رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

609

سعدية مفرح

الموناليزا حين تتكلم

19 يناير 2026 , 12:51ص

عن البصيرة التي ترى ما لا يُقال!

بعض المحاضرات لا تنتهي أفكارها عند حدود القاعة التي تقدم فيها، بل تبدأ هناك، ثم تواصل عملها في أعماقنا بصمت. من هذا النوع كانت المحاضرة التي قدّمها الباحث الكويتي بدر العجمي قبل أيام في الكويت بعنوان «سر الموناليزا لتحقيق النجاح: انعكاس الذات بين أسرار الفن والعقل الباطن»، حيث لم تُقرأ اللوحة بوصفها أثرًا فنّيًا محفوظًا في متحف، وإنما ككائن حيّ، يختبر وعينا، ويقيس قدرتنا على النفاذ خلف السطح، وعلى تفعيل البصيرة بدل الاكتفاء بالنظر.

منذ البداية، بدا واضحًا أن الحديث لن يتوقف عند جماليات الشكل ولا عند التاريخ الفني للعمل، بل سيمضي أبعد، إلى منطقة شائكة وحسّاسة، منطقة ما وراء المعنى، حيث تتقاطع ظواهر الأشياء مع بواطنها، وحيث لا يعود النجاح نتيجة رقمية أو صورة اجتماعية، بل حالة وعي، وقدرة على قراءة ما لا يُصرَّح به. كانت الموناليزا حاضرة لا كامرأة مرسومة، بل كبنية نفسية مفتوحة، وكحالة إدراكية تختبر المتلقي بقدر ما ينظر إليها.

ما شدّني في طرح المحاضِر، وفي النقاشات الحيوية التي تفاعلت معه، هو هذا الإصرار الذكي على أن سرّ الموناليزا لا يكمن فيما نراه مباشرة، بل فيما نشعر به دون أن نستطيع القبض عليه لغويًا. الابتسامة ليست لغزًا بصريًا بقدر ما هي تمرين على البصيرة، على تلك القدرة الداخلية التي تلتقط الإيحاء قبل التفسير، وتقرأ الصمت قبل الكلام. وهنا، تحديدًا، تتجلّى العلاقة العميقة بين الفن والعقل الباطن، حيث لا تعمل الأشياء بمنطق مباشر، وإنما عبر طبقات من الحدس والتجربة والذاكرة.

توقفت كثيرًا عند فكرة أن دافنشي لم يكن معنياً بتقديم معنى واحد، بل بتدريب العين والعقل معًا على رؤية التعدد. الخلفية الثرية، والمسارات غير المستقيمة، وتوازن الضوء والظل، كلها عناصر لا تُكمل المشهد بقدر ما تفتحه، وكأن اللوحة تقول إن الحقيقة لا تُمنح دفعة واحدة، وإن البصيرة لا تعمل إلا حين نقبل بعدم الاكتمال. هذه المقاربة، كما طُرحت في المحاضرة، أعادت تعريف النجاح بوصفه قدرة على فهم الظواهر دون الوقوع في فخها، وعلى العبور من الشكل إلى الجوهر دون تعالٍ أو ادّعاء.

النقاشات التي دارت أثناء المحاضرة عمّقت هذا الفهم، خصوصًا حين جرى الربط بين البصيرة كأداة إدراك، وبين النجاح كمسار داخلي طويل. كان لافتًا كيف جرى تفكيك الفكرة الشائعة عن النجاح بوصفه وضوحًا دائمًا، واستبدالها بفكرة أكثر إنسانية، ترى في التردد، وفي السؤال، وفي المراجعة، عناصر قوة لا علامات ضعف. نجاح يشبه الموناليزا في هدوئه، وفي ثقته غير الصاخبة، وفي قدرته على الحضور بلا استعراض.

في هذا السياق، بدت اللوحة أقل غموضًا وأكثر صدقًا. لم تعد لغزًا يُطلب حله، بل تجربة تُمارَس، ومساحة يتدرّب فيها المرء على قراءة نفسه. وهذا ما منح المحاضرة قيمتها الفعلية، أنها لم تفرض نتائج جاهزة، ولم تُغلق باب التأويل، بل احترمت ذكاء المتلقي، ودعته إلى تشغيل بصيرته، وإلى التفكير في علاقته بذاته، وفي الطريقة التي يرى بها الأشياء، وفي الكيفية التي يصنع بها معنى نجاحه الخاص.

خرجتُ من تلك المحاضرة المطولة وأنا أكثر اقتناعًا بأن الأعمال العظيمة لا تُقاس بما تظهره، بل بما تخفيه دون أن تحجبه، وبأن الفن، حين يُقارب بوعي نقدي وإنساني، يتحوّل إلى أداة كشف داخلي. 

تحية لبدر العجمي على محاضرته العميقة، وعلى قدرته على تحويل لوحة أيقونية إلى مساحة تفكير حيّ، وعلى طرحه الذي أعاد الاعتبار لقوة البصيرة، وللمعنى الذي لا يُقال، وللنجاح بوصفه رحلة وعي قبل أن يكون محطة وصول.

اقرأ المزيد

alsharq «فإِذا فرغت فانصب»

حين تتزاحم الملهيات على القلب، وتتشابك تفاصيل الحياة اليومية، حتى تكاد تسرق من الإنسان صفاءه الداخلي، تأتي الآية... اقرأ المزيد

111

| 03 مايو 2026

alsharq معضلة براءة الاختراع

لطالما قُدمت براءة الاختراع للمبتكر العربي على أنها 'صك الأمان' ودرعه الحصين، لكن الواقع التقني المعقد اليوم يكشف... اقرأ المزيد

114

| 02 مايو 2026

alsharq نبض العطاء

يُعد يوم العمال العالمي مناسبة مهمة لتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي يقوم به العمال في بناء المجتمعات... اقرأ المزيد

93

| 02 مايو 2026

مساحة إعلانية