رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في زمن أصبحت فيه حياتنا تُرى من خلال شاشات صغيرة، باتت الصورة هي اللغة الأكثر تداولًا، والأسرع وصولًا، والأقوى تأثيرًا. نرى الوجوه، الألوان، اللحظات اللامعة، فنصدق أنها الحقيقة الكاملة. لكن ما يغيب عنا دائمًا هو أن خلف كل صورة… حقيقة بتوجع؛ حقيقة قد لا تُلتقط، ولا تُروى، ولا يرغب صاحبها أن يعرفها أحد. الصورة التي تبدو مشرقة قد تخفي خلفها حياة مزدحمة بالوجع. فالشخص الذي يلتقط صورة وهو يضحك ربما كان قبل دقائق يعيش لحظة انكسار، لكنه اضطر لوضع ابتسامة تحفظه من أسئلة الآخرين. والمرأة التي تظهر في كامل أناقتها قد تكون تخوض معركة صامتة مع خوف لا يهدأ أو تعب نفسي لا يراه أحد. والأسرة التي تبدو مثالية في صورة واحدة قد تكون في الحقيقة تحاول بكل جهد أن تُخفي ألمًا مشتركًا، أو قلقًا عميقًا يهدد تماسكها. العجيب أن الصور غالبًا ليست انعكاسًا لحقيقتنا، بل للنسخة التي نريد أن يراها الآخرون. فالرجل الذي ينشر صورة نجاحه قد مرّ على طريق مليء بالإخفاقات، لكنه لم يصوّر إلا لحظة التتويج. والفتاة التي تبتسم وسط صديقاتها قد تكون أكثر شخص يشعر بالوحدة. وحتى تلك الصور التي تبدو عفوية، كثيرًا ما تُلتقط بعد محاولات عديدة لإخفاء التعب، ومسح الدموع، وضبط زاوية تُظهر شيئًا جميلًا رغم كل ما يؤلم الروح. وأحيانًا، ما يزيد ألمنا أننا نقارن حياتنا الواقعية بكل فوضاها وحزنها بحياة الآخرين المصقولة خلف عدسات الهواتف. نحكم على أنفسنا لأننا لا نعيش «الكمال» الذي نراه أمامنا. ننسى أن الصورة مجرد لحظة، بينما الحقيقة رحلة طويلة مليئة بالتفاصيل التي لا تُظهرها الكاميرا. ننسى أن الصورة تختار ما يُظهر الجمال وتخفي ما يُرهق الروح. وربما أكثر ما يوجع هو أن لا أحد تقريبًا ينشر حقيقة حزنه. فهناك من يلتقط صورة في مكان جميل بينما قلبه مهزوم. هناك من يبتسم في مناسبة وهو يشعر أنه غير مرئي. وهناك من يكتب تعليقًا لطيفًا وهو يتمنى لو أن أحدًا يلتفت إليه ويسأله بصدق: «هل أنت بخير؟». نحن نتقن فن الإخفاء… أكثر بكثير مما نتقن فن البوح. وبين الصورة والحقيقة… قلب يتألم بصمت وسط هذا العالم السريع، تبقى مساحة صغيرة لكنها ثمينة للتعاطف. أن نتذكر أن ما نراه ليس كل شيء، وأن نعامل الناس بلطف لأننا لا نعرف ما يخفونه خلف ابتساماتهم. أن نفهم أن لكل إنسان قصة تستحق الصبر قبل الحكم، وحزنًا يستحق الاحتواء قبل المقارنة. وأن نُدرك أن ما نراه من حياة الآخرين هو مجرد واجهة… والواجهات دائمًا أجمل من الداخل. وفي النهاية، لعل أجمل ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا هو أن نتوقف عن تصديق أن الصور هي الحقيقة. أن نسمح لقلوبنا بأن ترى أبعد من الفلاتر، وأعمق من العدسات. أن نفهم أن الجمال الحقيقي لا يحتاج تعديلًا، وأن الألم الحقيقي لا يحتاج إعلانًا. فخلف كل صورة… وجع لا يُرى، وقصة لا تُحكى، وقلب يتمنى لو يُفهَم. فلا تنخدعي بصورة… ولا تقسي على قلبك بمقارنة، فالله وحده يعلم ما تخبئه الأرواح خلف الأطر اللامعة.
285
| 27 نوفمبر 2025
وراء كل نجاح قصةُ حب وإيمان، ووراء كل موهبة لابنٍ من ذوي الإعاقة، أسرة آمنت بقدرته واحتضنت حلمه قبل أن يراه الآخرون. الإبداع لا يولد من فراغ، بل ينمو في بيئة مليئة بالاحتواء والدعم، حيث تُصغي الأسرة لما تقوله الأفعال أكثر مما تسمع من الكلمات. فالميول الفنية لا تُكتشف صدفة، بل تُلاحظ بعين صبورة وقلب مُحب. كثيرًا ما نتساءل: كيف يمكن للأسرة أن تكتشف الميول الفنية لدى أبنائها من ذوي الإعاقة؟ الإجابة تكمن في الملاحظة المستمرة، وفي منح الطفل مساحة حرة ليعبر عن نفسه دون خوف أو تصحيح دائم. نجربتي الشخصية أتذكر حين كانت ابنتي دانية التي وُلدت بإعاقة سمعية عقد تمسك الألوان منذ طفولتها بشغف جميل. كانت تمزجها وتعيد ترتيبها وكأنها تتحدث من خلالها. لاحظتُ أنها تنغمس في الرسم أكثر من اللعب العادي، فشعرت أن في داخلها حسًّا فنيًا خاصًا. تركتُ لها الحرية لتعبر كما تشاء، ثم التحقت بمعلمة متخصصة في الفن التشكيلي ساعدتها على تنمية موهبتها بثبات وثقة. وبعد فترة، اكتشفت ميلها إلى الموسيقى والعزف على البيانو، فبدأت رحلة جديدة مع الإيقاع والأنغام. ومع الوقت، أصبح الفن بالنسبة لها أكثر من مجرد هواية، أصبح لغتها الخاصة للتعبير عن ذاتها، ومتنفّسًا لمشاعرها التي قد لا تقدر على قولها بالكلمات. وانا اقول لكل اسرة: طريق الموهبة ليس سهلًا، فالأسرة التي تحتضن ابنًا مبدعًا من ذوي الإعاقة تواجه تحديات كثيرة: قلة البرامج المتخصصة، وضعف الوعي المجتمعي بأهمية الفن في بناء الشخصية، إضافة إلى النظرة السطحية أو الشفقة التي قد تُطفئ الحماس. وأحيانًا يكون عبء التكاليف أو قلة الفرص للمشاركة في المعارض والدورات عقبة أخرى، لكن رغم كل ذلك، تبقى ابتسامة الابن حين يُبدع أعظم مكافأة، لأنها لحظة يشعر فيها أنه قادر ومقدَّر. رسالتي لكل أسرة رسالتي لكل أسرة: أنتم النور الذي يضيء طريق أبنائكم، والنبض الذي يمنحهم الأمان في عالم مزدحم بالتحديات. امنحوهم الفرصة ليحلموا، وليرسموا، وليعبروا عن أنفسهم بطريقتهم الخاصة. احتفلوا بكل إنجاز مهما كان بسيطًا، فكل خطوة تبني بداخلهم الثقة والإيمان بالذات. لا تمنحوهم شفقة، بل إيمانًا. ولا تنظروا إلى إعاقتهم، بل إلى قدراتهم. فحين يجد ذوو الإعاقة من يقدر موهبتهم، يتحول الفن إلى جسر يربطهم بالمجتمع، ويُثبت أن الاختلاف ليس عائقًا، بل مصدر إلهام وجمال. وتذكروا دائمًا: وراء كل ابن مبدع.. أسرة آمنت به يوم لم يره أحد. فليكن شعارنا جميعًا: نرى القدرات لا الإعاقات.
525
| 18 نوفمبر 2025
تحليل نفسي لخطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية – ٤ نوفمبر في لحظة من لحظات الفخر، تابعتُ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية، فوجدت نفسي أتأمل كلماته لا بعين المتخصصة فقط، بل بقلب الإنسان الذي يؤمن أن التنمية ليست مجرد خطط ومؤشرات، بل هي نبض حياة يبدأ من داخلنا نحن. قالها صاحب السمو ببساطة وعمق: «التنمية تبدأ من الإنسان» في كل مرة يتحدث فيها سمو الأمير، نجد أن كلماته لا تقتصر على السياسة أو الاقتصاد، بل تلامس الوجدان الإنساني بصدقٍ واتزان. وها هو اليوم يقدّم خطابًا يحمل بين سطوره روح القيادة الحكيمة، والعقل الهادئ، والقلب الإنساني الذي يشعر بآلام العالم قبل أن ينطق بها. من منظورٍ نفسي، جاء الخطاب مفعمًا بالثقة الهادئة التي تعكس شخصية قيادية تعرف قيمة الإنسان، وتؤمن أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بكرامة الإنسان وشعوره بالأمان والعدالة والمساواة. هذه النظرة تجسّد ما يسميه علم النفس بـ «الذكاء العاطفي القيادي» — أي قدرة القائد على الموازنة بين المنطق والعاطفة، بين الرؤية المستقبلية والإحساس بالواقع. في حديثه عن العمل الجماعي والتضامن الدولي، خاطب سموه الضمير العالمي بلغةٍ راقية خالية من الانفعال، لكنها مشبعة بالمسؤولية. فهو لا يدعو إلى تنمية اقتصادية فحسب، بل إلى نمو وجداني عالمي، حيث يصبح التعاون حاجة إنسانية قبل أن يكون سياسية. وهذه اللغة المتزنة تعكس نضجًا نفسيًا ووعيًا بالذات، فالقائد الناضج هو من يسعى للتقريب لا للفرقة، وللإصلاح لا للمكايدة. وفي حديثه عن فلسطين ودارفور، تجلى الجانب الإنساني في أبهى صوره؛ إذ خرجت كلماته من ضميرٍ حيٍّ يرفض الظلم، ويشعر بمعاناة الشعوب قبل أن يتحدث عنها. إنها لحظة يلتقي فيها العقل الحكيم بالقلب الرحيم، في مشهدٍ يجمع بين الحزم والرحمة. أما داخليًا، فقد أبرز الخطاب رؤية قطر الواضحة في الانتقال من «الرعاية إلى التمكين»، وهو توجه نفسي عميق يدل على إيمان القيادة بقدرات الإنسان، ورغبتها في منحه الأدوات لا المعونة فقط — أي تحويل الضعف إلى قوة، والاعتماد إلى استقلال. وهذه، في جوهرها، هي فلسفة النمو الإنساني في علم النفس. وفي ختام الخطاب، حضرت نغمة الأمل بثقةٍ وهدوء، إذ شدد سموه على أن التنمية لا تزدهر في بيئة بلا سلام، وأن السلام لا يقوم إلا على أرض العدالة. إنها كلمات تُعيد الطمأنينة إلى النفوس، وتذكّرنا بأن الإنسان هو محور التنمية لا وسيلتها. من منظور نفسي خالص، كان الخطاب مرآة لقائدٍ ناضج وجدانيًا، مستقرٍ انفعاليًا، ومُلهمٍ إنسانيًا. قائد يستخدم الكلمة كأداة بناء نفسي ومعنوي، لا كبيانٍ سياسي، ويجمع بين الفكر والعاطفة، بين الواقعية والطموح الأخلاقي. هو نموذجٌ للقائد الذي يزرع في النفوس الثقة والأمل بمستقبلٍ أكثر عدلًا وتماسكًا. وأنا أعمل مع ذوي الإعاقة منذ سنوات، وجدت في حديث سموه عن «الانتقال من الرعاية إلى التمكين» رسالة عميقة لكل أسرةٍ ومؤسسةٍ وإنسانٍ يملك قلبًا حيًا: أن التنمية لا تكتمل إن تُرك أحد في الهامش، وأن الإيمان بالقدرات هو بداية كل نهضة. لقد خرجت من سماع الخطاب بشعورٍ عميق بالمسؤولية. شعرت أن التنمية الحقيقية ليست في الأبراج العالية أو المؤتمرات المبهرة، بل في الإنسان الذي يدرك أن وجوده في هذا العالم له معنى ورسالة. فكلما نمّينا إنسانيتنا، ازدهرت أوطاننا. وكلما آمنا بأن الخير يبدأ من الداخل، أصبحنا جميعًا شركاء في بناء عالمٍ أكثر رحمة وعدلًا وسلامًا. «فضفضة قلب… حديث من الوجدان إلى الوجدان»
1722
| 11 نوفمبر 2025
لفت انتباهي مؤخرًا فيديو عن طريقة التعليم في اليابان، جعلني أتوقف طويلًا لأتأمل وأكتب، لأذكّر نفسي أولًا، ثم أذكّر الآخرين، بالفرق العميق بين التربية والتعليم، وأيهما يجب أن يسبق الآخر. قبل أن نُعلّم أبناءنا، علينا أن نُعلّمهم الحياة. فما قيمة العلم إن لم يكن محاطًا بالأخلاق؟ وما نفع الشهادة إن غابت القيم التي تصونها؟ يُعد التعليم في اليابان من أكثر النماذج إلهامًا في العالم، ليس لأنه يخرّج المتفوقين أكاديميًا فقط، بل لأنه يبني الإنسان قبل العالِم، ويربّي الضمير قبل العقل. 1. التربية على القيم قبل المناهج في السنوات الأولى من التعليم، لا توجد اختبارات ولا درجات، لأن فلسفتهم تقوم على أن التربية تسبق التعليم، وأن الإنسان الصالح هو الأساس في بناء المجتمع الراقي المتقدم. لذلك يركزون على غرس القيم والسلوكيات أكثر من حفظ الدروس. يتعلم الطفل الانضباط، احترام الوقت، النظام، الالتزام، والعمل الجماعي. فهذه المبادئ تُعتبر في نظر اليابانيين أهم من العلامات والدرجات، فالعلم بلا أخلاق لا يصنع إنسانًا متوازنًا ولا مواطنًا مسؤولًا. 2. الانضباط والمسؤولية سلوك يومي المدارس اليابانية لا تعتمد على مراقبين أو عمال نظافة كما في معظم دول العالم، بل يقوم الطلاب أنفسهم بتنظيف فصولهم وساحاتهم وحتى الحمامات يوميًا. هذه الممارسة ليست مجرد نشاط، بل منهج تربوي مقصود، يعلم الأطفال احترام المكان، وتحمل المسؤولية، والتعاون، وفهم قيمة الجهد الجماعي. فعندما ينظف الطالب مقعده، لن يعبث به لاحقًا، لأنه يشعر بالانتماء والملكية تجاه ما شارك في بنائه وصيانته. 3. التعلم بالحياة لا بالحفظ في اليابان، لا يُنظر إلى المدرسة كمكان لتلقين المعلومات، بل كمجتمع صغير يتعلم فيه الطفل كيف يعيش في انسجام مع الآخرين. الدروس ليست كلها داخل الفصول؛ بل تُنظَّم الأنشطة اليومية بحيث يتعلم الطلاب العمل الجماعي، وحل المشكلات، والاحترام المتبادل. يُشجَّع الأطفال على التفكير الذاتي، والتجربة، والبحث عن الحلول بدلًا من التلقين والحفظ الأعمى. 4. فلسفة تربوية عميقة ترتكز الفلسفة التعليمية اليابانية على مقولة قديمة تقول: «ازرع الأخلاق تحصد شعبًا ناجحًا» ومن هنا، فإن تقييم الطالب في المراحل الأولى لا يُبنى على الحفظ دون فهم، ولا على اختبارات تُنتج الخوف والقلق، بل على ملاحظات سلوكية تتعلق بالاحترام، الصدق، التعاون، والنظام. فهم يؤمنون أن النجاح في الحياة لا يتحقق بالذكاء وحده، بل بالانضباط والإصرار والالتزام. 5. دروس مستفادة للعالم العربي تجربة اليابان تُلهمنا بضرورة إعادة النظر في أنظمتنا التعليمية، التي تركز في الغالب على الامتحانات والدرجات أكثر من القيم والسلوك. فلو استطعنا أن نُدرّس أبناءنا المسؤولية والاحترام والنظام، كما نُدرسهم الرياضيات والعلوم، لصنعنا جيلًا متوازنًا قادرًا على بناء وطنه. إنها دعوة من القلب: فلنُعد للتعليم رسالته الإنسانية، ولنجعل من مدارسنا مكانًا يُعلّم كيف نعيش، لا فقط كيف ننجح في الامتحان.
846
| 05 نوفمبر 2025
أحيانًا أسمع أولياء أمور أطفال ذوي الإعاقة يتحدثون بمرارة، يحمّلون الدولة والمجتمع مسؤولية ما حدث، وكأنهم يقولون: “لو كانت الخدمات أفضل، لو كان الوعي أعلى، لو وُجدت الرعاية منذ البداية… ما كان ابني بهذا الحال.” وأنا أفهم تمامًا هذا الصوت المليء بالوجع، لأن وراءه رحلة طويلة من القلق، والتعب، والاصطدام بالواقع. فحين يُولد طفل مختلف، تشعر الأسرة بأن الأرض تهتز تحتها، وأن الأحلام التي رُسمت بعناية تتبعثر أمامها فجأة. لكن الحقيقة المؤلمة أنه لا أحد يمكنه منع القدر أو تغييره. وجود الإعاقة ليس خطأ أحد، لا هو ذنب الأبوين، ولا هو تقصير من الدولة، بل هو جزء من تركيبة الحياة التي فيها الاختبار والعطاء والرحمة معًا. ومع ذلك، يبقى للوجع مساحة مشروعة، فالأهل يتألمون حين لا يجدون الدعم الكافي، أو حين تصطدم أحلامهم بجدران البيروقراطية أو نقص الخدمات. وهنا يبدأ الغضب، وتبدأ الاتهامات، وكأننا نحاول أن نُسكت الألم باللوم. لكن في لحظة هدوء صادقة، ربما نحتاج أن نسأل أنفسنا: هل تحميل الآخرين المسؤولية يخفّف الألم أم يطيله؟ هل نحتاج إلى من نلومه، أم إلى شراكة حقيقية بين الأسرة والمجتمع والدولة؟ حين يتحول الغضب إلى وعي، نبدأ نرى الصورة بوضوح أكبر. الدولة مسؤولة عن توفير الرعاية والخدمات والدمج والتعليم، وعن دعم المراكز المتخصصة وتدريب الكوادر وتأمين مستقبل هذه الفئة. والمجتمع مسؤول عن القبول، عن النظرة الإنسانية، عن أن يرى في ذوي الإعاقة قدراتهم لا إعاقتهم. أما الأسرة، فهي الأساس، فهي الحضن الأول، والمدرسة التي يتعلم فيها الطفل كيف يرى نفسه وكيف يواجه العالم. وأنا، كأم قبل أن أكون متخصصة، عشت هذه التجربة بكل تفاصيلها. لم أحمل يومًا أحدًا مسؤولية ما حدث، ولم أثقل على كاهل دولتي. سعيتُ طوال حياتي، بكل ما أوتيت من طاقة وإيمان، لأوصل ابني إلى برّ الأمان. لم أنتظر ما ستقدّمه الدولة، بل سعيت لأن أوفّر له بنفسي أفضل الأجهزة، وأحدث البرامج، وأكفأ المدربين. كنتُ أؤمن بأن القوة الحقيقية تبدأ من داخل البيت، من قلب الأم الذي لا يعرف الاستسلام، ومن يقينها بأن الله لا يضع في طريقها ابتلاءً إلا وفيه خير ورسالة. إنّ تحميل جهة واحدة كل المسؤولية ظلم للواقع وللطفل معًا. فالإعاقة ليست نهاية، بل بداية طريق مختلف يتطلب تضافر الجميع. الدولة تُشرّع وتُقدّم الدعم، والمجتمع يفتح الأبواب، والأسرة تزرع الأمل وتروي الحلم بالإصرار والصبر. حين يفهم كل طرف دوره، ننتقل من دائرة الشكوى إلى دائرة الفعل، ومن جلد الذات إلى البناء. همسة أخيرة: إلى كل أم وأب يسكن قلبهما طفل مختلف… اعلما أنكما لستما وحدكما، وأن ابنكما لا يحتاج دولة كاملة ليكبر، بل يحتاجكما أولًا؛ حبكما، صبركما، إيمانكما به. طالبا بحقوقكما، نعم، لكن لا تجعلا الشكوى تسرق منكما الفرح. ازرعا في بيتكما طمأنينة، وفي قلب طفلكما يقينًا بأنه محبوب وقادر، فذلك أعظم دعم يمكن أن تقدماه له. وصدقاني… حين يرى ابنكما الأمل في عيونكما، سيصنع معجزته الصغيرة كل يوم.
882
| 30 أكتوبر 2025
1. الوجه الإيجابي • يعكس النضج وعمق التفكير اللازم لاتخاذ القرارات. • يتيح للإنسان جمع المعلومات وتحليل البدائل من مختلف الزوايا. • يساهم في بناء قدرة واعية ومسؤولة على اتخاذ القرار. 2. الوجه السلبي • يؤدي إلى ضياع الفرص حين تتأخر القرارات الطويلة. • يضعف الثقة بالنفس، ويزرع القلق والشك الداخلي الدائم. • قد يضر بالعلاقات والنجاح الشخصي، إذا تحول التردد إلى عادة ملازمة. – كيف نتجاوز سلبيات الحيرة والتردد؟ 1. الوعي الذاتي أن نفهم أنفسنا جيدًا ... ما نحب، ما نُبرع فيه، وما يريح وجداننا .. يساعد على اتخاذ قرارات أسرع وأنسب. 2. تحليل الخيارات كتابةً كتابة الإيجابيات والسلبيات لكل خيار تبني وضوحًا في العقل، وتساعدك في رؤية الصورة الكاملة. 3. القرارات الصغيرة أولًا بتكرار اتخاذ قرارات بسيطة يومية، يبني الإنسان ثقته بنفسه ويُدرّب عقله على الحسم. 4. استشارة أهل الثقة أحيانًا يرى الآخرون ما لا نراه نحن في لحظة الحيرة. نصيحة حكيمة في الوقت المناسب قد تكون فارقة. 5. الدعاء والاستخارة التوكّل على الله، وطلبه التوفيق والهدى، يمنح القلب راحة وطمأنينة ويخفف عن كاهل القرار. – نصائح عملية: • لا تبحث عن الخيار المثالي، فهو وهم. كل خيار يحمل جانبًا جيدًا وآخر أقل. • ضع موعدًا نهائيًا لاتخاذ القرار، حتى لا تنفد قوتك في التردد. • تذكّر أن الخطأ ليس فشلًا، بل درس وتراجع من شأنه أن يعززك في المستقبل. الخاتمة: الحيرة والتردد شعوران إنسانيان طبيعيان، لا نحتاج للخجل أو التهرب منهما. بل يجب أن نحولهما إلى فرصة للتفكير والتأني، وليس مبررًا للجمود. الحياة لا تنتظر المترددين، لكنها تقدر من يخطو خطوة، ويجرب، ويتعلم من محاولاته سواء أصاب أو أخطأ.
1128
| 21 أكتوبر 2025
ناقشتني صديقتي مؤخرًا حول موضوع الحيرة والتردد، وكانت تؤكد أن التردد يضيع على صاحبه أمورًا عديدة. استوقفتني فكرتها، لأن فيها حقيقة، ولكني رأيت أن الموضوع أكبر من ذلك. فأجبتها قائلة: صديقتي العزيزة، كلامك فيه جانب مهم، وأنا أوافقك في أن التردد الزائد فعلاً يضيع فرصًا كثيرة، خاصة إذا ظل الإنسان حائرًا فترة طويلة دون حسم. الحياة تحتاج قرارات في وقتها، والتأخير أحيانًا يعني خسارة الفرصة. لكن بنفس الوقت، ليس كل تردد سيئ. هناك فرق بين التردد الناتج عن ضعف وثقة مهزوزة، وبين التريث المدروس الناتج عن التفكير العميق. أحيانًا الإنسان يحتاج لحظة ليوقن ماذا يناسبه، يقارن بين البدائل، ويتأكد من اتجاهه، بعض القرارات إذا اتخذت بسرعة، قد يندم الإنسان لاحقًا. باختصار، التردد إذا كان نابعًا من وعي ومعرفة — فهو إيجابي، أما إذا كان ناتجًا عن خوف أو تردد دائم — فهذه مشكلة حقيقية. السر هو التوازن، لا نتسرع ولا نغرق في التردد حتى نفقد الفرص. نفكّر، نستشير، نستخير، ثم نختار بثقة، وحتى لو وقعنا في الخطأ، نتعلم ونمضي”. تمرّ في حياة الإنسان لحظات يقف فيها عند مفترق طرق، حائرًا بين خيارات متعددة؛ بعضها واضح وبعضها خفي، بعضها محفوف وبها مخاطرة. قد تكون القرارات قرارات مصيرية تغيّر مجرى الحياة — مثل اختيار تخصص الدراسة أو شريك الحياة — أو قرارات يومية تبدو بسيطة، لكنها قد تحمل تبعات كبيرة. في تلك اللحظات، يحدث الصراع الداخلي بين صوت العقل، الذي يهيب بالتفكير المتأنّي، وبين نبض القلب، الذي يميل إلى ما يرتاح إليه ويحبّه. نتساءل: ماذا لو أخطأنا؟ ماذا لو اخترنا الطريق الخاطئ؟ تتحول هذه الأسئلة إلى دوامة من التردد، يختلط فيها الخوف من الندم بالرغبة في الصواب. يصبح الحسم أصعب، وتتشكّل الضغوط على الكتفين. لكن، الحيرة والتردد ليسا أعراض ضعف كما يظن البعض، بل لحظة تفكير عميق تدلّ على وعي الإنسان وتحمّله مسؤولية اختياراته.
738
| 16 أكتوبر 2025
ظاهرة غريبة تنتشر بشكل سريع في مجتمعاتنا وبين أبنائنا الألعاب الإلكترونية، فهي أنشطة ترفيهية رقمية تُمارس عبر الأجهزة الذكية مثل الحواسيب، الهواتف، أجهزة البلايستيشن والإكس بوكس، أو عبر الإنترنت. وتتنوع بين ألعاب فردية وجماعية، تعليمية أو قتالية، خيالية أو واقعية، وتستهدف جميع الفئات العمرية، لكنها تجذب الأطفال والمراهقين بشكل خاص. العالم الأهم في زمن تغلغلت فيه التكنولوجيا في تفاصيل حياتنا، باتت الألعاب الإلكترونية جزءًا من يوميات أطفالنا، بل أصبحت في بعض البيوت هي “العالم الأهم” بالنسبة للطفل. ومع أنها قد تبدو مجرد وسيلة للترفيه، فإن بعض هذه الألعاب تحمل في طياتها تهديدًا نفسيًا وسلوكيًا خطيرًا. ألعاب خطرة تستهدف عقول الأطفال من أبرز الألعاب التي أظهرت تأثيرًا سلبيًا على الأطفال والمراهقين: * ألعاب قتال عنيف، تُطبّع الطفل مع العنف والقتل وتمنحه شعورًا زائفًا بالقوة. * ألعاب تمجّد الجريمة والسرقة، وتعرض محتوى جنسيًا وسلوكيات لا أخلاقية. * منصات مفتوحة تتيح تواصلًا مباشرًا مع غرباء، وغرف دردشة غير خاضعة للرقابة. • تحديات نفسية مرعبة تُطلب من الطفل تنفيذ أوامر متصاعدة، تصل إلى الإيذاء أو الانتحار. • رغم المظهر البريء، إلا أن بعض سيرفرات الألعاب غير المراقبة تتضمن محادثات ومهام سامة أو محتوى غير مناسب. • ألعاب إدمانية تعتمد على المكافآت اللحظية، دون فائدة تعليمية أو تطوير حقيقي. متى تُصبح الألعاب الإلكترونية خطرًا على الأبناء؟ • عندما يفقد الطفل السيطرة على الوقت ولا يستطيع التوقف عن اللعب. • إذا بدأ يُظهر سلوكًا عدوانيًا أو انعزاليًا نتيجة اللعب. • عند تكرار مشاهد أو ألفاظ من اللعبة في الحياة اليومية دون وعي. • إذا أهمل الطفل دراسته، طعامه، نومه أو علاقاته الاجتماعية. • عندما يُظهر الطفل توترًا، قلقًا أو غضبًا شديدًا إذا طُلب منه التوقف عن اللعب. لماذا يتعلق الأطفال بهذه الألعاب وينفذون أوامرها؟ من منظور نفسي، الأطفال لا يتمتعون بعد بالقدرة الكاملة على التمييز بين الخيال والواقع. دماغهم، خاصة الفص الجبهي المسؤول عن التفكير المنطقي واتخاذ القرار، لا يكتمل تطوره إلا بعد سن المراهقة المتأخرة. لذلك، فهم عرضة للانقياد، خصوصًا عندما تُمارس عليهم ضغوط مثل: • “الجميع فعلها، لماذا أنت خائف؟” • “إن لم تنفذ هذه المهمة، ستخسر اللعبة” • “هذا هو السبيل لحماية شخصيتك أو إنقاذ صديقك في اللعبة” ويشعر الطفل بأنه مضطر لإثبات ذاته، أو لحماية شخصيته الافتراضية التي تعلّق بها عاطفيًا. كما أن المكافآت اللحظية تحفّز دماغه لإفراز الدوبامين، مما يخلق حالة من الإدمان النفسي يصعب الانفكاك منها. دور الأسرة المعرفة أولًا: يجب على الأهل التعرف على الألعاب التي يلعبها أبناؤهم، محتواها، ومخاطرها. • التوجيه والمتابعة: لا تترك الطفل يتعامل مع العالم الرقمي بمفرده؛ راقبه وشاركه. • تحديد الوقت المناسب: لا بد من وجود وقت يومي أو أسبوعي محدد للعب، بحدود واضحة. • فتح الحوار: تحدث مع ابنك عن اللعبة وما يعجبه فيها، وافهم دوافعه ومشاعره. • غرس التوازن: ساعد الطفل على التوفيق بين اللعب، الدراسة، النوم، والأنشطة الواقعية. نصائح عملية للأسرة: 1. استخدم أدوات الرقابة الأبوية في الأجهزة والتطبيقات. 2. ضع قواعد أسرية واضحة تخص وقت اللعب ومحتوى الألعاب. 3. وفّر بدائل مشوقة: مثل الرياضة، الفنون، الرحلات، والأنشطة الجماعية. 4. تابع السلوك النفسي والذهني للطفل: أي تغير غير معتاد قد يكون نتيجة تأثير سلبي 5. لا تمنع الألعاب فجأة: بل قللها تدريجيًا وأبدلها بأنشطة واقعية ممتعة. 6. كن قدوة رقمية: إذا رأى الطفل والديه متعلقين بالأجهزة، فسيقلدهم. رسالتي كمعالِجة نفسية: أقول لكل أب وأم: اقتربوا من أبنائكم قبل أن يقترب منهم غرباء في عوالم مفتوحة لا ترحم. راقبوا، لا تتجسسوا. اسألوا، لا تحققوا. شاركوهم اللعب، بدلًا من أن تحذّروهم فقط. الطفل لا ينتحر لأنه “اختار” الموت، بل لأنه لم يجد من يسمعه أو يفهمه أو ينقذه. ليست الألعاب وحدها المسؤولة، بل الفراغ العاطفي، وغياب الحوار، والتساهل مع التغيرات السلوكية. أوقفوا الجريمة قبل أن تحدث، بحبّكم، واهتمامكم، واحتضانكم الدائم.
375
| 07 أكتوبر 2025
كيف نحمي فرحنا من الحسد كثيرًا ما نسمع العبارة التي توارثناها عن أهل الخبرة والتجربة: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”، وكأنها قاعدة ذهبية لحماية أحلامنا وأهدافنا قبل أن تخرج إلى النور. الكتمان هنا ليس خوفًا ولا ضعفًا، بل هو نوع من الذكاء والوعي؛ لأن ليس كل ما نملكه أو نخطط له يصلح أن يكون على مرأى ومسمع الجميع. الحسد ..... وإن حاول البعض إنكاره فهو حقيقة لا يمكن تجاهلها. هو شعور خفي يتسلل إلى القلوب، قد يحرق النعمة في عيون الناس قبل أن تذبل بأيدينا. نحن لا نتحدث هنا عن أوهام، بل عن أثر واضح يلمسه كل من جرب أن يفرح بإنجاز صغير ثم فجأة وجد أن خطواته تعطلت أو طاقته انطفأت. الحسد أو تأثير العين قد يسبب ضررًا كبيرًا، وقد يكون قاتلا لو استهان به. لكن الملفت أن البعض حين ننبه على خطورة الإفراط في نشر تفاصيل حياتنا، يردون بقولهم: “وأما بنعمة ربك فحدث”. وهنا تكمن المشكلة، لأن الكثيرين فهموا الآية الكريمة على غير معناها الصحيح. الحديث بالنعمة لا يعني أن نعرض صور بيوتنا، وسفرياتنا، وأطباقنا، وهدايانا، وحتى نجاحات أولادنا على الفيسبوك والإنستجرام ليل نهار. الآية أعمق بكثير من هذا الفهم السطحي. “وأما بنعمة ربك فحدث” معناها أن تُشكر النعمة بالعمل الصالح: بالصدقة، بذكر الله، بخدمة الناس، وبأن يرى الناس أثرها في سلوكك وأخلاقك. أن تكون شاكرًا، متواضعًا، رحيمًا، فهذه أبلغ طريقة للحديث عن النعمة. أمّا أن نحول حياتنا الخاصة إلى عرض عام على المنصات، فهذا في حقيقته تبذير للفرحة وتعريض للنعمة للخطر. الحقيقة أن العالم اليوم صار مكشوفًا أكثر من اللازم. نكتب كل ما يخطر في بالنا، نصور كل ما نعيشه، ونشارك حتى تفاصيل لا تحتمل المشاركة. لكننا ننسى أن ليس كل من يرانا يتمنى لنا الخير. البعض يبتسم في وجهك وهو يخفي في قلبه غيرة أو حسدًا، والبعض يتابعك بصمت لكن عينه لا تحتمل رؤية الفرح عندك. لهذا، الحكمة أن نعيش نعمنا في ستر، ونحمد الله عليها سرًا وعلانية، لكن دون أن نُسرف في كشفها للناس. فالبركة لا تأتي من عدد اللايكات والتعليقات، بل من شكر الله، ومن أن نحفظ ما أعطانا بالحمد والدعاء. ليست كل نعمة تصلح أن تُعرض… فبعضها لا يعيش إلا في ستر القلوب. فلنحكِ عن نعمنا لله شكرًا، لا للناس تفاخرًا. ولنشارك الخير على شكل ابتسامة أو صدقة أو كلمة طيبة، بدل أن نعرض حياتنا في واجهة معرض مفتوح لكل عابر. السعادة الحقيقية لا تحتاج جمهورًا يصفق لها، بل قلبًا شاكرًا يحميها.
744
| 30 سبتمبر 2025
في قلب الدمار، حيث تختلط أصوات الأطفال بصفير القذائف، يعلو صوت الإنسانية من غزة ليقول: “نحن هنا… ما زلنا نحلم”، إنها معاناة تُدوّنها الجدران المهدمة والبيوت التي غابت عنها الضحكات، لكن بقي فيها صدى الأمل. أهل غزة يواجهون الألم بالثبات، والدمار بالصبر، والفقدان بالإيمان بأن الغد سيكون أفضل. ورغم أن المعاناة تحاصرهم من كل جانب، فإنهم يرسلون أصواتهم إلى العالم ليُذكّرونا أن الإنسانية لا تعرف حدودًا، وأن الظلم لا يمكن أن يخمد شعلة الحياة. إن بناء الأوطان لا يكون بالقوة وحدها، بل بالعلم والمعرفة، وبالأمل الذي يُنير دروب المظلومين، فكما يقف أبناء غزة اليوم متحدّين رغم قسوة الظروف، فإن غدهم سيُصنع بالعلم الذي يفتح الأبواب، وبالأمل الذي يزرع في قلوبهم شجرة حياة جديدة. وبالأمل والعلم… تُبنى الأوطان ويُصنع غد أفضل، لتبقى غزة رمزًا للصمود، ورسالة أملٍ تتجاوز الألم. “صوت بين الركام” في أحد أزقة غزة الضيقة، جلست ليان الطفلة ذات التسعة أعوام بين أنقاض بيتها المهدّم. كانت تمسك بكتابٍ نجح والدها في إخراجه من تحت الركام، وقال لها وهو يربت على كتفها: “البيوت تُبنى من جديد يا ليان، لكن العقول لا تُهدم… والعلم هو ما سيبني غدك وغد وطنك.” نظرت ليان إلى السماء الملبّدة بالدخان، ثم ابتسمت رغم دمعة علقت بعينيها: “سأدرس يا أبي… حتى لو قرأت على ضوء شمعة، وحتى لو جلست بين الحجارة». مرّت ساعات، وكان الليل ثقيلاً، لكن صوت ليان وهي تقرأ دروسها وسط الخراب كان يعلو على صمت الدمار. سمعها الجيران وقال أحدهم: “انظروا… حتى بين الركام، يولد الأمل». وهكذا، في قلب غزة الجريحة، تعلّمنا أن الأوطان لا تُبنى فقط بالحجارة، بل بالأمل الذي يسكن القلوب، وبالعلم الذي يصنع الغد الأفضل. تلك قصة خيالية، أما القصة الحقيقية فهي للمعلمة إسراء أبو مصطفى فصل بديل على أنقاض بيتها • بعد أن دمّر القصف منزل المعلمة إسراء أبو مصطفى في خان يونس، قررت ألا تسمح للدمار أن يُبيد تعليم الأطفال. • قامت بتأسيس فصل دراسي مؤقت، تحت خيمة، على ركام بيتها، تجمع فيه الأطفال من الروضة إلى الصف السادس. • الطلاب يأتون ليلاً ونهارًا رغم الدمار من حولهم، ليحافظوا على روتينهم الدراسي وشعورهم بأن الحياة تستمر، وأنّ التعليم ليس رفاهية بل حقّ يجب أن يُمارَس. كلمة ختامية حين يتكسّر الحجر وتنهار الجدران، يبقى العلم هو الجدار الأخير الذي يحمي الإنسان من السقوط. في غزة، بين الركام والدخان، لا تُطفأ شمعة الأمل، ولا ينطفئ صوت المعرفة. ليان الصغيرة التي تقرأ على ضوء شمعة، والمعلمة إسراء التي حوّلت أنقاض بيتها إلى فصل دراسي، هما صورتان ناصعتان لوطنٍ ينهض رغم الجراح. إن الرسالة التي يبعثها أبناء غزة إلى العالم واضحة: قد يدمّر العدوان البيوت، لكنه لا يستطيع أن يدمّر العقول. وقد يسلبون الأرض، لكنهم لن يسلبوا الحلم. فالعلم هو السلاح الأقوى، والأمل هو الزاد الأبقى. ومع كل طفل يفتح كتابًا، وكل معلم يصرّ على التعليم، تُزرع بذرة لغدٍ أفضل، تُبنى به الأوطان وتنتصر به الحياة أخيرا.. “قد تهدم القنابل البيوت، لكنها لا تهدم العقول. في غزة، يولد الأمل من بين الركام، ويصنع العلم غدًا لا يُهزم.
1575
| 23 سبتمبر 2025
في مساء 9 سبتمبر 2025، تعرضت قطر لعدوان غادر أرهق قلوب جميع المواطنين. عدوان استهدف الدوحة وأسفر عن استشهاد عدد من الأبرياء، بينهم مدنيون لم يكن لهم ذنب سوى أنهم يعيشون على أرض وطنهم ويؤمنون به. هذا العدوان لم يكن مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل هو اختبار حقيقي لوحدة الشعب وقوة عزيمته، ولتذكير الجميع بأن الأمان الذي نعيشه هو ثمرة تضحيات كبيرة، وأن الحرية ليست هبة تأتي بسهولة. وسط هذا الألم، تجلت أروع صور الوطنية. المواطن القطري أظهر قدرته على الوقوف صفًا واحدًا مع أسر الشهداء، وتقديم الدعم للجرحى، والمشاركة الفعلية في كل ما يحمي المجتمع. لقد كانت المشاركة تعبيرًا عن الولاء الصادق والانتماء الحقيقي للوطن، حيث لم يقتصر دوره على الشعور بالحزن أو الاستنكار، بل امتد إلى العمل، والتوعية، والتكاتف للحفاظ على الأمن والاستقرار. وكان لسمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني دور بارز ومؤثر في هذه اللحظات الحزينة. فقد حضر سموه مراسم صلاة الجنازة على الشهداء في مسجد الإمام محمد بن عبد الوهاب، معزيًا أسرهم، ومؤكدًا أن الدولة لن تنسى تضحيات أبنائها، وأن حماية المواطنين صمام أمان الوطن. هذا الموقف يجسد العلاقة العميقة بين القيادة والشعب، ويذكرنا بأن الوطن يعيش وينهض حين يكون الشعب والقيادة قلبًا واحدًا ويداً واحدة في وجه كل تحدٍ وتهديد. لقد أثبتت هذه الأزمة أن المواطن القطري هو الدرع الحقيقي للوطن، وأن التضحية ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية تظهر في كل موقف يتطلب الوقوف دفاعًا عن الأرض والكرامة. فالوفاء للوطن يبدأ من كل بيت، من كل قلب ينبض بالحب والولاء، ومن كل فرد يعي أن دوره لا يقتصر على التواجد في مكانه، بل يمتد إلى حماية قيم وأمن وطنه. في المقابل، تؤكد الدولة دائمًا أن حماية المواطن والدفاع عن الوطن ليست خيارًا بل هو واجب لا يتزعزع. من خلال الأجهزة الأمنية، والخطط الوقائية، والدعم الكامل للمواطنين وأسر الشهداء، تظل قطر دولة قوية صامدة أمام كل محاولات زعزعة الأمن والاستقرار. كما تبرز أهمية التعاون بين الدولة والمواطن، حيث يصبح كل فرد جزءًا من منظومة الدفاع والحماية، ويكون كل تضحية صغيرة أو كبيرة لبنة في صرح الوطن الكبير. في النهاية، العدوان الغادر يذكرنا جميعًا بأن حماية قطر مسؤولية مشتركة بين القيادة والشعب. المواطن هو الدرع الحامي، الدولة هي السند والحامي، والوطن هو القيم والأرض التي تستحق أن نحميها بكل ما نملك. التضحية والعمل المشترك هما السبيل لاستمرار قطر قوية، آمنة، ومزدهرة، لتظل مثالًا للوفاء والصمود أمام كل التحديات.
192
| 14 سبتمبر 2025
«كل بداية جديدة فرصة لنرتب حياتنا من جديد». ها نحن نودّع الإجازة بكل ما فيها من فوضى جميلة: سهر طويل، خروج متكرر، تسلية بالأجهزة الذكية، رحلات وتنزه، ومأكولات بلا حساب. ومع اقتراب العودة للمدارس والجامعات، نجد أنفسنا كأسر أمام تحدٍ كبير: كيف نعيد أبناءنا إلى النظام؟ هل نغلق فجأة باب الفوضى، أم نأخذهم بالتدرج نحو الروتين من جديد؟ الحقيقة أن العودة المفاجئة غالبًا تُرهق الطالب وتُربك الأسرة، بينما التدرج هو المفتاح الذهبي. قبل أسبوع من الدراسة على الأقل، يُستحسن البدء بإعادة تنظيم ساعات النوم شيئًا فشيئًا، وتحديد أوقات الوجبات الرئيسية مع التركيز على نوعية الطعام الصحي والمتوازن. كما يُنصح بتخفيف ساعات استخدام الأجهزة الذكية والتقليل من الخروج من المنزل ولقاء الأصدقاء تدريجيًا، دون فرض قرارات حادة أو صارمة. الهدف هو أن يشعر الطالب أن العودة إلى الدراسة امتداد طبيعي لحياته اليومية، لا عقوبة بعد الإجازة. حاول قدر الإمكان إشراك ابنك في التجهيز للمدرسة، من خلال: • اصطحابه للتعرف على المكان، سواء كانت المدرسة أو الحضانة أو الجامعة، قبل بدء الدراسة. • مرافقتك أثناء شراء الزي المدرسي أو اليونيفورم، وكذلك الحقيبة، الدفاتر، والأقلام. • السماح له بالاختيار والمشاركة في اتخاذ القرارات، لتعزيز شعوره بالمسؤولية والحماس للعام الدراسي الجديد. الأسبوع الأول: التهيئة النفسية والروتينية في هذا الأسبوع تتشكل صورة المدرسة أو الجامعة في ذهن الطالب، وتُبنى مشاعره تجاه العودة. لذلك، دور الأسرة أساسي: • الاستماع لمشاعر الأبناء، سواء كانت حماسًا أو قلقًا. • تهيئة أجواء صباحية مبهجة: فطور صحي، كلمات دافئة، تحفيز وتشجيع. • تجنب التوبيخ أو المقارنات مع الآخرين، بل تشجيع الخطوات الصغيرة للعودة للنظام. نصائح حسب المرحلة التعليمية 1. الروضة: • إعادة جدول النوم تدريجيًا مع تقليل وقت اللعب على الأجهزة. • تنظيم أوقات اللعب والوجبات والراحة بشكل يومي، حتى يصبح الروتين مألوفًا. • إشراك الطفل في تحضير حقيبته أو اختيار زيّه المدرسي، لرفع حماسه للعودة. 2. الابتدائي: • تعزيز المسؤولية: مراجعة الواجبات بشكل يومي، وتحديد وقت للقراءة أو المذاكرة. • مشاركة الطفل في تحديد أهداف بسيطة للعام الجديد. • تشجيعه على تنظيم مكتبه وأدواته لتعود عادة النظام تدريجيًا. 3. الثانوي: • تعزيز مهارات الإدارة الذاتية: تنظيم جدول يومي يوازن بين الدراسة والترفيه والنوم. • مراقبة استخدام الأجهزة الذكية مع احترام خصوصيته، وتشجيع النشاطات الاجتماعية الواقعية. • الحديث معه عن أهمية الدراسة للمستقبل، مع تقديم الدعم النفسي عند الحاجة. 4. الجامعي: • إعادة تنظيم وقت النوم والوجبات وفق جدول المحاضرات والدروس. • التركيز على إدارة الوقت بين الدراسة، الأنشطة، والعمل إن وجد. • تشجيعه على الالتزام بالروتين بنفسه دون فرض صارم من الأسرة، مع توفير دعم معنوي عند الحاجة. العودة للطلاب ذوي الإعاقة قد يواجه هؤلاء الطلاب صعوبة أكبر في العودة بعد الإجازة، حيث قد يفقدون بعض المهارات أو يكتسبون عادات غير صحية. الحل هو التدرج والصبر: • إعادة جدول الروتين اليومي خطوة خطوة. • استخدام الجداول البصرية والتذكير المستمر بالأنشطة اليومية. • إشراكهم في تحضير المستلزمات المدرسية لرفع الحماس والاعتماد على الذات. • التواصل مع المعلمين لضمان دمج سلس ودعم مستمر. نصائح عامة للأسر • تعديل النوم تدريجيًا قبل أسبوع على الأقل. • تقليل استخدام الأجهزة الذكية تدريجيًا، واستبدالها بأنشطة ممتعة. • التركيز على الحديث الإيجابي عن المدرسة والجامعة. • القدوة الحسنة: الأب والأم كنموذج للنظام والهدوء. • تذكير الأبناء بالإنجازات الصغيرة لتشجيعهم على الاستمرار. العودة للمدارس ليست مجرد بداية عام جديد، بل فرصة لصفحة جديدة بالحب والنظام، ولتقوية الروابط الأسرية، وتحفيز الأبناء على تنظيم حياتهم بكل مراحلها التعليمية. ونسأل الله أن يوفّق طلابنا في عامهم الدراسي الجديد، وأن يكون عامًا مليئًا بالنجاح والتحصيل والفرح والإنجاز.
387
| 03 سبتمبر 2025
مساحة إعلانية
عندما أقدم المشرع القطري على خطوة مفصلية بشأن...
1698
| 25 نوفمبر 2025
أصبحت قطر اليوم واحدة من أفضل الوجهات الخليجية...
1557
| 25 نوفمبر 2025
شهدت الجولات العشر الأولى من الدوري أداءً تحكيميًا...
1281
| 25 نوفمبر 2025
في مدينة نوتنغهام الإنجليزية، يقبع نصب تذكاري لرجل...
1116
| 23 نوفمبر 2025
بات الذكاء الاصطناعي اليوم واقعاً لا يمكن تجاهله...
1095
| 30 نوفمبر 2025
في زمن تتسارع فيه المفاهيم وتتباين فيه مصادر...
846
| 25 نوفمبر 2025
الصداقة من خلال الرياضة.. الشعار العالمي للمجلس الدولي...
750
| 24 نوفمبر 2025
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات، وتُلقى فيه الكلمات...
636
| 28 نوفمبر 2025
* يقولون هناك مدير لا يحب تعيين المواطن...
516
| 24 نوفمبر 2025
حين ينضج الوعي؛ يخفت الجدل، لا لأنه يفقد...
513
| 23 نوفمبر 2025
منذ فجر الحضارات الفرعونية والرومانية وبلاد ما وراء...
492
| 24 نوفمبر 2025
في كلمتها خلال مؤتمر WISE 2025، قدّمت سموّ...
465
| 27 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية