأة فوق الخمسين لم تعد تختفي، بل تظهر بثقة وهدوء. تدخل صالون التجميل لا لتُرضي الآخرين، بل لتشعر بالرضا عن نفسها. تهتم بمظهرها، بصحتها، بوقتها، لا لأنها تنكر عمرها، بل لأنها تصالحت معه. السوشيال ميديا لعبت دورًا مزدوجًا في هذا التحول. من جهة، كسرت الصور النمطية، وقدمت نماذج لنساء ناضجات، فاعلات، جميلات بحضورهن وخبرتهن، لا يخجلن من أعمارهن ولا من تجاعيدهن. ومن جهة أخرى، رفعت سقف المقارنة، وخلقت ضغطًا خفيًا، وكأن على المرأة أن تظل شابة شكلاً، حتى لو تعبت روحًا. أما “حب الذات”، فهو المفهوم الأكثر التباسًا في زمننا. في جوهره، هو وعي وشفاء، واحترام للنفس بعد سنوات طويلة من العطاء والتضحية والصبر. لكنه أحيانًا يتحول إلى شعار فارغ، أو استعراض خارجي يخفي فراغًا داخليًا لم يُعالَج بعد. الفرق ليس في الكلمات، بل في الصدق مع النفس. التحول الحقيقي اليوم لا يكمن في صالون تجميل، ولا في صورة جميلة، ولا في عدد المتابعين. يكمن في الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة: هل أنا سعيدة؟ هل أعيش كما أريد، أم كما اعتدت؟ هل ما أفعله حب للذات أم هروب من مواجهة الداخل؟ المرأة الناضجة اليوم لم تعد تطلب الإذن لتفرح، ولا تعتذر عن اهتمامها بنفسها. تعلمت أن العطاء لا يكون صحيًا إلا إذا بدأ من الداخل، وأن الاهتمام بالذات ليس أنانية، بل ضرورة نفسية، خصوصًا بعد سنوات من الإنهاك الصامت. نعم، الحياة تغيرت. لكن الأهم أن المرأة تغيرت معها. أصبحت أكثر وعيًا، أكثر تصالحًا، وأكثر قدرة على الاختيار. لم تعد تخاف من العمر، بل تخاف من أن تعيش دون معنى. وفي زحمة الصور والفلاتر والضجيج، تبقى الحقيقة الأعمق: أن أجمل ما وصلت إليه المرأة اليوم. أنها صارت ترى نفسها، أخيرًا، جديرة بالاهتمام.

756

| 03 فبراير 2026

اكتشاف الذات بين الطريق والهدف

تناقشتُ أمس «اليوم» مع صديقٍ عزيز أفتخر بمعرفته؛ هو مستشار ومثقف، وبين ثنايا الحديث قال عبارة قصيرة لكنها عميقة: «الحياة رحلة فردية». صمتُّ أمامها، لا لأنني لم أفهمها، بل لأنني شعرت بثقل معناها. توقفت لحظة، وتأملت… كيف يمكن لعبارة بسيطة أن تفتح هذا الكم من الأسئلة داخلنا؟ الحياة رحلة فردية، رحلة لا تشبه أي رحلة أخرى، رغم التشابه الظاهري بين تجارب الناس. قد نسير في الطرق نفسها، ونمر بمحطات متقاربة، لكن كل واحد منا يحمل حقيبته الخاصة؛ تجاربه، أحلامه، مخاوفه، وآلامه. كل إنسان يكتب قصته بنفسه، ولا يمكن لأحد أن يعيشها عنه أو يكمل فصولها بالنيابة عنه. حين تأملت هذه العبارة، شعرت بثقل المسؤولية، لكنها كانت في الوقت نفسه فرصة عظيمة. فرصة لأن أعي أن اختياراتي، وطريقتي في التعامل مع الحياة، هي ما تصنع مساري الحقيقي. يمكن للآخرين أن يشاركوني النصيحة، أن يقترحوا الطريق، أن يحذروني من العثرات، لكن السير… السير لي وحدي. الرحلة الفردية لا تعني الانعزال أو القطيعة مع الآخرين، لكنها تعني تحمّل المسؤولية عن النفس أولًا. تعني أن أتوقف عن مقارنة حياتي بحياة غيري، لأن المقارنة ظلم صريح. نحن لا نرى إلا الواجهة؛ لا نرى الليالي الطويلة من القلق، ولا القرارات الصعبة، ولا الخسارات الصامتة التي سبقت أي نجاح نراه. في هذه الرحلة، أدركت أن الأخطاء ليست عدوًا، بل معلم صادم. كل فشل مررت به كان درسًا قاسيًا أحيانًا، لكنه ضروري. علّمني الصبر، وعلّمني أن النضج لا يأتي سريعًا، وأن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بالقدرة على الاستمرار رغم التعب والخذلان. هذه الرحلة تدعونا أيضًا إلى الاستماع لأنفسنا بصدق. أن نسأل: ماذا نريد حقًا؟ ماذا يناسبنا نحن، لا ما يُفرض علينا؟ اكتشاف الذات ليس رفاهية، بل ضرورة؛ أن نعرف قدراتنا وحدودنا، نقاط قوتنا وضعفنا، وأن نختار الطريق الذي يمنحنا السلام الداخلي لا التصفيق المؤقت. وفي النهاية، نعم… الحياة رحلة فردية، لكنها ليست رحلة وحيدة. يمكن أن نشارك الآخرين بعض الطريق، نتبادل الدعم، نتعلم من التجارب، نخفف عن بعضنا ثقل المسير. لكن جوهر الرحلة، ومعناها الحقيقي، يبقى في الداخل. الحياة ليست مجرد الوصول إلى هدف، بل هي كل خطوة نخطوها، وكل درس نتعلمه، وكل أثر نتركه خلفنا. وحين ندرك ذلك، نتعلم أن نستمتع بالرحلة نفسها، لا أن نؤجل الحياة حتى نصل.

477

| 25 يناير 2026

alsharq
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر

في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...

4614

| 07 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

1719

| 12 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1005

| 11 مايو 2026

alsharq
وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...

786

| 07 مايو 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

768

| 07 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

738

| 08 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

615

| 09 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

594

| 12 مايو 2026

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

591

| 13 مايو 2026

alsharq
كيفية قراءة السياسة الأمريكية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...

576

| 07 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

540

| 11 مايو 2026

alsharq
اتفاق الممكن بين الحرب والسلام

في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...

540

| 12 مايو 2026

أخبار محلية