رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

801

سعدية مفرح

حين يذبحك الأصدقاء بسكينٍ مثلومة!

19 أبريل 2026 , 10:39م

لا يحتاج الخذلان إلى لافتة كي يعلن عن أثره في داخلك. يكفي أن يمرّ بهدوء، كأن يتخفّى خلف ابتسامة مألوفة، ويختار لحظةً كنتَ فيها مطمئنًا إلى أن اليد التي امتدت إليك لن تفعل أكثر من المصافحة. هناك، بالضبط، يبدأ المعنى في الانقسام، وتبدأ الروح في التعلّم القاسي لمعنى أن يكون الطعن مألوف الملامح.

أشدّ الذبح قسوة هو ذاك الذي لا يأتي من عدوٍ معلن، ولا من غريبٍ متوقَّع، بل ممن ظننتهم أصدقاء بينهم وبينك مسافة أمان لا تُكسر. ومع ذلك، حين يحدث، لا يكون السكين حادًا كما تتخيل العدالة أو الخيانة أو حتى الرحمة، بل يكون مثلومًا، وقد فقد طرفه الصلب من كثرة ما استُخدم في مواضع أخرى، في جراحٍ أخرى، وفي أجسادٍ لم نرها. ثم يختارك أنت، لأن القرب أتاح له أن يجد فيك هدفه الأسهل، أو لأنك ببساطة كنت الأكثر ثقة.

المؤلم في الأمر ليس الفعل وحده، بل الطريقة التي يُنفَّذ بها. هناك أذى يمرّ سريعًا فيُنسى، وهناك أذى يتعمّد أن يكون بطيئًا، متردّدًا، كأنه لا يريد أن يُنهي مهمته دفعة واحدة. السكين المثلومة لا تقطع بحدة، بل تمزّق وتجرّح وتترك في الجرح أثرًا يشبه التردّد نفسه. وكأن من يمسك بها لا يملك شجاعة الحسم، لكنه يملك إصرار الاستمرار في الإيذاء حتى النهاية.

"الأصدقاء" الذين يتحوّلون إلى هذا النوع من الأدوات لا يبدؤون فعلهم دفعة واحدة. يتقدّمون على مهل، يختبرون حدود الصمت فيك، ويقيسون مساحة التسامح، ويجمعون ما يكفي من الثقة ليستخدموه لاحقًا كغطاء للفعل. وحين يأتي الفعل، لا يأتي بصيغة القطيعة الواضحة، بل بصيغة الالتباس الذي يجعل الضحية تتساءل طويلًا؛ هل كان ما حدث مقصودًا، أم أنه عَرَض جانبي لعلاقة لم تُحسن قراءة نفسها؟

في مثل هذه اللحظات، لا يعود الجرح مجرد أثرٍ جسدي رمزي، بل يصبح سؤالًا مفتوحًا عن طبيعة القرب ذاته. كيف يمكن لمن جلس معك طويلًا على طاولة واحدة، وشاركك تفاصيل صغيرة عن الحياة، أن يتحوّل إلى يدٍ تمسك بسكينٍ وتختار أن تختبر صبرك بدل أن تحميه؟ وكيف يمكن للسكين المثلومة أن تكون أصدق وصف للعلاقات التي فقدت حدّها الأخلاقي لكنها لم تفقد قدرتها على الإيذاء؟

المفارقة أن السكين الحاد، رغم قسوته، يمنح نوعًا من الوضوح، فهو يفصل ويقطع وينهي الأمر بسرعة. أما السكين المثلومة فيتركك عالقًا بين ألمٍ مستمرّ وشكٍ دائم. لا تعرف إن كان عليك أن تصرخ أم أن تصمت، أن تغادر أم أن تبرر، أن تعتبر ما حدث خيانة كاملة أم مجرد سوء استخدام لعلاقة لم تُصن. وهذا التردّد هو ما يجعل الأذى أطول عمرًا من الفعل نفسه.

ثمّة شيء أشبه بالانطفاء التدريجي يحدث داخل العلاقات حين تفقد أدواتها النقية. ليس الانطفاء صاخبًا، بل يشبه انكسار الضوء في زجاجٍ قديم. ترى الأشياء، لكنك لا تراها كما كانت. وتسمع الكلمات، لكنها لا تصل إليك بالصفاء ذاته. وتدرك متأخرًا أن ما كان يومًا صداقةً جميلة قد تحوّل إلى مساحة رمادية، فيها كثير من الالتباس وقليل من الطمأنينة.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال التجربة في مرارة خالصة. فحتى السكين المثلومة، رغم قسوتها، تكشف شيئًا عن طبيعة البشر حين يضعف حضورهم الأخلاقي أمام رغباتهم الصغيرة. تكشف أن القرب لا يصنع بالضرورة أمانًا، وأن الوجوه التي نطمئن إليها قد لا تكون سوى أقنعة مؤقتة لنياتٍ لم تختبر نفسها بعد.

يبقى الأثر في النهاية هو الدرس الوحيد الذي لا يتأخر في الوصول، وإن تأخرت قراءته. أن الثقة ليست حقًا مكتسبًا، وأن الصداقة ليست ضمانًا دائمًا، وأن اليد التي تقترب قد تكون في لحظةٍ ما مجرد امتداد لسكينٍ فقد حدّه لكنه لم يفقد وظيفته في الإيذاء.

مساحة إعلانية