رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

246

د. هلا السعيد

كيف نحمي لغتنا العربية وسط ضجيج العولمة؟

30 ديسمبر 2025 , 12:00ص

في الثامن عشر من ديسمبر، يحتفي العالم باليوم العالمي للغة العربية، لغة الضاد، ولغة القرآن الكريم، لغة لم تكن يومًا مجرد وسيلة تواصل، بل وعاء فكر، وهوية أمة، وذاكرة حضارية حيّة تسكن الكلمات قبل أن تُكتب. لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نواجه به أنفسنا ليس: كيف نحتفل باللغة العربية؟

بل: كيف نعيش بها في بيوتنا، وفي تفاصيل يومنا، وفي قلوب أبنائنا، كل يوم؟

في زمنٍ صارت فيه الكلمات تُكتب بنصفها عربي ونصفها أجنبي، وفي بيوتٍ ينادي فيها الطفل أمه بلهجة ليست له، نسأل بهدوء موجع: هل نخسر لغتنا، أم نتركها تبتعد بصمت؟

العولمة لم تطرق الباب، بل دخلت دون استئذان، من شاشة الهاتف، ومن لعبة إلكترونية، ومن أغنية يحفظها أطفالنا أكثر مما يحفظون نشيدهم الصباحي، ومن مدارس أجنبية صارت هي الخيار الأسهل. لسنا ضد الانفتاح، ولا نخاف من تعلّم اللغات الأخرى، فاللغة جسر لا غنى عنه في عالم مفتوح، لكن الخوف الحقيقي أن نُزيّن الجسر وننسى الجذر. العربية ليست مادة دراسية ولا دفتر واجب، هي صوت الأم حين تحكي، ونبرة الأب حين ينصح، وحكاية الجدة التي تختصر التاريخ في دعاء. لنكن صادقين مع أنفسنا: لغتنا ليست بخير.

ولن ينقذها احتفال سنوي، ولا منشور نكتبه مرة ثم ننسى. العولمة لم تسرق لغتنا، بل عرضت خيارات، ونحن اخترنا الأسهل. اخترنا أن نخاطب أبناءنا بلغة هجينة، أن نضحك حين يُخطئون في العربية، ونفخر حين ينطقون كلمة أجنبية. هكذا نُربك الطفل، ثم نلومه حين يعجز عن التعبير، أو يشعر أن لغته أقل قيمة.

اللغة ليست حروفًا تُحفظ، بل أداة تفكير، ومن يفكر بلغة ضعيفة، يفكر بوعي مرتبك.الخلل بدأ من البيت، حين ظن بعض الآباء أن العربية صعبة، وأن مخاطبة الطفل بلغة أجنبية تعني وعيًا وتقدمًا. الطفل لا يولد كارهاً للغته، نحن من نزرع ذلك حين نجعل العربية لغة أوامر وتصحيح وعقاب. اللغة التي لا نضحك بها، ولا نُخطئ فيها بأمان، لن يحبها الطفل أبدًا. ثم جاءت المدرسة، بمناهج مثقلة، وقواعد تُلقَّن بلا معنى، ونصوص بعيدة عن حياة الطفل، وتقييم يقيس الحفظ لا الفهم. كيف نطلب من الطفل أن يحب لغة تُقدَّم له كاختبار دائم؟ العربية ليست مادة دراسية، بل هوية معرفية.أما الإعلام، فمسؤوليته لا تقل خطورة، حين يقدّم لغة مكسّرة، ومحتوى سطحيًا، ويُسوّق للغربة اللغوية وكأنها أناقة.

العولمة ليست العدو، لكن الخطر حين يتعلّم الطفل لغة العالم قبل أن يُحسن لغة نفسه. ويزداد الخطر على الأطفال ذوي صعوبات التعلّم، وذوي الإعاقات اللغوية، وأطفال التوحد، فاللغة عندهم ليست ترفًا ثقافيًا، بل أمان نفسي، وكل ارتباك لغوي هو ارتباك داخلي.نحمي لغتنا حين نتحدث بها في البيت بلا تكلّف، حين نُعيد الكلمة الخاطئة بحنان، حين نقرأ لأطفالنا قبل النوم، وحين نُشعرهم أن العربية لغة فخر لا لغة عقاب، لغة حكاية لا لغة اختبار.

فضفضة أخيرة…

اللغة التي لا نعيش بها، لن يعيش بها أبناؤنا.

لغتنا قد لا تموت فجأة، لكنها قد تذبل بصمت… وهذا أخطر.

مساحة إعلانية