رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يمكن فهم التوتر الإيراني–الأمريكي بمعزل عن التحول الجاري في المقاربة الاستراتيجية لواشنطن لقضايا العالم والمنطقة خاصة، منطق: «السلام بالقوة». فـوثيقة الدفاع الوطني الأمريكية لم تعد تنظر إلى إيران من زاوية «الضغوط القصوى» بوصفها أداة لإرضاخ طهران بل انتقلت إلى مستوى «الإخضاع الاستراتيجي»، لاستعادة مصالح خسرتها في إيران منذ ١٩٧٩ بالدرجة الاولى وتحقيق أهداف عديدة أخرى تتقاطع بعضها مع أهداف اسرائيل.
يزيد الرئيس الامريكي أدوات الإخضاع، فيواصل الضغوط القصوى ويوسع دائرتها لتستهدف كل من يتاجر مع إيران حتى جيرانها الذين لطالما شكلوا رئة تنفس لها في ظل الخنق الاقتصادي. ويضيق سياسيا من خلال منظمات دولية عديدة ليست الوكالة الدولية للطاقة الذرية أولها ولا مجلس حقوق الإنسان الدولي آخرها، ويقوم بخطوات تلامس أفكار الإيرانيين، تصريحاته حول الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة منها، وقرار وزير خارجيته إلغاء امتيازات واقامات كبار المسؤولين الإيرانيين وأفراد أسرهم في الولايات المتحدة.
في المقابل، يطغى إقليميا خطاب حسن الجوار في السياسة الإيرانية في المرحلة الأخيرة على منطق التدخل والصدام، على خلفية سياسة تصاعدت في السنوات الأخيرة عدلت وتعاطت مع الأمن القومي الإيراني إقليميا بمنطق مختلف. الانهيارات في دوائر النار التي عززتها إيران حول إسرائيل وفي المنطقة، دفع بتعزيز الأمن عبر مصالح الاقتصاد مع ثبات وإيمان بشبكية الامن الإقليمي، فكما أن الامن للجميع فإن انعدامه في مكان يعني سريان ذلك في المنطقة.
مبادرات كثيرة طرحتها إيران حول آمن المنطقة الخليجية والإقليم بقيت جميعها حبرا على ورق لأسباب يطول شرحها هنا، لكن البناء على لبنات علاقات قديمة كتلك القائمة مع عمان وقطر واصلاح أخرى أسهم في فهم أفضل للجميع.
اتفاق بكين بين إيران والسعودية في 2023 كسر منطق الاستقطاب، وفتح نافذة لتهدئة إقليمية انعكست على ملفات حساسة، من اليمن إلى أمن الملاحة إلى انفراجات في علاقات مع دول اخرى. لذا لم يكن غريبا ان يحضر وزير الخارجية الإيراني قبل عام ونيف إبان تسلمه منصبه اجتماعًا ولو غير رسمي لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي.
تطورات العام الماضي، خاصة على صعيد الملف الإيراني، لا تغيب عن الأذهان ايضا، والتي تأتي امتدادا لحرب الإبادة في غزة وفي ظل واقع جديد فرضه جلوس دونالد ترامب الى كرسي البيت الأبيض مطلع العام الماضي.
التغييرات في النظام العالمي تتزامن مع تغييرات إقليمية تحاول بعض الأطراف فرضها بخشونة في المنطقة لتثبيت موقعها ضمن المعادلات الجديدة. وهذا دفع الأطراف الأخرى للبحث عن أدوات تدفع من خلالها بالحلول الدبلوماسية.
مواقف متقدمة خليجية قادتها السعودية وقطر للتهدئة نجحت في ابعاد شبح الحرب قبل نحو أسبوعين، لتبقى الجهود مستمرة وتتقاطع مع دور تركي لافت في محاولة لإيجاد مخرج دبلوماسي.
وزير خارجية ايران ومن إسطنبول تحدث عن «مشاورات بناءة « مع نظيره التركي حول شكل ومكان وموضوعات الحوار المراد له أن يبنى بين الجانبين الإيراني والأمريكي بشكل اساسي. خرق كبير في جدار انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، لكن المضي فيه يحتاج الى توسيع دائرة دعم الخيار الدبلوماسي إقليميا.
واذا كان يبدو الفهم السياسي الإقليمي واضحا ومشتركا الى حد كبير فيما يخص التعاطي مع التطورات الإيرانية، غير أن تجاوز النظرة النمطية تجاه إيران يبقى شرطًا أساسيًا لنجاح هذا المسار. فإيران جار جغرافي تاريخي، وإذا كان القلق قبل عقود من « تصدير الثورة « وقبل أعوام من « نفوذ» انتهى بالسيطرة على أربع عواصم عربية كما صرح بعض المسؤولين الإيرانيين حينها، فالواقع اليوم مختلف تماما. ليس لواقع فرض على الأرض، بل لأن «التغيير « في ايران لم يعد خيارا فقط بل طريق باتجاه واحد، وهذا لا يرتبط فقط بمعادلات الخارج وانما بمعادلات الداخل ايضا. فالخطوات التي انجزها الشارع الايراني فرضت نفسها على صانع القرار في طهران ايضا. كما أن الحديث عن تغيير البارادايم بات واسعا في دوائر النخب الإيرانية.
لذا، اذا كان التغيير في طهران قادما لا محالة، فما تريده إيران وجيرانها - وهذا واضح من خلال مواقفهم الأخيرة خاصة - هو ان يتم ذلك بهدوء وبسياقات طبيعية ممكنة في ظل براغماتية مشهودة للنظام الإيراني، لا ان يتم بخشونة تدفع لتدحرج كرة النار في المنطقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2352
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
858
| 04 مايو 2026