رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعكس مقدمة ديوان (رباعيات مولانا جلال الدين الرومي) حضوراً بارزاً للصوفي المسلم (جلال الدين الرومي) في الثقافة العربية ككل والثقافة الغربية على حد سواء، حيث سعت الأخيرة من خلال مستشرقيها وانكبابهم المخلص على دراسة التصوف الإسلامي -لا سيما في نسخته الأصلية من النص الفارسي- على نشر تراثه الروحي عالمياً، وكذلك صنعت (إيفا دوفيتري ميروفيتش 1909: 1999).
إنها أكاديمية فرنسية، أحبت رسالة الرومي حين عكفت على قراءة كتبه ودراسة حياته، وقد وجدتها حسب تعبيرها «رسالة حب ذات بُعد أخوي». الحب الذي مكّنها من مكاشفة الفتح الإلهي واعتناق الإسلام في نهاية المطاف، وقد قالت: «رأيت أن الإسلام وحده هو الكفيل بأن يحقق لي هذا الإيمان».
أما الفقيه والمتصوف والشاعر، صاحب ديوان المثنوي الأشهر والطريقة المولوية (جلال الدين الرومي 604 - 672 هـ) أو محمد بن حسين بهاء الدين البلخي، فقد وُلد في مدينة بلخ بخراسان، ويعود نسب أجداده إلى أفغانستان الحالية، وهو الذي كان يفتخر بأصله الخراساني رغم رحيله إلى مدينة قونية في صغره.
تبدو إيفا على صفحات الديوان وهي تشعّ محجّلة في إحرام الحج، والتي ينساب حديثها فيه نوراً وفتحاً وبركة وهي تحدّث عن روح الإسلام، وهو الديوان الذي يتطرق كذلك إلى سيرتها الذاتية! حصلت إيفا على درجة الدكتوراة في الفلسفة، حيث عكفت من بعدها على دراسة العلوم الإسلامية وتعلم اللغة الفارسية التي مكّنتها فيما بعد من ترجمة رباعيات جلال الدين الرومي. وقد تعرفت ابتداءً على الدين الإسلامي من خلال دراسة أكاديمية عميقة لمؤلفات الشاعر الباكستاني محمد إقبال، وكذلك على الرومي الذي قال فيه إقبال نفسه: «صيّر الرومي طيني جوهرا»، والذي تواصلت معه وقدّمته للقارئ الغربي من خلال ترجمة بعض كتبه. ومن ثم، قادها هذا التعارف إلى قراءة فلسفة الغزالي وتفسير البيضاوي، والتنقل لاحقاً في بلاد العرب عن طريق البعثات العلمية التي تكفّلت بها الحكومة الفرنسية نحو المغرب ولبنان ومصر، حيث توطدت علاقتها بالدكتور طه حسين والتقت بشيخ الأزهر ووزير الأوقاف آنذاك، ثم أخيراً زيارتها لإقليم البنجاب المفعم بروح التصوف ومدينة قونية، لتنعم بمعاني الكونية والانفتاح الإنساني وروح التعايش. لقد كانت تحرص على زيارة قونية، مدينة الرومي، حتى تهنأ بمشاهدة مريديه رؤى العين، وقد صرحت في آخر محاضرة ألقتها هناك عام 1998 بأمنيتها قائلة: «أود أن أدفن بقونية كي أبقى تحت ظلال بركات مولانا إلى يوم الحساب». لذا، وبعد وفاتها ودفنها في مقبرة بالقرب من مدينة باريس، تطوّع بعض رفاقها الأتراك لنقل رفاتها في يوم 17 من ديسمبر عام 2008 أو فيما يُسمى بـ (احتفالية يوم العرس) التي تُشير إلى ذكرى رحيل الرومي، حيث أقيمت مراسم الدفن من جديد على الطريقة الإسلامية، ودُفنت في المقبرة الواقعة قبالة ضريح الرومي.
نشرت إيفا أول ترجماتها للرباعيات في مدينة إسطنبول عام 1946 عن نشرة الأديب والشاعر الإيراني بديع الزمان فروزنفر التي تضمنت ما يقارب ألفي رباعية، غير أنها امتنعت عن ترجمتها كاملة لتعذّر نقل بعض النصوص دون خسارة الذوق الجمالي الخاص بلغتها الأصلية.
ومن الرباعيات التي جاءت في نظمها الشعري بأربعة مقاطع: (رباعية 147)، والتي فيها يظهر المرء ينعم بالقرب الإلهي حين يسلّم أمره لله، بينما لا يورثه التوغّل في جنبات نفسه إلا الحزن، بل ويكثّف طبقات الحُجُب بينه وبين الله تعالى. تترجم إيفا عن الرومي هذا المعنى قائلة: «إن أصبحت غنيمة الله تحررت من الحزن، وإن تغلغلت داخل نفسك صرت حبيساً لها. اعلم أن وجودك حجاب في طريقك. لا تمكث مع نفسك، فلن تحس إلا بالضجر».
أما في (رباعية 189) فيبدو أن العقل البرهاني ليس كالقلب الصوفي، إنما يتحصّل العلم اللدني عندما يُستغنى عن العقل! فتترجم إيفا عن الرومي هذا المعنى بدورها قائلة: »يقال: العقل الكلي يملك الكثير من العلوم. العقل الكلي جوهر هذا العالم! هذا العقل صاحب العقل، إنه العقل الجزئي. عندما يتنازل العقل عن العقل يصبح عقلاً كلياً».
وعلى الحياة يمر العابرون، من الأنبياء والأولياء والأبدال والأمثل فالأمثل.. مرور كلمح البصر، لكنه يبقى محفور الأثر! في هذا المعنى تترجم إيفا عن الرومي نفحاته من (رباعية 291) قائلة: «ها قد مرّ فارس مكتنف بالأسرار، فتعالت سحابة من الغبار! رحل.. وسحابة الغبار باقية! انظر أمامك. لا يمنة ولا يسرة. غباره هنا، والفارس في دار البقاء».
ختاماً أقول: لقد كان لإيفا حلم في تعريف الفرنسيين وغيرهم من الناطقين بالفرنسية بـ «الرسالة الجمالية للإسلام»، وقد سعت في تحقيق حلمها حينما أجادت اللغة الفارسية وقدّمت للغرب بل وللمسلمين أنفسهم نفحة روحية قوية لأحد أتباع النبي محمد ﷺ وإرثه الروحي الخالص، وقصدت ببثّ كل معنى عميق، حَمَله الفهم النقي لرباعيات جلال الدين الرومي. وقد يكون قراءة ديوانها المرهف هذا بمثابة إحياء جانباً من حلمها الذي عاشت لأجله وماتت عليه.
دونالد ترامب كحالة سريرية
ما بال الرئيس الأمريكي وقد أصبح حالة يبحثها الطب النفسي؟ يأتي هذا الكتاب كأكثر الكتب السياسية والنفسية إثارة... اقرأ المزيد
831
| 01 يوليو 2026
عندما يخاف الطبيب: البعد الإنساني في الطب الحديث
يتزامن هذا الكتاب مع لحظة ثقافية يتصدّر فيها النقاش كفاءة الطب، في الوقت الذي يهمل حقيقة ما يعتمل... اقرأ المزيد
237
| 11 يونيو 2026
معرض الدوحة للكتاب كما رأيته
"لطالما تخيلت الفردوس على هيئة مكتبة". لا يبدو الأديب الأرجنتيني لويس بورخيس مفرط الخيال وحسب في فردوسه المتخَيل،... اقرأ المزيد
561
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2580
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026