رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أضحى العمل التطوعي في دولة قطر جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافة الوطنية الحديثة، ليس فقط كممارسة إنسانية، بل كركيزة أساسية في تعزيز الهوية الوطنية وروح الانتماء والمواطنة الفاعلة. ومع التوسع في الفعاليات الوطنية والدولية التي تحتضنها قطر، أصبح التطوع جزءاً محورياً في إنجاح الرؤية الوطنية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
منظومة التطوع في قطر: أرقام تعكس النمو والارتقاء
تشير بيانات مركز قطر للتطوع إلى وجود 27,012 مسجّلاً في منصة التطوع الوطنية، من بينهم 14,563 رجلاً و12,449 امرأة، في مؤشر يعكس ارتفاعاً ملحوظاً في مشاركة الشباب والشابات في العمل المجتمعي. وقد شارك 5,470 متطوعاً في أنشطة متنوعة خلال عام 2025، بمشاركة متوازنة بين الجنسين، ما يدل على اتساع قاعدة العمل التطوعي في المجتمع القطري. كما أكمل 2,404 متطوعين برامج تدريبية لبناء القدرات، وشاركوا في 58 فعالية اجتماعية وثقافية وبيئية وإنسانية على مستوى الدولة.
هذا النمو في إقبال المتطوعين يأتي في وقت تتطلع فيه المؤسسات الوطنية إلى جعل التطوع “أسلوب حياة” في قطر، من خلال برامج مستدامة ومبادرات تدريبية تهدف إلى صقل مهارات المتطوعين وربطهم باحتياجات المجتمع المختلفة.
الهلال الأحمر القطري: منارة للتطوع المنظم والإنساني
يُعد الهلال الأحمر القطري ذراعاً مؤسسياً فاعلاً في نشر ثقافة التطوع، وتقديم فرص حقيقية للشباب والمجتمع للمشاركة في الخدمة الإنسانية والمتنوعة. تأسست الجمعية في عام 1978، ومنذ ذلك الحين أصبحت نموذجاً للعمل التطوعي المنظم، وتسعى إلى دمج المتطوعين داخل منظومتها بما يعزز رسالتها في خدمة المجتمع.
وقد أعلن الهلال الأحمر القطري عن خططه لرفع أعداد المتطوعين من نحو 31,000 إلى 60,000 بحلول نهاية عام 2025، عبر برامج تدريبية وتعاون مع المؤسسات التعليمية لتعزيز ثقافة التطوع منذ المراحل الأولى من التعليم، ومن خلال برامج استقطاب الشباب. كما يهدف إلى تدريب 11,000 إلى 15,000 طالب وطالبة خلال العام الأكاديمي المقبل للانخراط في العمل التطوعي.
ويمثل التطوع في الهلال الأحمر منصة حيوية لشباب قطر لتطوير مهاراتهم الإنسانية والمهنية، حيث يشارك المتطوعون في مجالات متنوعة تشمل الدعوة الصحية، التدخلات الإنسانية في الأزمات، العمل الإداري، الدعم اللوجستي، الإعلام، وغيرها من المجالات التي تواكب احتياجات المجتمع.
التطوع ودوره في الأحداث الوطنية والدولية: مثال كأس العرب
كان لخبرة المتطوعين القطريين دور بارز في إنجاح العديد من الأحداث الرياضية الكبرى التي استضافتها قطر، ومن ضمنها كأس العرب. ففي البطولات السابقة، ساهمت أعداد كبيرة من المتطوعين في التنظيم، وخدمة الجماهير، وتقديم الدعم اللوجستي، والإشراف على الإجراءات الداخلية للملاعب، وذلك بالتعاون مع الجهات المنظمة والأجهزة الأمنية، ما أثبت أهمية التطوع في تعزيز فعاليات قطر الرياضية على مستوى المنطقة.
فعلى سبيل المثال، في كأس العرب 2021، قدم الهلال الأحمر القطري 1,670 متطوعاً من ذوي المهارات العالية للعمل في مجالات الإرشاد الأمني وضمان سلامة الجماهير داخل الملاعب، من بينهم 1,190 رجلاً و480 امرأة، في تجسيد عملي لدور العمل التطوعي المنظم في دعم الأحداث الوطنية الكبيرة.
ولا يقتصر دور المتطوعين على دور تنظيمي، بل يشمل التفاعل الإنساني مع الجمهور، وتقديم الخدمات المساندة التي تسهم في رسم صورة حضارية لمكانة قطر كدولة قادرة على استضافة الأحداث العالمية بكفاءة عالية، وإشراك المجتمع في إنجاح هذه الفعاليات.
التطوع وبناء الهوية الوطنية
يسهم العمل التطوعي بشكل قوي في بناء هوية وطنية متينة لدى المتطوع نفسه قبل المجتمع، إذ يكسب الفرد شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه وطنه، ويرفع من مستوى الوعي بالقضايا الاجتماعية، ويغرس قيم العطاء والتعاون والمواطنة الفاعلة. فالانخراط في العمل المجتمعي ليس عملاً وقتياً فحسب، بل هو سلوك يغذي روح الانتماء ويساهم في تشكيل شخصية متكاملة قادرة على خدمة المجتمع.
من هذا المنطلق، تشكل منظومة العمل التطوعي في قطر، بدعم مؤسسات مثل الهلال الأحمر القطري، محركاً للتلاحم الاجتماعي وبناء القيادات المستقبلية التي تتحمل مسؤولية التغيير والمساهمة في تطوير المجتمع وتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
699
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
681
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
633
| 22 يناير 2026