رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

660

سعدية مفرح

غادر.. بكرامتك!

06 أبريل 2026 , 05:03ص

التجاوز ليس ضعفًا كما يُظن، بل مهارة نجاةٍ يتقنها المرء حين يختار كرامته على حساب الاستنزاف؛ فبعض المعارك لا تُخسر لأنك انهزمت، بل لأنك أدركت في الوقت المناسب أنها لا تستحق أن تُخاض.

هذه الفكرة لا تأتي من حكمة جاهزة تُعلّق على الجدران، وإنما من تجارب صغيرة تتراكم في الروح حتى تُصبح بوصلة خفية تقود صاحبها نحو ذاته. كم مرة وقفنا في مواجهة كلمات جارحة، أو مواقف ملتبسة، أو علاقات تستهلكنا ببطء، ثم تردّدنا بين الرد والصمت، بين المواجهة والانصراف، وكأننا مطالبون دائمًا بأن نثبت شيئًا ما، لأي أحد، وفي أي لحظة. ومع الوقت، يتضح أن الإصرار على خوض كل معركة هو أقصر الطرق إلى خسارة النفس.

التجاوز لا يعني أن تغضّ الطرف عن الخطأ، ولا أن تساوم على حق، وإنما أن تعيد ترتيب أولوياتك بحيث لا تكون نفسك هي الثمن. هناك نوع من الشجاعة الهادئة، لا يرفع صوته ولا يستعرض قوته، لكنه يعرف تمامًا متى يتراجع، ومتى يغلق الباب من دون ضجيج، ومتى يترك الآخرين لخياراتهم من غير أن يحمل عنهم عبء تصحيحها. هذه الشجاعة لا تُدرّس، وإنما تُكتسب عبر خيبات متكررة، وعبر لحظات صفاء يدرك فيها الإنسان أن طاقته محدودة، وأن كرامته لا تُعوّض.

كثيرون يخلطون بين الصمت والعجز، ويظنون أن من ينسحب قد هُزم، وأن من يتجاوز قد تنازل. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذا التبسيط القاسي. أحيانًا يكون الصمت فعلًا واعيًا، يشبه وضع حدّ فاصل بينك وبين ما لا يشبهك، وأحيانًا يكون الانسحاب إعلانًا واضحًا بأنك لم تعد معنيًا بإقناع أحد، ولا بتبرير موقفك، ولا حتى بالانتصار في معركة لا تضيف إليك شيئًا سوى المزيد من التعب.

التجاوز، في جوهره، نوع من الاقتصاد الداخلي. أنت توفّر نفسك من إنفاقها في اتجاهات لا تعود عليك إلا بالخسارة. تحفظ قلبك من التآكل، وعقلك من التشظي، ووقتك من الهدر. وهذا الاختيار، على بساطته الظاهرية، يحتاج إلى وعي حاد، وإلى قدرة على كبح ذلك الصوت الداخلي الذي يدفعك دائمًا إلى الرد، إلى الدفاع، إلى إثبات أنك على حق. فليس كل حق يستحق أن يُقال، ولا كل معركة تستحق أن تُخاض، ولا كل انتصار يستحق ثمنه.

في العلاقات، يبدو التجاوز أكثر صعوبة، لأن الأمر يتعلّق بمشاعر، بذكريات، بتفاصيل لا تُمحى بسهولة. ومع ذلك، يبقى الخيار قائمًا: إما أن تستمر في علاقة تستنزفك لأنك تخشى الفقد، أو أن تغادرها لأنك تخشى فقدان نفسك. هنا يصبح التجاوز فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون قرارًا عمليًا، لأنك تختار أن تكون منصفًا مع ذاتك، حتى لو بدا ذلك قاسيًا في نظر الآخرين.

وفي الكتابة، كما في الحياة، ثمة جمل ينبغي حذفها، لا لأنها سيئة، وإنما لأنها تُثقِل النص. وكذلك هي المواقف، بعضها لا يحتاج إلى رد، وبعضها لا يستحق أن يُمنح أكثر من لحظة إدراك ثم يُترك خلفك. هذه القدرة على الحذف، على التخفف، على ترك المساحات الفارغة، هي ما يمنح النص جماله، وهي ما يمنح الحياة خفّتها.

لا أحد يولد وهو يتقن التجاوز، فهو مهارة تُبنى ببطء، عبر أخطاء ندفع ثمنها، وعبر دروس نتعلمها غالبًا متأخرين. ومع كل تجربة، نكتشف أن القوة الحقيقية لا تكمن في الصمود الأعمى، ولا في المواجهة الدائمة، وإنما في تلك اللحظة الدقيقة التي تقول فيها لنفسك: يكفي. ثم تمضي.

ولأن الكرامة لا تُستعاد بعد أن تُستنزف، فإن حماية الذات تصبح واجبًا لا ترفًا. والتجاوز، في هذا السياق، ليس انسحابًا من الحياة، وإنما انحياز ذكي لها. أن تختار نفسك، لا يعني أن تُلغي الآخرين، وإنما أن تضع حدودًا واضحة، وأن تعترف بأنك لست مسؤولًا عن إصلاح كل شيء، ولا عن احتمال كل شيء.

هكذا، يتبدّى التجاوز كفعل ناضج، لا يحتاج إلى إعلان، ولا إلى تبرير. يكفي أن تعرف أنك حين تركت تلك المعركة، لم تكن تفرّ منها، بل كنت تعود إلى نفسك.

مساحة إعلانية