رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟ يأتي كنافذة رحمة يفتحها الله لعباده، وكفرصة لاختبار الصدق في النية، ومراجعة الطريق قبل أن يطول. في الأشهر الأخرى، نعيش بكامل استهلاكنا. نأكل أكثر مما نحتاج، ونتكلم أكثر مما نفكر، ونغضب أسرع مما نندم، ونركض خلف أيامٍ لا تطلب منا كل هذا الركض. ثم يدخل رمضان، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، فيغلق نصف الأبواب، ويتركنا مع الباب الأصعب: باب المواجهة مع الذات، والوقوف بين يدي الله بلا زينة ولا ادّعاء. الجوع في هذا الشهر هو مرآة، مرآة تقول لك إنك هشّ أكثر مما تدّعي، وإنك اعتدت أن تملأ تعبك بالطعام، وقلقك بالقهوة، ووحدتك بالضجيج. وحين تُسحب هذه الوسائد الصغيرة، تسمع صوتك الحقيقي. ذلك الصوت الذي تؤجله طوال العام، وتكتشف أن الصبر عبادة خفية يعلمها الله، وأن «إن الله مع الصابرين» آية تُتلى وحالة تُعاش. رمضان زمن الرحمات.. نعم لكن الرحمة لا تنزل على المائدة فقط، إنما على مناطق معتمة في النفس. مناطق لا نحب زيارتها، وأخطاء لم نعتذر عنها، وقسوة مارسناها ونحن نظن أنفسنا على حق، وعلاقات تركناها تموت بصمت. الرحمة أن يلين صوتك بعد حدّة، وأن تعفو ابتغاء مرضاة الله، وأن تتراجع عن كلمة جارحة مخافة أن تُحاسب عليها، وأن تسامح وأنت قادر على العتب. في هذا الشهر، يصبح الاعتذار أسهل، والدعاء أقرب، والدمعة أصدق، وتطول السجدة كأنها ملاذ، وتصبح لياليه مواسم مغفرة وعتق. أما البركة، فهي ليست كثرة الأطباق، ولا ازدحام الموائد. البركة أن يكفيك القليل، وأن ينتهي يوم طويل دون أن تشعر بأنك خاسر، وأن تصلي ركعتين وكأنك تعيد تثبيت قلبك في مكانه الصحيح، وأن تفتح مصحفك فتجد آية تمسّ موضع ألمك، وأن تجد في يومٍ عادي طمأنينةً غير عادية، وأن يعود البيت مكانًا للسكينة لا ساحةً للإنهاك. رمضان لا يغيّر العالم، لكنه يختبر قابلية قلبك للتغيير. هو شهر يعيد توزيع الخسائر، يُسقط عنك ما ظننته ضرورة، ويكشف ما كان ضرورة فعلًا. يعلّمك أن الامتلاء الحقيقي لا علاقة له بالمعدة، بل بالمعنى، ولا بالغنى، بل بالقرب من الله. رمضان ليس مثاليةً موسمية، ولا حالةً عاطفية مؤقتة. هو فرصة لإعادة ترتيب الأولويات. أن نعيد القلب إلى مركزه، لا إلى الهامش. أن نتخفف من ثقلٍ حملناه طويلاً، ونتصالح مع أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتصالح معنا، وأن نجعل الصوم تربية، ومن الصلاة صلة، ومن الذكر حياة. وحين يوشك الشهر على الرحيل، يبقى السؤال: ماذا تغيّر فعلًا؟ هل تعلّمنا الصبر، أم اكتفينا بالامتناع؟ هل أصلحنا علاقتنا بأنفسنا وبربنا، أم انتظرنا نهاية الشهر لنعود كما كنا؟ رمضان ليس موسمًا عاطفيًا، هو محكمة هادئة، نقف فيها أمام أنفسنا، بلا محامين، وبلا أعذار، ونرجو رحمة أوسع من تقصيرنا. نصيحتي، إن كان لي أن أقول، أن لا تجعلوا رمضان محطة عابرة في تقويم مزدحم. اجعلوه نقطة مراجعة صادقة، وبداية عهد جديد مع الله قبل أن يكون مع الناس. خفّفوا الضجيج، وأصلحوا ما تستطيعون إصلاحه، واحتفظوا بشيء من صفائه لبقية العام. فالرحمة لا تُغلق أبوابها بانتهاء الشهر، نحن الذين نغلقها إن عدنا كما كنا.
891
| 27 فبراير 2026
لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام الذكريات في أدراج لا نفتحها إلا مصادفة. لكنني أدركت هذا متأخرًا. اكتشفت أن صوتي، ذلك الجزء الأكثر صدقًا في داخلي، اختار أن يسكن جيب المعطف بدلًا من أن يشق طريقه إلى الهواء. مكان ضيق، معتم، لكنه يبدو له أكثر رحابة من أي صفحة أو فم أو موقف. لا أعرف متى بدأ هذا الصوت بالهروب. ربما حين أدرك أن الأسئلة التي أحملها أكبر من الإجابات التي يعرضها العالم. أو حين شعر أن الكلام في كثير من الأحيان، لا يُستخدم للكشف بل للتمويه. فآثر الصمت، ثم أصبح الصمت عادة، والعادة تحولت إلى مأوى، والمأوى صار جيب معطف لا يفارق كتفي. الغريب أن هذا الصوت لا يصمت تمامًا. إنه يعيش هناك ككائن صغير يسجل ملاحظاته على العالم. أفكر أحيانًا أنه يسمع أكثر منّي ويرى أكثر مما احتمله. يتابع خطواتي وارتباكاتي وحتى لحظات انتصاري العابرة. وكل حين، حين أمد يدي في الجيب لأبحث عن مفتاح، أشعر بخفق خفيف، خفق يذكرني بأنه ما زال هنا، متيقظًا، ينتظر لحظة مناسبة لا يعرفها هو ولا أعرفها أنا. هناك ليال أسمع فيها هذا الصوت بوضوح غريب. ليالٍ يخفت فيها ضجيج البشر، وتبدو المدينة مثل كيان يتنفس ببطء. عندها فقط يطل صوته كهمس لا يريد أن يُكشف. يخبرني بجمل قصيرة، مبهمة، يحاول أن يختبر قوتي قبل أن يضع الحقيقة كاملة بين يدي. لكنني أعرف أنه يتراجع في اللحظة الأخيرة. ليس خوفًا، لكن ربما حرصًا. أحيانًا أظن أن هذا الصوت يحمل أسرارًا لم أستطع الاعتراف بها. أشياء رأيتها ولم أفهمها، أو شعرت بها ولم أستطع وضعها في جملة. ربما يحمل وجوهًا مررت بها بسرعة، أو طرقًا لم أسلكها، أو اعترافات لم أملك الشجاعة لقولها. وربما يحمل شيئًا أبسط من ذلك بكثير: الحقيقة التي نتجنبها لأننا نعرف أنها ستغير شكلنا، ولن تعيدنا كما كنا. وفي لحظة ما، الأسبوع الماضي، شعرت أن الصوت اقترب من الباب. كنت أمشي في شارع هادئ عندما ضربني إحساس غير مبرر بأن جيب المعطف صار أثقل، والكلمات في داخله بدأت تتحرك. أوقفت الخطى، وضعت يدي على الجيب، وشعرت بحرارة طفيفة. حرارة ليست من الطقس، إنما من داخل الجيب نفسه. كان الصوت هناك يقترب، كأنه يتهيأ للخروج. لم أعرف ماذا أفعل! هل أفتح الباب وأسمح له بالتحرر؟ أم أُبقي عليه في الداخل حتى أتأكد أنني قادر على تحمّل ما سيقوله؟ لم يخرج.. اكتفى بالاقتراب، ثم عاد لملجئه. لكنه ترك أثرًا لن أنساه: تلك الارتجافة التي تقول إن اللحظة تقترب مهما طال الانتظار. وهذا وحده يكفي لخلق توتر يشبه توتر من يعرف أن حياته ستتغير، لكنه لا يعرف متى ولا كيف. إلى ذلك الحين، سيبقى صوتي في جيب المعطف؛ لا هاربًا ولا محتبسًا، بل متأهبًا مع كامل الاحترام لصدقٍ لا أريد أن أخسره. فهناك كلمات لا تُقال إلا مرة واحدة، وإذا خرجت في وقتٍ خاطئ خسرت قيمتها إلى الأبد.
522
| 02 يناير 2026
في الآونة الأخيرة، بدأت ألاحظ أن ظلّي صار يسبقني. لا أعلم متى بدأ ذلك، ولا متى توقفت أنا عن ملاحظته. كان في الماضي يتبعني بأدبٍ كطفلٍ وديعٍ يمسك بطرف ثوب أمه، أما الآن فهو يسير قبلي، بخطواتٍ واثقة يعرف أين أذهب أو يعرف إلى أين يجب أن أذهب. أمشي في الطرقات فأراه أمامي يمد ذراعه إلى الأشياء قبل أن ألمسها، يجرب الحياة بدلاً عني. أحيانًا أشعر أنه أكثر صدقًا منّي، وأنه يعيش ما أهرب منه. وربما هو يسير قبلي لأنه يعرف الطريق، ولأنه سئم من انتظاري. كنت أظن أن الظل مجرد أثر للضوء، شيئًا يتبع الجسد دون وعي، لكنني بدأت أشك أن الظل هو الوعي نفسه، وأننا نحن المجردون من المعنى. أصبح يسبقني إلى المرايا ويقف فيها بثبات ويحدق فيّ كمن يحاكمني على ما لم أفعله. هناك، في الزجاج، أرى ملامحي عليه أو ملامحه عليّ .. لا أعرف، لكن أحدنا صار مرهقًا من الآخر. ربما ظلّي هو النسخة التي لم تتنازل. الإنسان الذي كان يمكن أن أكونه لو لم أساوم، لو لم أتعلم الانحناء كي أنجو. ظلّي ظل الفتى الذي حلم يومًا أن يكون نقيًّا كما خُلق، قبل أن يكتشف أن العالم لا يكافئ النقاء. أما أنا، فقد تعلمت البقاء، وهو تعلم الصدق. ومنذ ذلك الحين .. افترقنا. في المساء، حين تطول الظلال وتمتد على الأرصفة كأسرارٍ سائلة، أراه يبتعد عني بهدوء. لا أسمع خطاه، لكنه يترك في صدري فراغًا يشبه الندم. أحيانًا أتمنى أن يتوقف وينتظرني، أن يلتفت إليّ، أن يقول لي: «ما زال هناك وقتٌ لتعود». لكنه لا يفعل .. يبدو أنه فقد إيمانه بي. حين يسقط الضوء عليّ، أرى ظلّي واضحًا أمامي، وفي تلك اللحظة أعرف أن النور لا يكشفنا دائمًا، إنما يفضح المسافة بين ما نحن عليه وما كنا نستطيع أن نكونه. أفكر أحيانًا أن الظل يخرج من القلب قبل الجسد، أنه ما يتبقى منّا حين نتعب من التبرير، ما يبقى صادقًا بعد أن نخون أنفسنا مراتٍ كثيرة. ربما لهذا صار يسبقني .. لأنه لم يعد يثق بي كقائدٍ لرحلتنا. يُقلقني أن يحلّ يومٌ أسيرُ فيه فلا أُرى، أو أتحرك دون أن يتبعني أحد. فالإنسان الذي يغيب عنه ظله، يفقد نوره، ويزول أثره، وتُمحى ذكراه، ولا يعود له شاهد. ومع ذلك، أواصل السير. كلّما خطوت، مددت بصري أمامي أبحث عنه. وأراه هناك .. دائمًا هناك .. يسبقني بخطوة واحدة، يلتفت إليّ ويقول بصمته: «حين تصل .. ستكون قد أصبحت أنا». كلٌّ منا يحمل ظلاً لا يستطيع الآخرون رؤيته، يسير هذا الظل أمامه ليذكره بما كان عليه، ويذكره أكثر بما كان بإمكانه أن يكونه. فإن ابتعد ظلّك عنك .. فابحث في الطريق عن نفسك.
279
| 12 ديسمبر 2025
في الآونة الأخيرة، بدأت ألاحظ أن ظلّي صار يسبقني. لا أعلم متى بدأ ذلك، ولا متى توقفت أنا عن ملاحظته. كان في الماضي يتبعني بأدبٍ كطفلٍ وديعٍ يمسك بطرف ثوب أمه، أما الآن فهو يسير قبلي، بخطواتٍ واثقة يعرف أين أذهب أو يعرف إلى أين يجب أن أذهب. أمشي في الطرقات فأراه أمامي يمد ذراعه إلى الأشياء قبل أن ألمسها، يجرب الحياة بدلاً عني. أحيانًا أشعر أنه أكثر صدقًا منّي، وأنه يعيش ما أهرب منه. وربما هو يسير قبلي لأنه يعرف الطريق، ولأنه سئم من انتظاري. كنت أظن أن الظل مجرد أثر للضوء، شيئًا يتبع الجسد دون وعي، لكنني بدأت أشك أن الظل هو الوعي نفسه، وأننا نحن المجردون من المعنى. أصبح يسبقني إلى المرايا ويقف فيها بثبات ويحدق فيّ كمن يحاكمني على ما لم أفعله. هناك، في الزجاج، أرى ملامحي عليه أو ملامحه عليّ .. لا أعرف، لكن أحدنا صار مرهقًا من الآخر. ربما ظلّي هو النسخة التي لم تتنازل. الإنسان الذي كان يمكن أن أكونه لو لم أساوم، لو لم أتعلم الانحناء كي أنجو. ظلّي ظل الفتى الذي حلم يومًا أن يكون نقيًّا كما خُلق، قبل أن يكتشف أن العالم لا يكافئ النقاء. أما أنا، فقد تعلمت البقاء، وهو تعلم الصدق. ومنذ ذلك الحين .. افترقنا. في المساء، حين تطول الظلال وتمتد على الأرصفة كأسرارٍ سائلة، أراه يبتعد عني بهدوء. لا أسمع خطاه، لكنه يترك في صدري فراغًا يشبه الندم. أحيانًا أتمنى أن يتوقف وينتظرني، أن يلتفت إليّ، أن يقول لي: «ما زال هناك وقتٌ لتعود». لكنه لا يفعل .. يبدو أنه فقد إيمانه بي. حين يسقط الضوء عليّ، أرى ظلّي واضحًا أمامي، وفي تلك اللحظة أعرف أن النور لا يكشفنا دائمًا، إنما يفضح المسافة بين ما نحن عليه وما كنا نستطيع أن نكونه. أفكر أحيانًا أن الظل يخرج من القلب قبل الجسد، أنه ما يتبقى منّا حين نتعب من التبرير، ما يبقى صادقًا بعد أن نخون أنفسنا مراتٍ كثيرة. ربما لهذا صار يسبقني .. لأنه لم يعد يثق بي كقائدٍ لرحلتنا. يُقلقني أن يحلّ يومٌ أسيرُ فيه فلا أُرى، أو أتحرك دون أن يتبعني أحد. فالإنسان الذي يغيب عنه ظله، يفقد نوره، ويزول أثره، وتُمحى ذكراه، ولا يعود له شاهد. ومع ذلك، أواصل السير. كلّما خطوت، مددت بصري أمامي أبحث عنه. وأراه هناك .. دائمًا هناك .. يسبقني بخطوة واحدة، يلتفت إليّ ويقول بصمته: «حين تصل .. ستكون قد أصبحت أنا». كلٌّ منا يحمل ظلاً لا يستطيع الآخرون رؤيته، يسير هذا الظل أمامه ليذكره بما كان عليه، ويذكره أكثر بما كان بإمكانه أن يكونه. فإن ابتعد ظلّك عنك .. فابحث في الطريق عن نفسك.
684
| 21 نوفمبر 2025
لم يكن صباحه مختلفاً عن أي صباح آخر، سوى أن الصمت كان أكثر كثافة. جلس أمام النافذة، يحمل كوب شاي ساخناً، يتأمل صعود البخار كمن يراقب طريقاً يُفتح ويُغلق في السماء. بدا المشهد عادياً، حتى خطر له سؤال بسيط: هل يمكن أن تكون الحياة كلها مخبأة في هذا الكوب الصغير؟ أمسك الملعقة، وبدأ يحرك السكر ببطء. دوائر تتشكل وتختفي، تماماً كالأيام التي تتكرر ثم تنقضي. السكر لم يذب فوراً، بل قاوم قليلاً، مثل أحلامه القديمة التي تأخرت في التحقق. ومع كل جولة تحريك، كان طعمه يتغير، من المرارة إلى الحلاوة. ابتسم وهو يهمس لنفسه: «حتى الألم يحتاج وقتاً ليذوب». رفع الكوب إلى شفتيه. الحرارة لامست جلده بحذر، تذكر أن الأشياء لا تُؤخذ دفعة واحدة، لا الحب ولا الفرح ولا حتى النجاح. كل شيء يحتاج أن نقترب منه بحساب ونرتشفه على مهل، وإلا احترقنا. نظر إلى البخار وهو يتلاشى في الهواء. أيّ شبه أقوى من هذا؟ تلك اللحظات التي نعتقد أنها أبدية ثم تتبخر أمام أعيننا. كم من أصدقاء مرّوا في حياته مثل هذا البخار، ظهروا بدفء ثم اختفوا بلا أثر. ومع ذلك، لم يكن في الأمر خسارة كاملة، لأن جمال البخار ليس في بقائه، إنما في حضوره الخاطف. كان يتأمل الكوب وكأنه يرى نفسه داخله: سائل بُنيّ ويحمل مرارة أولى ويذوب فيه السكر شيئاً فشيئاً وتعلوه طبقة بخار لا تُمسك بيد. فجأة أدرك أن كل ما فعله في سنواته الماضية، بكل تعبها وخيباتها، لم يكن سوى محاولات متكررة لإيجاد الطعم المتوازن بين المر والحلو. توقف لحظة، وضع الكوب أمامه وأغمض عينيه. كأن شريط حياته كله مرّ أمامه: الخسارة الأولى التي كسرت قلبه والحب الذي لم يكتمل والنجاحات الصغيرة التي بدت بلا قيمة في وقتها لكنها كانت مثل قطرات سكر ذابت لاحقاً لتُعدل الطعم. كل ذلك كان حاضراً في هذا الكوب المتواضع. ضحك بصوت خافت وهو يرفع الكوب من جديد، كأنه يكتشف سراً عظيماً خفي عنه طويلاً. لم تكن الحياة في السفر البعيد ولا في الأهداف الضخمة التي أرهق نفسه لتحقيقها. كانت مختبئة هنا، في ركن صغير من صباح هادئ، في كوب شاي يُذكره أن كل ما يحتاجه الإنسان هو أن يعرف كيف يتذوق ما بين يديه. أنهى الكوب حتى آخر رشفة ووضعه على الطاولة بهدوء. ومن وراء الزجاج، كان الضوء يتسلل بخجل إلى الغرفة، كما لو أنه يبارك هذا الاكتشاف المتأخر. ابتسم وقال لنفسه: «الحياة ليست في الكوب نفسه، إنما في الطريقة التي نرتشفها بها. فمن يبتلعها بعجلة يحترق، ومن يتذوقها بروية ينجو ويستمتع».
918
| 24 أكتوبر 2025
يطلّ عليك فجأة، لا يستأذن ولا يعلن عن نفسه بوضوح. تمرّ في زقاق العمر فتجده واقفًا، يحمل على كتفه صندوقًا ثقيلًا ويعرض بضاعة لا تشبه أي سوق عرفته من قبل. لا يصرخ مثل الباعة العاديين ولا يمد يده نحوك، لكنه يعرف أنك لن تستطيع مقاومته. في طفولتك كان يأتيك خفيفًا، كأنه يوزّع الهدايا مجانًا. يمد يده فتتساقط منها ضحكات بريئة وخطوات صغيرة ودهشة أول مرة ترى المطر. لم تكن تسأله عن السعر، لأنك لم تكن تفهم معنى الثمن. وحين كبُرت، صار أكثر استعجالًا. يقف للحظة عابرة ويفتح صندوقه فتلمع أمامك بضاعة براقة: أحلام متوهجة وصداقات جديدة وطرق كثيرة لا تنتهي. يغمرك بالخيارات حتى تنشغل بجمعها، ولا تنتبه أنه اختفى قبل أن تسأله: كم ستدوم؟ بعد ذلك، يعود إليك بهدوء، كأنه شيخ حكيم يعرف سرّك. يعرض ما لم يخطر لك أن يُباع: خسارات ودروس وحنين. يضع أمامك مرآة صغيرة، تكتشف فيها وجهًا أنهكته الأيام. عندها تدرك أن كل ما أخذته منه في السابق لم يكن بلا مقابل، وأنك دفعت ثمنه من روحك دون أن تدري. والأدهى من ذلك، أنه لا يقبل الاسترجاع. لا تستطيع أن تعيد له طفولتك ولا أن تسترد شغفك الأول. كل ما تملكه منه يصبح ملكك إلى الأبد، حتى الندم. الغريب أنه لا يظلم أحدًا. يقف عند أبواب الجميع ويعرض بضاعته نفسها على كل العابرين. لكننا نحن من نتفاوت: واحد يشتري بتهور وآخر يضيّع اللحظة في التفكير وثالث يتجاهله فيفاجأ أن السوق قد انفض. وفي النهاية، يطوي بضاعته ويمضي كما جاء، بلا وداع وبلا عودة. يتركك تتفقد ما اشتريته منه طوال الطريق، ضحكة عبرت سريعًا وحبًا ترك ندبة وحنينًا يثقل صدرك وحكاية لم تكتمل. تمشي في أثره، تفتش بين الزوايا عن أثر قدميه، لكنك لا تجد سوى تقاويم تتساقط كالأوراق اليابسة، وساعات صامتة تذكرك بأن البائع الذي غادرك لا يعود أبدًا، تمسح العرق عن جبينك وتدرك متأخرًا أنك لم تكن تتعامل مع بائع عادي، بل مع الزمن نفسه وهو يتجول في حياتك ويبيعك أيامك قطعةً قطعة حتى لا يتبقى في صندوقه سوى النهاية.
7299
| 26 سبتمبر 2025
جنوب حلب، عند عتبة البادية، ترقد قنسرين (تلفظ أحيانا قِنّسرين أو قَنَّسرين) مدينة تاريخية قديمة على الضفة الشرقية لنهر قويق. ليست حلما ولا خرافة، إنها أثر حي لمدينة كانت في يوم من الأيام قلبا نابضا على خريطة الشام، ثم صارت أطلالا تتنفس تحت التراب. قنسرين، التي يعني اسمها في بعض الأقوال «قلعة النسور»، كانت محطة مهمة في طريق القوافل ومركزا حيويا يجمع بين دمشق والموصل وبين البحر والبادية ويصل بين الغزاة والتجار وبين السيوف والمخطوطات. زحف الفتح الإسلامي شمالا بعد اليرموك وصولا إلى بوابة المدينة، وكان ذلك في السنة السادسة عشرة للهجرة، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، حين دخلها المسلمون لم تحرق ولم تهدم، بل طويت تحت راية جديدة وبدأت صفحة أخرى من تاريخها. لم يكن الفتح عابرا، سرعان ما تحولت قنسرين إلى عاصمة لجند كامل حمل اسمها. ومن قلبها كان يدار الشمال السوري زمن الدولة الأموية. مدينة لا تخضع وتدار بحكمة وتسير منها الحملات وترسم الخطط. لكن التاريخ لا يجامل، فكما يرتفع ينكسر. قنسرين خنقها الغبار وأتعبها الطاعون وأهلكتها الحروب التي لم تبق فيها حياة ولا سلطان. هجرتها السلطة ثم هجرتها الذاكرة الشعبية. ورغم الغياب، لم تمت. تحت تلالها اليوم تنبض بقايا أبنية وأسوار ونقوش وطرقات مطمورة، تنبئ بأن الحياة هنا لم تكن عابرة. كتب عنها ياقوت الحموي وذكرتها كتب الطبري والبلاذري. وصفها من مر بها بأنها بوابة حضارة ومرآة لما كانت عليه بلاد الشام من تعدد ورقي. جمعت بين الخط الكوفي والمحراب البيزنطي وبين السراج والنسر وبين الحجر والمعنى. واليوم، ترقد قنسرين صامتة تحت التراب، مهجورة فوق تل أثري واسع يدعى «تل الحاضر»، لا عمران فيها ولا سكان، لا ترى منها سوى بقايا جدران وأحجار قديمة تغطيها الأعشاب وأثر خافت لحضارة دفنتها الحروب، المزارع تحيط بها وبعض الخرب المتناثرة تدل على أن الحياة مرت من هنا ثم انسحبت، وبأنها اختارت أن يمر بها الزمن دون أن ينهي الحكاية. قنسرين اليوم ليست أكثر من اسم على الخريطة، ولكنها في ذاكرة التاريخ مدينة حية. لا تطلب البكاء عليها لأنها تستحق أن نعيد إليها صوتها. قنسرين مدينة تستتر ولم تندثر، اختارت أن تختبئ حتى يأتي من يسمعها حقا. وها نحن نسمعها! قنسرين.. مدينة قاومت النسيان.
732
| 25 يوليو 2025
في أحد أماسي التأمل العميق، جلستُ أمام الورقة البيضاء لا لأكتب، بل لأراقب كيف تُولد الفكرة. وبعد المراقبة الشديدة لم تأتِ مباشرة ولم تطرق الباب، كانت تنمو في أطراف الوعي مثل أغنية لا تكتمل أو برق لا يريد أن يضيء كامل السماء. وعندها أدركت أنني أمام شيء أبعد من التفكير الخطي: إنني أعيش لحظة من «التفكير المتشعب» هذا الطريق الذهني المراوغ الذي لا يسير على خط مستقيم، يتفرع في كل اتجاه كجذور نخلة تبحث عن الماء في صحراء. التفكير المتشعب هو حرية العقل ومهارة ذهنية وتجربة وجودية متكاملة. هو الانفلات من أسر النمط والخروج من قفص «السؤال والجواب» والغوص في احتمالات غير مألوفة، قد لا توصلك إلى إجابة، لكنها بالتأكيد توصلك إلى رؤى. إنه ذلك النوع من التفكير الذي يجعل الكاتب يرى في خيانةٍ عاطفية نواة لأسطورة، وفي مقعد مكسور بذرة لقصيدة، وفي نظرة عابرة مشروع حياة كاملة. في زمن السرعة والإجابات الفورية، يُنظر إلى التفكير المتشعب أحيانًا كعبء. لكنه في الحقيقة هو اللغة الأولى للخيال، وهو القارب الوحيد الذي يمكنه عبور محيطات الأسئلة دون أن يغرق في محطات اليقين السطحية. هذا النوع من التفكير لا يُرضي المعلم في قاعة الدرس، لكنه يُدهش قارئًا وحيدًا في ركن من العالم. هو تفكير ثمين في تنوع فروعه يُغريك بالضياع الجميل والتشعب الممتع. تتبع فكرة فتقودك إلى أخرى لا علاقة لها بالأولى، ثم تعود فجأة لنقطة البداية، لكنك تعود مختلفًا، كأنك عثرت على مرآة تعكس ما خلفك لا ما أمامك. ككاتب، أرى أن التفكير المتشعب لم يعد رفاهية فكرية فحسب، بل ضرورة جمالية وإنسانية وعاطفية. هذا التفكير هو ما يمنح النص روحه ويمنح الكاتب بصمته. وأنصحك كقارئ لا يبحث عن إجابات سهلة، أن تتبناه كوسيلة للإبداع وطريقة لرؤية العالم من منظور مختلف، لأنه حين تتشعب الفكرة تنضج الذات.
519
| 06 يونيو 2025
غرباء في مرايا أقرب الناس. بقلم: كاتب جرّب الحنين حتى صار له مسكنًا، وتشرّب من الحياة مرّها حتى سال منه الحبر. في زاوية هادئة من القلب لا يصل إليها ضجيج الحياة، تنمو حقيقة مؤلمة بصمتٍ ناعم: لسنا دومًا مرئيين كما نحن بل كما يظنون أننا يجب أن نكون. نكون وسط من نحب ونشاركهم الضحكة واللقمة والذكريات، لكن شيئًا في العمق يهمس: «لست منهم تمامًا»، وكأننا ظلٌّ يعبر حياتهم، لا روحًا تسكنها. نكتشف أننا لا ننتمي للمكان ولا للوجوه التي تملؤه. نحن لا نختار أن نكون غرباء، لكننا نصبح كذلك حين نكفّ عن ارتداء وجوهٍ لا تشبهنا. حين نختار أن نكون صادقين مع أنفسنا أكثر من حرصنا على قبول الآخرين. حين نتوقف عن تلوين جراحنا كي لا تُرى وحين نُعلن دون صوت أن لنا طريقتنا في الفهم وفي الحب وفي التعبير وفي الانهيار. حين لا نُجيد المجاملة التي تحفظ العلاقات ولا نصفق لما لا نؤمن به. الغربة الحقيقية ليست بُعدًا عن الوطن بل بُعدًا عن المعنى. أن يتحدثوا إليك بلغتهم، ولا يسمعوا لغتك. أن تُخبرهم بأنك لست بخير، فيُجيبوك: «لكن وجهك لا يُظهر ذلك!» وكأن الألم يحتاج إلى تصريح، وكأن الانكسار لا يُحسب إن لم يُذع. في عيونهم نحن صامتون. لكن في داخلنا ضجيج مرافعات لم يسمعها أحد. نضحك كي لا تُقال عنا كآبة، ونُنجز كي لا يُقال إننا عاطلون، ونبقى كي لا نُتَّهم بالخذلان. لكن لا أحد يسأل: كم مرة أعدنا لملمة أرواحنا في منتصف الليل؟ كم مرة سكتنا لأن الكلام بات عبئًا لا يحتمل؟ الغريب لا يبحث عن ضوءٍ خارجي، هو يعرف أن نوره في الداخل ينتظر فقط لحظة السماح بالظهور. الغريب ليس مكسورًا، الغريب صادق أكثر من أن يتظاهر. وإذا كان هذا العالم لا يحتمل الصدق، فأنتَ لا تحتمل الزيف. ومع كل هذا، نواصل التمثيل. نرتدي القناع صباحًا، ونخلعه سرًا في عتمة غرفنا. نُطمئن الجميع بأننا أقوياء، ثم ننهار على وسادة لم تعد تشتم رائحتنا، لكثرة ما شربت من دمع صامت. أن تبوح فلا يُصدقك أحد، وأن تفتح صدرك فيُقال إنك درامي، وأن تحتاج فيُظن بك ضعف، وأن تحب بطريقة مختلفة فيُتهم قلبك بالغرابة. ولأجل أن تُقبل، تُضطر إلى أن تُمثل وأن تتحول إلى نسخة مخففة من نفسك. لكن التنازل المستمر خيانة صامتة للذات، وكل خيانة منها تُخلّف نُدبة، لا تُرى لكنها تُوجع. لكن الغربة مهما اشتدت ليست نهاية. إنها بداية الولادة الجديدة. بداية التخلي عن محاولات الإقناع والتبرير والرغبة في أن نُفهم. فيا من تقرأ ويا من شعرت بهذه الغربة دون أن تُسميها، لا تُعدّل نفسك لتناسب مراياهم، فهم لا يرون إلا انعكاس توقعاتهم، لا حقيقتك. وإن شعرت أنك تسير وحدك، فاعلم أن هناك من يشبهك في مكانٍ ما، يخفي هو الآخر شعوره بغُربةٍ لاذعة، ويقاومها بابتسامةٍ ناضجة، لا ساذجة. ابقَ كما أنت، مهما قالوا حتى لو كنت آخر المختلفين. ففي زمنٍ تماهى فيه الجميع، صرتَ أنت الحقيقة الأخيرة. ولا تنسَ أبدًا، أن الأشجار العتيقة لا تُظهر وجعها، لكنها تصمد وتنمو وتظل واقفة حتى وإن لم يُصفق لها أحد. ابكِ واكتب وابتسم، لكن لا تفقد صوتك. لا تنطفئ كي تُرضي أحدًا، فالعتمة حينها ستكون مزدوجة، فيك وفيهم. حين لا يفهمك أحد، لا تُضِع عمرك في التفسير. كن مرآتك الخاصة، واسمح لنفسك أن تكون كما أنت، لا كما يتمنّونك. ومن بين كل المرايا، ابحث عن تلك التي تعكس روحك، لا مظهرك. عمن يرى فيك ما لم تقله، ويفهم صمتك أكثر من حديثك. ابقَ غريبًا إن كان ذلك يعني أن تبقى حقيقيًّا. ففي عالمٍ يعجُّ بالمُتقمّصين، الغريب هو آخر الصادقين.
1005
| 16 مايو 2025
كان الشتاء يلف مدينتنا بردائه القارس، وكانت شوارعها تعيش ظلمة لم تكن فقط من انقطاع الكهرباء، بل من حرب اختارت أن تغتال كل معنى للأمان. في ذلك العالم الخارجي المضطرب، حيث تناثرت أصوات المعارك كطبول يومٍ لا ينتهي، وجدنا نحن دفئنا في زاوية صغيرة من بيتنا، حيث لا شيء سوى شعلة ضوء شمعة، وحساء ساخن تعدّه أمي بحب. كنا أربعة: أبي وأمي وأخي وأنا. عائلتنا الصغيرة التي اجتمعت كل ليلة حول قصة. أبي، ذلك القائد الحكيم والقلب الحنون، كان ينسج لنا من حكايات الأنبياء سفينة تبحر بنا بعيدًا عن ضجيج الحرب. قصصه كانت كالسحر، تحملنا إلى عوالم أخرى، مليئة بالعِبَر والحكم، وتُعلّمنا أن وراء كل شدة فرجًا، ووراء كل ظلام نورًا. في كل كلمة من كلماته كان صوت الحياة يتغلّب على صوت الموت الذي يعصف بالخارج. كان يحدثنا عن صبر أيوب، وعن حكمة سليمان، وعن شجاعة موسى عليهم السلام. نضحك حين يمزح، ونبكي أحيانًا، لكننا كنا نشعر بالأمان في حضرة تلك الجلسات. كانت ضحكاتنا الصغيرة تُخرس ضجيج المدافع، ومزاح أبي كان يغطي على صوت الانفجارات. وفي الصباح، كان الوداع مشهدًا يتكرر. أبي يغادر إلى العمل، ونحن نودّعه كما لو أنه وداعٌ أخير، نتشبث بلحظة لا نعرف إن كانت ستكون الأخيرة. كنا صغارًا، نحمل في أعيننا براءة كانت أكبر من أعمارنا، وقلوبًا لا تزال تؤمن أن الخير ممكن، حتى في أحلك الأوقات. لم يكن وداع أبي عاديًا، كان أشبه بمرآة تعكس هشاشة الحياة من الخارج وقوتها في نفس الوقت في داخلنا. لم تكن السعادة في امتلاك الكثير، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي جمعتنا. في حساء ساخن رغم البرد، وفي ضوء شمعة رغم الظلام. كنا صغارًا، لكننا كنا نعرف أن السعادة ليست في الخارج، بل هنا، بين قصص أبي وحنان أمي وضحكاتنا التي تتحدى كل شيء. كنا نملك القليل، لكن أرواحنا كانت غنية بحب لا ينضب، حب كان يقاوم برد الشتاء وضجيج الحرب. اليوم، حين أتذكر تلك الأيام، أدرك أن الحرب لم تنتصر. نعم، لقد أخذت منا الكثير، لكنها لم تأخذ روحنا. ففي كل حكاية رواها أبي وفي كل ضحكة ملأت بيتنا، كنا نعلن للعالم أن الحب أقوى وأن العائلة وطن لا يُقهر.
663
| 14 فبراير 2025
في معترك الحياة، حين تشتد الظروف وتثقلني تفاصيل الأيام، أجدها هناك، أمي، تلك التي لا تحتاج إلى دعوة لتسكنني. هي دوائي حين يعتل القلب، وعافيتي حين تضيع مني ملامح الطريق. لا تحمل في يدها وصفة شفاء مكتوبة، ولا تمتلك عصا سحرية، لكنها بفطرتها النقية وقلبها الكبير تداويني كما لا يفعل شيء آخر. حين تضيق الدنيا وتغلق أبوابها في وجهي، يكفيني أن ألتفت لأجدها بجانبي، تحمل عني ما لا أستطيع حمله. صوتها وحده يملك القدرة على تهدئة عواصف قلبي، وكأن كلماتها خلقت خصيصًا لتطبطب على جراحي. في حضرة عينيها، تنزاح عني أثقال الأيام، وكأن الحياة تهمس لي: «لست وحدك، هناك من يقاسمك كل شيء.» هي ليست مجرد أم، بل هي الوطن الذي أعود إليه كلما هربت مني طمأنينة العالم. تضحك، فينتفض في داخلي طفل صغير يركض نحو حضنها الدافئ، وكأن كل الأحزان تتلاشى أمام سحر ابتسامتها. وحين تحزن، تتبدل الأدوار، فأبحث بكل ما أوتيت من حب عن أي شيء يزيح عن قلبها تلك الغيمة، لأنني أعرف جيدًا أن سعادتي تبدأ من سعادتها. معها، تصبح التفاصيل الصغيرة محطات فرح. حديثها الصباحي، حتى وإن كان عن أبسط الأمور، يحمل نكهة مختلفة حين ينساب في أذني. دعاؤها لي قبل نومي هو السور الذي أحتمي خلفه من قلق الليل. وحتى صمتها، ذلك الصمت المشحون بالحب والاهتمام، يشبه نغمة سلام تطوق روحي. وحين تهب رياح الحياة بعنفها، أعرف أنني لست بحاجة إلى الهروب. يكفيني أن أتمسك بيدها، فأجد في دفئها أمانًا لا يزعزعه شيء. هي ليست فقط من يهدئ خوفي، بل هي من يجعلني أرى في أعمق لحظاتي المظلمة شعاعًا من نور ينبثق من بين كلماتها ودعواتها الصادقة. دوائي ليست كلمة أرددها في لحظات الصفاء، بل هي حقيقة أعيشها في كل لحظة. حين أضعف، حين أخطئ، حين أفقد توازني، أجدها هناك، لا تعاتب، لا تلوم، بل ترفعني بحنانها الذي لا ينضب وكأنها تقول: «أنا هنا، وأنت بخير.» هي ليست خارقة، وأنا أعلم ذلك. لكنها تحمل على كتفيها ما لا يراه أحد، ومع ذلك تجد القوة لتكون لي العون والسند. في عفويتها تكمن الحكمة، وفي عاطفتها أجد المعنى الحقيقي للحياة. معها أدرك أن الحب ليس مجرد كلمات تقال أو مشاعر تُحس. هو فعل مستمر، هو أن تكون حاضرًا حين يختفي الجميع، هو أن تمنح السكينة حتى وأنت منهك. أمي، هي دوائي وعافيتي، ومعها فقط، أكون أنا.
690
| 15 نوفمبر 2024
قد نعتقد أن لحظات الصمت فارغة وخالية من المعاني وأنها مجرد مساحة بدون كلمات، وأن الأحلام لا صورة لها ولا وصف يعبر عنها. لكن الصمت في الواقع هو لغة خاصة تتحدث بها الروح حين يعجز اللسان عن التعبير وتقف الحروف موقف الحياد. وفي أعماق الصمت تلمع الأحلام كنجوم في ليلة هادئة دون الحاجة إلى صوت لتُسمع، فحديثها أعمق وأصفى بكثير مما يمكن للمفردات أن تنقله. الصمت ليس هروباً من الواقع، بل هو محطة من التأمل تفصلنا عن ضجيج الدنيا وتمنحنا فرصة للتواصل مع أعماق وجداننا. في صمتنا العابر قد نصادف حلماً قديماً نسيه القلب أو تناساه، كان يوماً ما مختبئاً في زاوية مهملة داخل النفس بعيداً عن الأعين، يترقب لحظته المناسبة ليظهر برفق ولطف.لا صراخ للأحلام، بل حديث بلغة لطيفة أرق من النسيم في خلوة مع الذات بعيداً عن صخب العالم. في حضرة الصمت لا شيء يحجب صوت الروح حيث نواجه أحلامنا التي طالما تجاهلناها ونحن نلاحق ما لا يشبهنا. في صفاء تلك اللحظات يظهر الحلم بكل بساطته وجماله، كزهرة تتفتح في بستان خفي لم يلاحظه أحد. الحلم هنا ليس فقط مجرد فكرة أم أمنية، بل هو بوصلة ترشدنا نحو مسارنا الحقيقي بعيداً عن الأوهام التي زرعها الآخرون في داخلنا.هنا تتحدث الأحلام بصوت الصمت ويبدأ القلب بالإنصات بطريقة جديدة لم يعهدها من قبل. كل نبضة تتحول إلى لحن يعزف نغمة حلم قديم، وكل نفس يصبح خطوة نحو عالم جديد. إنها لحظة تناغم داخلي يتوقف فيها الزمن ليمنح الحلم فرصة للتحرر والإنطلاق. هذا الحوار النقي بين الصمت والأحلام لا أحد يستطيع فهمه ما لم يكن قلبه مليئاً بالأمل. إنه حديث بلا كلمات لكنه يترك أثراً عميقاً في الروح ويُضيء الطريق نحو المستقبل، من هذا الصمت تنبع القوة التي لطالما فقدناها ونجد الشجاعة لنحلم من جديد ونكتشف الطريق الذي يقودنا نحو آفاق جديدة وعوالم من الصور المضيئة والجمال الذي لا يُرى بالعين المجردة بل يُحس بالشعور الصادق المنبثق من الأعماق. الأحلام التي تولد في الصمت هي الأحلام التي تكبر بعمق وتزهو في أوقات لا نتوقعها.
1029
| 25 أكتوبر 2024
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
8001
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
4158
| 09 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...
1191
| 11 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...
1110
| 07 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
936
| 10 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...
819
| 11 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
816
| 09 مارس 2026
في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...
657
| 05 مارس 2026
رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...
651
| 05 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...
642
| 11 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
558
| 08 مارس 2026
أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...
552
| 07 مارس 2026
مساحة إعلانية