رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

501

سعدية مفرح

حياتي.. وحياتي الأخرى.. والكتابة!

26 أبريل 2026 , 10:57م

أتساءل أحيانًا: كيف كان يمكنني مواجهة هذا كله لو أنني لم أعثر على بابٍ يفضي إلى الكتابة؟ السؤال لا يأتي كترفٍ ذهني، ولا كجملةٍ تصلح لتزيين مقدمة، بل كحقيقةٍ تتسلل إلى أعماقي كلما شعرت أنني كنت قاب قوسين من الانطفاء ثم تراجعت، كأن يدًا خفية أعادتني إلى مكاني، إلى طاولتي، إلى الورقة التي تنتظرني بصبرٍ لا يشبه صبر البشر.

الكتابة لم تكن خيارًا جماليًا في حياتي، ولم تكن هواية تُمارس في أوقات الفراغ، بل جاءت كضرورةٍ تشبه التنفس، وكأنها الحيلة الوحيدة التي ابتكرتها لأبقى متماسكة وأنا أعبر كل تلك المساحات المربكة. كنت أكتب لأنني لم أجد طريقةً أخرى لفهم ما يحدث لي، ولأن الكلمات كانت الوسيط الأقل خيانةً بيني وبين نفسي، حيث يمكنني أن أقول ما لا يُقال، وأن أُعيد ترتيب ما بعثره الواقع في داخلي، وأن أضع حدودًا لما كان يتسرب إلى روحي من قسوةٍ لا تُرى.

أتذكر أنني في لحظاتٍ كثيرة كنت أشعر أنني أعيش حياتين متوازيتين، واحدة تمضي في الخارج بكل ما فيها من التزاماتٍ وأدوارٍ مفروضة، وأخرى تنمو في الداخل بهدوءٍ وتطالبني بالإنصات. الكتابة كانت الجسر الوحيد بين هاتين الحياتين، وكانت المساحة التي أستعيد فيها حقي في أن أكون نفسي، لا كما يراني الآخرون، ولا كما تُفرض عليّ الصور الجاهزة، بل كما أعرفني حين أخلع عني كل ما علق بي من تعريفات.

من دون الكتابة، أظن أنني كنت سأفقد هذه القدرة على التفكيك، وعلى مساءلة كل ما يبدو بديهيًا. كنت سأمضي في الحياة كما يمضي كثيرون، أردد ما يُقال، وأتقبل ما يُفرض، وأتعايش مع ما يرهقني من دون أن أمتلك أداةً لمواجهته. الكتابة لم تمنحني حلولًا جاهزة، لكنها منحتني شجاعة السؤال، وهذه الشجاعة وحدها كانت كفيلة بأن تُبقي رأسي مرفوعًا، حتى في أكثر اللحظات هشاشة.

هناك شيء آخر فعلته الكتابة بي، وهو أنها أنقذتني من التحجر العاطفي. كلما حاولت القسوة أن تتسلل إلى داخلي، كانت الكلمات تعيدني إلى إنسانيتي، إلى قدرتي على التعاطف، إلى تلك الرغبة العميقة في فهم الآخرين حتى عندما يخذلونني. كنت أكتب لأُفرغ ما يثقلني، لكنني في كل مرة كنت أخرج من النص أكثر اتساعًا، وأكثر استعدادًا لأن أرى الصورة من زوايا متعددة، لا من زاويتي وحدها.

وأعرف جيدًا أن الكتابة ليست ملاذًا آمنًا دائمًا، فهي تُرهق صاحبها كما تُنقذه، وتدفعه إلى مواجهة نفسه من دون وسائط، وتضعه أمام أسئلته العارية من دون أن تسمح له بالهرب. ومع ذلك، بقيت أوفى من أي شيءٍ آخر في حياتي، لأنها لا تدّعي، ولا تجامل، ولا تفرض عليّ أن أكون نسخةً مقبولة من نفسي. في الكتابة فقط، أستطيع أن أكون صادقةً إلى الحد الذي يزعجني، وإلى الحد الذي يحررني في الوقت نفسه.

أفكر أحيانًا في تلك النسخة الأخرى مني، تلك التي لم تتعرف إلى الكتابة، وأشعر بشيءٍ من الحزن عليها، لأنها كانت ستعيش حياةً أقل وضوحًا، وأقل قدرةً على الاحتمال. ربما كانت ستبدو أقوى في نظر الآخرين، وربما كانت ستنجح في إخفاء ارتباكها، لكنها في الداخل كانت ستتآكل ببطءٍ من دون أن تجد لغةً تقول بها ما يحدث لها.

لهذا، حين أعود إلى سؤالي الأول، لا أبحث عن إجابةٍ نظرية، بل أكتفي بهذا الامتنان الصامت لكل لحظةٍ جلست فيها لأكتب، لكل نصٍ أنقذني من فكرةٍ قاتمة، ولكل جملةٍ أعادتني إلى نفسي عندما كدت أضيع. الكتابة لم تغيّر العالم من حولي، لكنها غيّرت طريقتي في الوقوف أمامه، وهذا وحده كان كافيًا لأن أواصل، وأن أؤمن بأنني، مهما ضاقت بي الطرق، سأجد دائمًا سطرًا يبدأ من حيث أنتهي.

اقرأ المزيد

alsharq QBC إعلام متخصص يواكب التحولات الاقتصادية

جاء إطلاق المؤسسة القطرية للإعلام، أمس، قناة قطر الاقتصادية QBC، باكورة للقنوات التخصصية في دولة قطر، التي تواكب... اقرأ المزيد

66

| 06 مايو 2026

alsharq رحلة بين ما فقدته.. وما أصبحته

في مثل هذا اليوم… لا أعدّ السنوات بقدر ما أستعيد الطريق. أقف بهدوء بين ما كان وما أصبح،... اقرأ المزيد

45

| 06 مايو 2026

alsharq البحث عن السكينة.. «العقيدة» الملاذ لمواجهة الألم النفسي؟

في عصر يتسم بالسيولة الرقمية والتسارع المذهل، وجد الإنسان المعاصر نفسه في مواجهة مباشرة مع ضغوط نفسية لم... اقرأ المزيد

69

| 06 مايو 2026

مساحة إعلانية