رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

54

د. هلا السعيد

حين تغيرت الحياة.. وصارت المرأة ترى نفسها أولًا

03 فبراير 2026 , 12:04ص

أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك أن الحياة تغيّرت، يكفي أن ننظر حولنا قليلًا.

صالونات التجميل منتشرة، السوشيال ميديا حاضرة في كل يد، ومصطلح “حب الذات” لم يعد غريبًا أو مثيرًا للدهشة.

لكن السؤال الذي يراودني دائمًا:

هل تغيرت الحياة فعلًا؟ أم تغيرت نظرتنا لأنفسنا؟

أتذكر كيف كانت المرأة قديمًا، خاصة بعد سن الخمسين، تُقاس قيمتها بما قدمته للآخرين. كانت أمًا، زوجة، عمود بيت، ومصدر أمان للجميع، لكنها غالبًا آخر من يفكر بنفسه.

الاهتمام بالذات كان مؤجلًا، مؤطرًا بجملة مألوفة: “خلص العمر” أو “مو وقته”.

وكان التقدم في السن يُستخدم كذريعة للانسحاب الهادئ من المشهد، وكأن الظهور حكر على الشباب فقط.

اليوم، المشهد مختلف.

المرأة فوق الخمسين لم تعد تختفي، بل تظهر بثقة وهدوء.

تدخل صالون التجميل لا لتُرضي الآخرين، بل لتشعر بالرضا عن نفسها.

تهتم بمظهرها، بصحتها، بوقتها، لا لأنها تنكر عمرها، بل لأنها تصالحت معه.

السوشيال ميديا لعبت دورًا مزدوجًا في هذا التحول.

من جهة، كسرت الصور النمطية، وقدمت نماذج لنساء ناضجات، فاعلات، جميلات بحضورهن وخبرتهن، لا يخجلن من أعمارهن ولا من تجاعيدهن.

ومن جهة أخرى، رفعت سقف المقارنة، وخلقت ضغطًا خفيًا، وكأن على المرأة أن تظل شابة شكلاً، حتى لو تعبت روحًا.

أما “حب الذات”، فهو المفهوم الأكثر التباسًا في زمننا.

في جوهره، هو وعي وشفاء، واحترام للنفس بعد سنوات طويلة من العطاء والتضحية والصبر.

لكنه أحيانًا يتحول إلى شعار فارغ، أو استعراض خارجي يخفي فراغًا داخليًا لم يُعالَج بعد.

الفرق ليس في الكلمات، بل في الصدق مع النفس.

التحول الحقيقي اليوم لا يكمن في صالون تجميل، ولا في صورة جميلة، ولا في عدد المتابعين.

يكمن في الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة:

هل أنا سعيدة؟

هل أعيش كما أريد، أم كما اعتدت؟

هل ما أفعله حب للذات أم هروب من مواجهة الداخل؟

المرأة الناضجة اليوم لم تعد تطلب الإذن لتفرح، ولا تعتذر عن اهتمامها بنفسها.

تعلمت أن العطاء لا يكون صحيًا إلا إذا بدأ من الداخل، وأن الاهتمام بالذات ليس أنانية، بل ضرورة نفسية، خصوصًا بعد سنوات من الإنهاك الصامت.

نعم، الحياة تغيرت.

لكن الأهم أن المرأة تغيرت معها.

أصبحت أكثر وعيًا، أكثر تصالحًا، وأكثر قدرة على الاختيار.

لم تعد تخاف من العمر، بل تخاف من أن تعيش دون معنى.

وفي زحمة الصور والفلاتر والضجيج،

تبقى الحقيقة الأعمق:

أن أجمل ما وصلت إليه المرأة اليوم.

أنها صارت ترى نفسها، أخيرًا، جديرة بالاهتمام.

مساحة إعلانية