رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نحو جائزة وطنية شاملة للعطاء المجتمعي

أصبحت ثقافة التكريم في المجتمع القطري اليوم إحدى الصور الحضارية التي تعكس اهتمام الدولة بإبراز النماذج التي تقدم جهداً حقيقياً في خدمة المجتمع، لأن التقدير حين يُمنح في موضعه الصحيح لا يكون مجرد مناسبة احتفالية عابرة، بل يتحول إلى رسالة وطنية ذات أثر معنوي عميق، تؤكد أن العطاء الصادق محل متابعة واعتراف، وأن المجتمع الذي يكرّم أبناءه يرسخ في الوقت ذاته قيمة المبادرة والمسؤولية والانتماء. وقد أثبتت التجارب أن الجوائز الاجتماعية حين تُحسن إدارتها ومعاييرها تصبح أداة لتحفيز العمل الإيجابي، وتفتح المجال أمام نماذج جديدة تتجه نحو خدمة المجتمع بروح أكثر التزاماً وثقة. وفي هذا الإطار جاء تنظيم جائزة روضة للعمل الاجتماعي ليؤكد أن العمل الاجتماعي أصبح يحظى بمكانة متقدمة في المشهد الوطني، ويمكن النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها من الصور المهمة التي اقتربت من مفهوم الجائزة الوطنية للتميز الاجتماعي، لأنها أبرزت قيمة العمل الإنساني وربطت التكريم بالأثر المجتمعي المباشر. والأهمية هنا لا تكمن فقط في أسماء الفائزين، بل في الرسالة التي تصل إلى المجتمع بأن العطاء المنظم والعمل التطوعي والمبادرات الإنسانية يمكن أن تتحول إلى نماذج وطنية يشار إليها بالتقدير. إن أهمية مثل هذه المبادرات لا تقف عند حدود تكريم فئة محددة، بل تمتد إلى بناء ثقافة مجتمعية ترى في العطاء قيمة وطنية ينبغي أن تحظى بالاهتمام، وتمنح رسالة واضحة بأن كل جهد نافع يجد مكانه في الاعتراف المجتمعي. وهذا النهج يحتاج إلى مزيد من الاتساع، لأن المجتمع القطري غني بفئات كثيرة تقدم أعمالاً مؤثرة في مجالات متعددة، وبعضها يؤدي أدواراً يومية ذات أثر مباشر في حياة الناس دون أن يحظى بما يستحقه من إبراز. ومن بين هذه الفئات التي تستحق أن تدخل ضمن نطاق التقدير أعضاء المجلس البلدي المركزي، باعتبارهم يمثلون تجربة وطنية قائمة على الانتخاب وتحمل المسؤولية العامة. فالمجلس البلدي ليس مجرد إطار إداري، بل هو قناة مباشرة لنقل احتياجات المواطنين إلى الجهات التنفيذية، ومن خلاله تُطرح قضايا تمس الحياة اليومية في تفاصيلها المختلفة، من الخدمات العامة والطرق والحدائق والنظافة وتنظيم المناطق إلى متابعة الملاحظات المرتبطة بالمرافق العامة. وقد أثبتت التجربة خلال السنوات الماضية أن عدداً من أعضاء المجلس قدموا جهوداً واضحة في المتابعة الميدانية وطرح القضايا والحضور القريب من المجتمع، وبعضهم استطاع أن يترك أثراً ملموساً في ملفات خدمية متعددة. وهذا الجهد، وإن كان يتم في إطار رسمي، إلا أنه في جوهره يحمل بعداً اجتماعياً مباشراً لأنه يرتبط براحة الناس وتحسين بيئتهم اليومية، وهو ما يجعل من المناسب التفكير في أن يكون لهذا النوع من الأداء نصيب واضح ضمن منظومة الجوائز الاجتماعية الوطنية. ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: لماذا لا يكون للعمل البلدي نصيب ضمن الجوائز الوطنية القادمة؟ ولماذا لا تُخصص فئة تُعنى بالمبادرات المحلية أو الأداء المجتمعي المرتبط بالخدمة العامة؟ فتكريم هذا النوع من الجهد سيعزز ثقافة المسؤولية، ويؤكد أن العمل العام حين يقترن بالإخلاص والنتائج يستحق التقدير، كما أنه يمنح رسالة إيجابية لكل من يعمل في الشأن المحلي بأن المجتمع يقدّر أثر الجهد الميداني. ولا يقتصر الأمر على العمل البلدي فقط، فهناك أيضاً شريحة مهمة من المتقاعدين الذين قدموا سنوات طويلة من الخدمة الوطنية في مختلف مؤسسات الدولة، ثم واصل كثير منهم حضورهم الاجتماعي بعد التقاعد عبر مبادرات فردية أو مساهمات مجتمعية أو مشاركات تطوعية. وهذه الفئة تمتلك خبرة متراكمة وتجربة وطنية تستحق أن تبقى حاضرة في المشهد التكريمي، لأن التقدير لا ينبغي أن يتوقف بانتهاء الوظيفة، بل قد يمتد إلى ما بعدها عندما يستمر العطاء بصورة مختلفة. كما أن المجتمع القطري يضم أصحاب مبادرات مجتمعية يعملون بعيداً عن الأضواء؛ منهم من يشارك في التوعية، ومنهم من يسهم في العمل البيئي، ومنهم من يدعم المبادرات الإنسانية أو يقدم خدمات اجتماعية داخل الأحياء والمناطق. وهذه النماذج غالباً ما تكون الأكثر تأثيراً لأنها تعمل بدافع ذاتي وبإحساس مباشر بالمسؤولية تجاه المجتمع، ولذلك فإن منحها مساحة من التقدير يساهم في إبراز قدوات مجتمعية حقيقية للأجيال الجديدة. ويتكامل هذا التوجه مع ما تسعى إليه دولة قطر من ترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية بوصفه جزءاً من مسار التنمية الوطنية، حيث إن بناء المجتمع لا يعتمد فقط على المؤسسات الرسمية، بل أيضاً على المبادرات الفردية والجماعية التي تخلق أثراً إيجابياً وتدعم التماسك الاجتماعي. فكل جهد تطوعي، وكل مبادرة محلية، وكل مساهمة صادقة في خدمة الناس، تمثل في حقيقتها رصيداً وطنياً يجب أن يجد مكانه ضمن منظومة التقدير الوطني. ومن هنا قد يكون من المناسب مستقبلاً التفكير في إطلاق جائزة وطنية سنوية شاملة للعطاء المجتمعي، تضم مسارات متعددة للتميز الاجتماعي، والعمل البلدي، والمبادرات التطوعية، وخبرة المتقاعدين، والجهود البيئية، بحيث تصبح منصة وطنية جامعة تُمنح وفق معايير واضحة وتحتفي بكل من جعل من خدمة المجتمع جزءاً من مسؤوليته الوطنية. فمثل هذه الجائزة لن تكون مجرد تكريم سنوي، بل ستتحول إلى مشروع مجتمعي يرسخ ثقافة التقدير، ويصنع قدوات جديدة، ويؤكد أن الوطن يثمّن كل جهد مخلص يسهم في بناء المجتمع وتعزيز تماسكه، لأن المجتمعات لا تنهض فقط بالمشروعات الكبرى، بل أيضاً بالأعمال اليومية الصادقة التي يؤديها أفراد يشعرون أن خدمة الوطن مسؤولية مستمرة لا ترتبط بموقع أو صفة، وإنما بروح العطاء والانتماء.

324

| 23 أبريل 2026

الخليج يترقب.. ماذا بعد حصار مضيق هرمز؟

في ظل التوترات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، يبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا، ليس فقط لأنه ممر بحري ضيق تعبر منه السفن، بل لأنه يمثل شريانًا اقتصاديًا عالميًا ترتبط به مصالح الطاقة والتجارة الدولية، وتقوم عليه حسابات اقتصادية دقيقة لدول الخليج والعالم معًا. ولهذا فإن أي حديث عن حصار هذا المضيق أو تعطيل الملاحة فيه لا يُنظر إليه كحدث عابر، بل كاحتمال يفتح أبوابًا واسعة من التساؤلات حول ما قد يحدث بعد ذلك، وما إذا كانت المنطقة ستدخل مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والتجاذبات السياسية التي قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم. إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن حصار المضيق هو سوق الطاقة العالمي، لأن نسبة كبيرة من النفط والغاز المصدر من الخليج تمر عبر هذا المسار البحري الحيوي. وتعد قطر في مقدمة الدول المرتبطة بهذا الممر، نظرًا إلى مكانتها العالمية في تصدير الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، حيث إن أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز، ويرفع كلفة التأمين البحري، ويؤثر على مواعيد التسليم والعقود التجارية، ويزيد من حالة القلق في الأسواق الدولية، لأن العالم بأسره ينظر إلى هذا المضيق بوصفه أحد أهم مفاتيح استقرار الطاقة. لكن الأثر الحقيقي لا يقف عند الطاقة وحدها، بل يمتد إلى الاقتصاد الخليجي بأكمله، لأن دول مجلس التعاون لم تعد اقتصاداتها قائمة على النفط فقط، بل أصبحت مرتبطة بشبكات استثمارية عالمية، وموانئ حديثة، وأسواق مالية متقدمة، ومشروعات تنموية ضخمة، وخطط طويلة المدى تقوم على الاستقرار وجذب الاستثمار. ولذلك فإن أي سيناريو تصعيدي طويل في هذا الممر قد ينعكس على حركة التجارة، وعلى ثقة المستثمرين، وعلى تكاليف النقل والاستيراد، بل وحتى على المشروعات المستقبلية التي تعتمد على وضوح البيئة الإقليمية واستقرارها. ومن هنا تظهر حساسية المرحلة؛ فدول الخليج تدرك أن هذه السيناريوهات ليست مجرد تطورات عسكرية، بل قد تتحول إلى أدوات ضغط اقتصادي واسع، ولهذا جاء موقفها قائمًا على الحذر وعدم الانجرار وراء أي تصعيد قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. وقد أثبتت دول المجلس خلال الأزمات الأخيرة أنها أكثر تمسكًا بالتوازن، وأكثر حرصًا على أن تبقى أراضيها بعيدة عن أن تكون جزءًا من المواجهة المباشرة، لأن المصلحة العليا تكمن في حماية الاستقرار الداخلي أولًا، والحفاظ على المنجزات التي تحققت خلال العقود الماضية. إن بعض القراءات ترى أن استمرار التوتر في المنطقة قد يفتح المجال أمام موجة جديدة من سباقات التسلح، ويدفع إلى مزيد من صفقات الدفاع، وكأن الخوف الإقليمي يتحول أحيانًا إلى سوق مفتوحة تعاد فيها حسابات الإنفاق العسكري. غير أن دول الخليج، رغم تعزيز قدراتها الدفاعية، أظهرت أنها لا تنظر إلى الحل من زاوية عسكرية فقط، بل من زاوية سياسية واقتصادية أشمل، تقوم على أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بالحكمة، وبمنع الانزلاق إلى استنزاف طويل قد تكون كلفته أكبر من أي مكاسب متوقعة. كما أن دول المجلس عملت خلال السنوات الماضية على بناء بدائل واستعدادات مهمة، من خلال تطوير الموانئ، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتوسيع قدرات النقل والتخزين، وتقوية البنية التحتية للطاقة والمياه، وهو ما يمنحها قدرة أفضل على مواجهة أي اضطرابات مؤقتة. غير أن هذه البدائل، مهما بلغت قوتها، لا تلغي حقيقة أن استمرار القلق في المضيق يظل عبئًا اقتصاديًا على المنطقة كلها، لأن حركة الأسواق تتأثر أحيانًا بمجرد التوقع قبل وقوع الحدث. وفي المقابل، فإن العالم نفسه لا يستطيع تجاهل خطورة أي تعطيل طويل في هذا الممر، لأن دولًا كبرى مثل الصين والهند واليابان تعتمد على مرور الطاقة من الخليج، وأي خلل طويل سيدفع هذه الدول إلى التحرك سياسيًا، لأن مصالحها الاقتصادية ترتبط مباشرة باستمرار الملاحة، وهو ما يجعل أي أزمة في المضيق أزمة عالمية لا إقليمية فقط. إن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا يحدث عند الحصار؟ بل ماذا بعده؟ والجواب أن ما بعد أي حصار لن يكون انتصارًا لطرف بقدر ما سيكون اختبارًا لقدرة الجميع على العودة إلى العقلانية، لأن استمرار التوتر يعني استنزافًا طويلًا، وارتفاعًا في الكلفة على الجميع، بينما الحل السياسي يبقى هو الطريق الأقرب لتجنيب المنطقة مزيدًا من التعقيد. لقد أثبت الخليج في السنوات الماضية أنه أكثر وعيًا بمصالحه، وأكثر إدراكًا أن التنمية التي تحققت تحتاج إلى حماية سياسية واقتصادية متوازنة، وأن الاستقرار ليس خيارًا ثانويًا بل هو أساس البناء كله. ولهذا فإن الحكمة الخليجية اليوم تقوم على عدم الانجرار، وعلى إبقاء القرار مستقلًا، وعلى التعامل مع الأزمات بمنطق الدولة التي تعرف مصالحها جيدًا وتحافظ على مصالح شعوبها. نسأل الله تعالى أن يحفظ دولة قطر قيادةً وشعبًا، وأن يحفظ حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وأن يديم على الوطن نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وأن يحفظ دول الخليج العربية جميعًا من كل سوء، وأن يجنبها الفتن والحروب، وأن تبقى هذه المنطقة أرض سلام وتعاون وتماسك، وأن يحفظ شعوبها وكل من يعيش على أرضها، وأن يبعد عنها شر الحاقدين والحاسدين، وأن يجعل مستقبلها قائمًا على الحكمة والطمأنينة والسلام.

345

| 17 أبريل 2026

الهدنة التي كشفت موازين جديدة

في أوقات الحروب لا تظهر فقط نتائج المعارك، بل تنكشف معها حقائق سياسية واستراتيجية كانت لسنوات طويلة غير واضحة بالصورة الكاملة. وما شهدته المنطقة خلال المواجهة الأخيرة، ثم إعلان وقف الحرب لمدة أسبوعين، لم يكن مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، بل كان محطة كشفت موازين جديدة، وأظهرت حجم القدرة على الصمود، وحدود التحالفات، ومقدار الحضور والغياب في واحدة من أكثر المراحل حساسية التي مرت بها المنطقة في السنوات الأخيرة. إن إعلان وقف الحرب لمدة أسبوعين جاء في لحظة كانت فيها المنطقة تقف على حافة توسع أكبر للصراع، خاصة مع تصاعد المخاوف من امتداد الضربات إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية ومصادر المياه الحيوية. ولهذا فإن هذه الهدنة لا يمكن اعتبارها نهاية نهائية للحرب، بل فترة اختبار سياسي وعسكري لكل الأطراف. فهي من جهة تمنح فرصة لإعادة الحسابات، ومن جهة أخرى تكشف إن كانت هناك إرادة حقيقية لوقف التصعيد أو مجرد إعادة ترتيب للمواقف قبل جولة أخرى. ومن أبرز الحقائق التي أظهرتها هذه الحرب أن دول الخليج استطاعت أن تثبت قدرة واضحة على الصمود أمام التهديدات المباشرة وغير المباشرة. فقد واجهت المنطقة ضغطًا مركبًا؛ تهديدات عسكرية، توترًا اقتصاديًا، قلقًا شعبيًا، واحتمالات استهداف منشآت استراتيجية، ومع ذلك استمرت الحياة العامة والخدمات الأساسية بصورة مستقرة، واستمرت الأسواق ومرافق الطاقة والموانئ في أداء دورها دون انهيار أو ارتباك واسع. كما أثبتت هذه المرحلة أن البناء الأمني والمؤسسي في الخليج أصبح أكثر تماسكا مما كان يعتقد كثيرون، وأن إدارة الأزمات لم تعد تعتمد فقط على ردود الفعل، بل على خطط جاهزة وقدرة عالية على احتواء التطورات بسرعة. وهذا الصمود لم يكن مجرد مسألة أمنية، بل كان أيضًا موقفًا سياسيًا حافظ على التوازن ومنع الانجرار إلى قرارات متسرعة قد توسع دائرة الحرب. وفي المقابل، ظهر الغياب العربي بصورة لافتة، فبرغم خطورة الأحداث، لم يظهر تحرك عربي جماعي بمستوى الحدث، وظلت المواقف محصورة في بيانات التهدئة والدعوة إلى ضبط النفس، بينما بدت جامعة الدول العربية بعيدة عن صناعة موقف عملي قادر على التأثير. كما أن الجيوش العربية، التي كثيرًا ما تُطرح في النقاش عند الأزمات الكبرى، لم يظهر لها دور واضح ضمن مشهد الأزمة، الأمر الذي أعاد طرح الأسئلة القديمة حول مفهوم الأمن العربي المشترك وحدود فاعليته في لحظات الاختبار الحقيقي. وفي المقابل أيضًا، أثبتت عدة دول أجنبية أن استقرار الخليج يمثل مصلحة مباشرة لها، فظهرت مواقف داعمة ومساندة على المستويين السياسي والأمني، لأن العالم يدرك أن أي اضطراب في هذه المنطقة لا يبقى محصورًا داخل حدودها، بل ينعكس فورًا على الطاقة والتجارة الدولية والملاحة البحرية. وهنا برزت حقيقة أن الخليج لم يعد فقط منطقة إنتاج للطاقة، بل مركز توازن اقتصادي عالمي لا يمكن تجاهل تأثيره. أما السؤال الذي فرض نفسه بعد إعلان وقف الحرب فهو: من المنتصر؟ والحقيقة أن الإجابة ليست سهلة، لأن الحروب الحديثة لا تُقاس فقط بحجم الضربات، بل بما تحقق سياسيًا بعد توقف النار. فكل طرف أعلن أنه حقق أهدافًا معينة، لكن الواقع يؤكد أن الجميع خرج وهو يحمل أعباء جديدة، وأنه لا طرف استطاع فرض صورة انتصار كامل. المنتصر الحقيقي حتى الآن هو من حافظ على تماسكه الداخلي، ومنع انهيار مصالحه الأساسية، واستطاع إدارة المرحلة دون خسارة استراتيجية كبرى. لكن ما كشفته الهدنة أيضًا أن بعض الجبهات لم تتوقف فعليًا. ففي الوقت الذي أعلنت فيه التهدئة، استمرت إسرائيل في تركيز ثقلها العسكري والسياسي على لبنان، وكأنها تنقل مركز المواجهة إلى ساحة واحدة بعد أن هدأت ساحات أخرى. وهذا ما أظهر أن الحرب على لبنان أخذت طابع الانفراد الكامل، حيث بقي لبنان يصارع العدو الذي ما زال يحتل أراضيه ويواصل الضغط العسكري عليه، رغم أن منطق الهدنة كان يفترض أن تشمل التهدئة مختلف الجبهات، ومنها الجبهة اللبنانية. أما التوقعات من الهدنة ونتائجها، فهي متعددة. أول هذه التوقعات أن جميع الأطراف ستستغل فترة الأسبوعين لإعادة تقييم الخسائر وإعادة ترتيب أولوياتها السياسية والعسكرية. كما أن الأسواق الإقليمية والعالمية ستستفيد من فترة الهدوء النسبي، خاصة في ما يتعلق بحركة الطاقة والملاحة. كذلك من المتوقع أن تنشط الاتصالات الدبلوماسية خلال هذه الفترة، لأن كثيرًا من القوى الدولية تدرك أن العودة السريعة إلى التصعيد ستجعل المنطقة كلها أمام مخاطر أكبر. إن الهدنة، مهما بدت في ظاهرها فرصة لالتقاط الأنفاس، فإنها في جوهرها اختبار سياسي جديد للمنطقة كلها، لأن نجاحها لا يقاس فقط بوقف إطلاق النار، بل بقدرة الأطراف على منع انتقال الحرب إلى جبهات أخرى أكثر خطورة. وإذا كانت الأيام الماضية قد كشفت كثيرًا من الحقائق التي لم تكن واضحة، فإن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى استقرار محسوب أو إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة. وبين هذا وذاك، يبقى الثابت أن دول الخليج خرجت من هذه المرحلة أكثر إدراكًا لحجم التحديات، وأكثر وعيًا بأن أمنها لم يعد مرتبطًا فقط برد الفعل، بل بقدرتها على قراءة التحولات مبكرًا، لأن الحروب الحديثة لا تنتهي عند توقف النار، بل تبدأ بعدها مرحلة أصعب، وهي مرحلة تثبيت النتائج ومنع تكرار الأسباب التي أشعلتها.

429

| 09 أبريل 2026

قانون الإيجارات.. بين حماية الاستثمار والتوازن

تأتي مناقشة اللجنة التشريعية والقانونية بمجلس الشورى الموقر حالياً لتعديل قانون إيجار العقارات في مرحلة مهمة يمر بها السوق العقاري في دولة قطر، لأن هذا الملف لم يعد مجرد علاقة تعاقدية بين مؤجر ومستأجر، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وبقدرة السوق على التكيف مع التحولات العمرانية والاستثمارية المتسارعة التي تشهدها الدولة. فمع التوسع المستمر في المشاريع العقارية، وتعدد المناطق السكنية والتجارية الجديدة، وتنامي حجم الاستثمار في القطاع العقاري، أصبح من الضروري أن تواكب التشريعات هذا التطور حتى تظل العلاقة بين جميع الأطراف قائمة على الوضوح والعدالة والاستقرار. ورغم ما شهدته الدولة خلال السنوات الأخيرة من توسع عمراني كبير، وبنية تحتية متقدمة، ومشاريع إسكانية وتجارية متنوعة، فإن مستويات الإيجارات ما زالت مرتفعة في عدد من المناطق، سواء في القطاع السكني أو التجاري، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى ارتباط هذه الأسعار بالكلفة الفعلية للعقار أو بمستوى الخدمات المقدمة فيه. فالدولة وفرت مواد البناء الأساسية مثل الحديد والإسمنت والرمال والحجارة بأسعار مدروسة مقارنة بالأسواق الإقليمية، كما استثمرت بصورة كبيرة في الطرق والخدمات العامة والمرافق الأساسية، وهو ما كان يفترض أن ينعكس بصورة أكثر توازنًا على القيمة النهائية للإيجارات، إلا أن الواقع يشير إلى أن هناك تفاوتًا واضحًا بين تكلفة التطوير العقاري ومستويات الإيجار في بعض المناطق. وفي الجانب السكني، أصبحت كثير من الأسر المغتربة تواجه تحديات واضحة نتيجة استمرار ارتفاع الإيجارات، حيث اضطرت بعض هذه الأسر إلى الانتقال إلى مساكن أصغر أو إلى مناطق أبعد بحثًا عن إيجارات أقل، فيما لجأت أسر أخرى إلى مشاركة السكن داخل الوحدة الواحدة لتخفيف الأعباء المالية المتزايدة. وهذه التحولات لم تعد مجرد حلول فردية، بل انعكست على طبيعة بعض الأحياء السكنية، من حيث زيادة الكثافة داخل المباني، والضغط على المرافق المشتركة، وارتفاع أعداد المركبات، وتغير نمط الحياة داخل مناطق صممت أساسًا لاستقرار العائلات وهدوئها. ومن هنا فإن تعديل القانون ينبغي أن يتجه إلى وضع معايير واضحة وعادلة للزيادة السنوية، ترتبط بعمر العقار، ومستوى صيانته، والخدمات المتوفرة فيه، بحيث لا تبقى الزيادة مرتبطة فقط بحركة السوق المباشرة. كما أن ربط أي زيادة بتحسينات فعلية في المبنى أو المنطقة المحيطة به يحقق قدرًا أكبر من العدالة بين المؤجر والمستأجر، ويمنح العلاقة الإيجارية استقرارًا قانونيًا واقتصاديًا أفضل. ومن التجارب الناجحة التي يمكن الاستفادة منها كذلك تشجيع العقود طويلة الأمد الممتدة لثلاث أو خمس سنوات، لأنها تمنح المستأجر استقرارًا ماليًا واضحًا، وفي الوقت نفسه تحقق للمؤجر عائدًا ثابتًا وواضحًا، وهو ما يحد من التذبذب السنوي المفاجئ ويمنح السوق العقاري درجة أعلى من الاستقرار. ومن الأسباب التي تجعل تعديل قانون الإيجارات اليوم ضرورة وطنية أن السوق العقاري دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة اتسمت بتوسع الاستثمار العقاري وتنامي التملك في عدد من المناطق، إضافة إلى دخول رؤوس أموال جديدة إلى هذا القطاع، وهو ما عزز حركة البناء والتطوير، لكنه في الوقت نفسه فرض الحاجة إلى أدوات تنظيمية أكثر دقة حتى لا تتحول وفرة الاستثمار إلى عبء إضافي على المستأجرين. فكلما توسعت المشاريع العقارية وارتفعت قيمة الأراضي والمباني ازدادت التوقعات الاستثمارية للعائد، وهو أمر مفهوم اقتصاديًا، إلا أن غياب الضوابط المتوازنة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين القيمة الحقيقية للعقار والقدرة الفعلية للأسر وأصحاب الأعمال على تحمل الإيجار. كما أن التوسع في المشاريع السكنية الاقتصادية الموجهة للفئات المتوسطة أصبح ضرورة موازية لأي تعديل قانوني، لأن زيادة المعروض المناسب تمثل جزءًا أساسيًا من إعادة التوازن إلى السوق، إلى جانب تطوير مناطق تجارية بإيجارات مدروسة تدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتمنحها فرصًا أكبر للاستمرار. ومن المهم كذلك النظر إلى أن استقرار الإيجارات لا يرتبط فقط بالجانب الاقتصادي، بل ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الأسري والاجتماعي، لأن السكن المستقر يمثل أحد العناصر الأساسية في شعور الأسرة بالأمان، وكلما كانت العلاقة الإيجارية واضحة وعادلة، تراجعت الضغوط التي قد تدفع الأسر إلى الانتقال المتكرر أو تغيير نمط حياتها بصورة مستمرة. كما أن استقرار الأنشطة التجارية الصغيرة والمتوسطة يرتبط أيضًا باستقرار الإيجارات، لأن كثيرًا من هذه المشاريع تمثل مصدر دخل رئيسيًا لأصحابها وتسهم في تنشيط السوق المحلي وتوفير الخدمات داخل الأحياء والمناطق المختلفة. إن نجاح أي تعديل تشريعي في ملف الإيجارات لن يقاس فقط بالنصوص القانونية، بل بقدرته على تحقيق أثر عملي ينعكس على استقرار السوق وطمأنة المجتمع معًا، لأن التوازن المطلوب اليوم ليس بين مؤجر ومستأجر فقط، بل بين حماية الاستثمار العقاري بوصفه قطاعًا اقتصاديًا مهمًا، وبين ضمان بيئة معيشية وتجارية مستقرة تدعم التنمية وتواكب المرحلة المقبلة. وكلما جاء التعديل منسجمًا مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي، أصبح القانون أداة استقرار حقيقية تدعم الثقة في السوق وتمنح جميع الأطراف وضوحًا أكبر في الحقوق والالتزامات.

261

| 07 أبريل 2026

قطر والطاقة العالمية... من التصدير إلى صناعة النفوذ

في وقت يشهد فيه العالم تحولات متسارعة في أسواق الطاقة، جاء إعلان قطر للطاقة عن بدء أول إنتاج للغاز الطبيعي المسال من مشروع غولدن باس في ولاية تكساس الأمريكية ليؤكد أن الحضور القطري في قطاع الطاقة لم يعد مرتبطًا فقط بالإنتاج المحلي أو التصدير التقليدي، بل دخل مرحلة أكثر اتساعًا، تقوم على بناء مواقع إنتاج مؤثرة داخل أهم المراكز الاقتصادية العالمية. فهذا المشروع لا يمثل مجرد توسع استثماري جديد، بل يعكس رؤية اقتصادية بعيدة المدى تقوم على أن الثروة الطبيعية لا تُقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو الصادرات، وإنما بقدرة الدولة على تحويل مواردها إلى أدوات تأثير مستدامة في الأسواق الدولية، وهو ما نجحت فيه دولة قطر خلال السنوات الأخيرة عبر شبكة واسعة من الاستثمارات الاستراتيجية. لقد استطاعت دولة قطر، بقيادة وتوجيهات حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله، أن تجعل من الاستثمار الخارجي أحد أعمدة القوة الاقتصادية الوطنية، وأن تربط بين العائدات الناتجة عن قطاع الطاقة وبين بناء حضور مباشر في قطاعات حيوية داخل اقتصادات كبرى، بما يضمن للدولة امتدادًا اقتصاديًا يتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية. ومن هنا يأتي مشروع غولدن باس بوصفه نموذجًا واضحًا لهذا التوجه؛ فهو مشروع مشترك مع شركة إكسون موبيل، وتمتلك قطر فيه نسبة 70% مقابل 30% للشريك الأمريكي، بينما تبلغ طاقته الإنتاجية الإجمالية 18 مليون طن سنويًا موزعة على ثلاثة خطوط إنتاج، بطاقة تقارب 6 ملايين طن لكل خط، وقد بدأ تشغيل الخط الأول فعليًا تمهيدًا لتصدير أولى الشحنات خلال الربع الثاني من العام الحالي. إن أهمية المشروع لا تكمن فقط في حجم الطاقة الإنتاجية، بل في موقعه أيضًا؛ إذ يمنح دولة قطر وجودًا مباشرًا داخل السوق الأمريكية، وهي واحدة من أكثر البيئات الصناعية تأثيرًا في العالم، ما يجعل هذا الاستثمار جزءًا من بناء شبكة حضور اقتصادي في قلب أسواق القرار العالمي. كما أن وجود إنتاج قطري داخل الولايات المتحدة يعكس قراءة دقيقة للتحولات الدولية، حيث أصبحت الطاقة اليوم عنصرًا رئيسيًا في تحديد العلاقات الاقتصادية، ولم تعد الأسواق تبحث فقط عن المنتج، بل عن الشريك القادر على ضمان الاستقرار والاستمرارية. ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذا المشروع يمنح دولة قطر مرونة كبيرة في إدارة حضورها العالمي، لأن تعدد مراكز الإنتاج يقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد الكامل على جغرافيا واحدة، ويمنح الدولة قدرة أكبر على التعامل مع أي تقلبات مرتبطة بالممرات البحرية أو بالتوترات الإقليمية. وفي عالم تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد بصورة متزايدة، فإن امتلاك منشآت إنتاجية خارجية لم يعد مجرد خيار استثماري، بل أصبح عنصرًا من عناصر الأمن الاقتصادي طويل المدى. كما أن المشروع يعكس نجاح السياسة القطرية في تحويل الفائض الاقتصادي الناتج عن الطاقة إلى أصول استراتيجية منتجة، فبدلًا من الاكتفاء بالعوائد المالية المباشرة، تم توجيه جزء من هذه الموارد نحو مشاريع تضمن للدولة حضورًا فعليًا داخل الاقتصادات الكبرى. واللافت أن هذا النجاح الخارجي يتزامن مع استمرار مشاريع التوسع الكبرى داخل قطر، وخاصة في قطاع الغاز، وهو ما يعكس توازنًا واضحًا بين بناء القوة الاقتصادية الوطنية وتعزيز الامتداد الخارجي. فالدولة لم تجعل من الاستثمار الخارجي بديلًا عن الداخل، بل جعلته امتدادًا له، بما يخلق منظومة اقتصادية أكثر قوة واستقرارًا وقدرة على التكيف مع المتغيرات. كما أن هذا النهج يمنح دولة قطر ميزة تنافسية واضحة في سوق الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا مع استمرار الطلب العالمي المتزايد على مصادر مستقرة للطاقة، سواء في أوروبا أو آسيا. ومن زاوية أخرى، فإن المشروع يعزز شبكة المصالح الاقتصادية المتبادلة بين دولة قطر والولايات المتحدة، ويضيف بعدًا استراتيجيًا للعلاقات الاقتصادية بين الجانبين، لأن قطاع الطاقة يظل من أكثر القطاعات ارتباطًا بحسابات الاقتصاد العالمي. إن الانتقال من مجرد تصدير الغاز من الحقول الوطنية إلى المشاركة المباشرة في الإنتاج الخارجي يعكس مرحلة متقدمة من النضج الاقتصادي، حيث تصبح الدولة جزءًا من صناعة الطاقة عالميًا، لا مجرد مصدر لها. إن دولة قطر تمضي بثبات نحو ترسيخ مكانتها في الاقتصاد الدولي، عبر استثمارات مدروسة تجعل من الطاقة منصة لتعزيز الحضور العالمي، وتؤكد أن الدولة لا تبني قوتها الاقتصادية على الوفرة وحدها، بل على حسن إدارة الموارد وتحويلها إلى نفوذ مستدام يرسخ مكانتها في عالم سريع التغير.

222

| 05 أبريل 2026

الخليج بين كلفة الحرب وحق الشراكة في القرار

لم تعد الحرب الدائرة في المنطقة مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل تحولت إلى حدث يعيد تشكيل مفاهيم النفوذ والسيادة والمصالح الاقتصادية في الخليج. الجديد في هذه المرحلة أن دول الخليج، رغم أنها لم تدخل الحرب ولم تكن طرفاً في قرار إشعالها، أصبحت تتحمل جزءاً مباشراً من آثارها الاقتصادية والاستراتيجية، وكأن الجغرافيا وحدها فرضت عليها أن تكون شريكاً في الخسائر، حتى قبل أن تكون شريكاً في القرار. وهنا تظهر مفارقة سياسية لافتة؛ فالدول الكبرى حين تخوض صراعاتها تنظر عادة إلى الخرائط العسكرية، بينما تنظر دول الخليج إلى خرائط الموانئ والأسواق وخطوط الإمداد ومراكز الطاقة. ولذلك فإن الخسارة بالنسبة للخليج لا تُقاس فقط بما قد يقع من تهديد مباشر، بل بما يصيب حركة الاقتصاد من اضطراب وما يتسلل إلى الأسواق من قلق وما يتولد في الداخل من تساؤلات حول من يملك حق تقرير مستقبل هذه المنطقة. في الحروب السابقة كان الحديث يتركز على أمن الحدود، أما اليوم فالمعادلة أصبحت أوسع بكثير؛ لأن الأمن الحقيقي في الخليج بات يبدأ من أمن الممرات البحرية، ومن استقرار حركة السفن، ومن ضمان استمرار تدفق الطاقة، ومن بقاء الأسواق العالمية مطمئنة إلى أن الخليج ما زال قادراً على إدارة موقعه الحيوي وسط أكثر مناطق العالم توتراً. ومن هنا فإن مضيق هرمز لم يعد مجرد عنوان يتكرر في نشرات الأخبار كلما ارتفعت حدة التوتر، بل أصبح اختباراً سياسياً حقيقياً لفكرة الشراكة في القرار الإقليمي. فالمضيق الذي يمر عبره الجزء الأكبر من صادرات النفط والغاز الخليجية لم يعد قضية تخص الجغرافيا فقط، بل أصبح مرآة لمكانة الخليج في المعادلات الدولية. فإذا كان العالم كله يخشى تعطل الملاحة فيه، فمن الطبيعي أن يكون الخليج أول من يطالب بألا يُرسم مستقبله بعيداً عنه. الجديد الذي لم يكن مطروحاً بهذا الوضوح من قبل أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى المضيق فقط باعتباره ممر عبور، بل باعتباره امتداداً مباشراً لسيادتها الاقتصادية. وأي تفاوض دولي حول أمنه أو مستقبله دون حضور خليجي فعلي يعني عملياً أن المنطقة تدفع كلفة الحرب وتبقى خارج طاولة القرار، وهو أمر لم يعد مقبولاً في ظل النضج السياسي الذي وصلت إليه دول الخليج خلال العقود الأخيرة. الحرب الحالية أيضاً كشفت جانباً آخر أكثر عمقاً، وهو أن الاقتصاد الخليجي أصبح أكثر حساسية تجاه القرارات العسكرية الخارجية. ففي كل مرة تتصاعد فيها لغة التهديد، ترتفع تكاليف التأمين البحري، وتُعاد حسابات الشحن، وتتحرك الأسواق وفق احتمالات الخطر، حتى لو لم تقع مواجهة مباشرة في المياه الخليجية نفسها. وهذا يعني أن الخليج يدفع يومياً ضريبة التوتر حتى عندما يلتزم الحياد. لكن اللافت أن هذا الواقع قد يفتح أمام الخليج فرصة تاريخية لإعادة صياغة دوره السياسي، لأن من يمتلك هذا الوزن الاقتصادي العالمي لا يمكن أن يبقى فقط متلقياً للقرارات. فالعالم يحتاج إلى استقرار الخليج أكثر مما يحتاج الخليج إلى التوتر المفروض عليه، وهذا يمنح دوله مساحة أكبر للمطالبة بدور سياسي يوازي وزنها الاقتصادي الحقيقي. ومن زاوية أخرى، فإن ما يجري اليوم يطرح سؤالاً مختلفاً: هل دخل الخليج مرحلة الدفاع عن حقه في أن يكون شريكاً في هندسة التوازن الإقليمي الجديد؟ لأن الحروب الكبرى غالباً لا تنتهي فقط بوقف إطلاق النار، بل تنتج ترتيبات سياسية جديدة، وإذا لم يكن الخليج حاضراً فيها منذ البداية، فقد يجد نفسه لاحقاً أمام نتائج تُفرض عليه كما فُرضت عليه كلفة الحرب نفسها. ولهذا فإن القضية لم تعد فقط حماية منشآت أو تأمين موانئ، بل حماية مفهوم أوسع هو حق الخليج في أن يكون جزءاً من تعريف المستقبل السياسي للمنطقة. فالدول التي تتحمل آثار الحرب لا يمكن أن تُعامل كأنها هامش جغرافي، بل يجب أن تُعامل باعتبارها ركناً أساسياً في أي تصور للاستقرار المقبل. كما أن التجربة أثبتت أن الحروب حين تطول، فإن من يربح فعلياً ليس الطرف الأكثر إطلاقاً للنار، بل الطرف الأكثر قدرة على حماية اقتصاده ومكانته وقراره السيادي. والخليج اليوم يمتلك هذه القدرة إذا أحسن تحويل موقعه الاقتصادي إلى حضور سياسي مؤثر، وقد تكون أهم نتيجة غير معلنة لهذه الحرب أنها دفعت الخليج إلى مرحلة جديدة من التفكير: مرحلة لم يعد فيها السؤال كيف نحمي أنفسنا فقط، بل كيف نمنع أن يُعاد رسم مستقبلنا بعيداً عنا. وهذه الزاوية بالذات ربما تكون هي العنوان الحقيقي للمرحلة المقبلة، لأن من يملك شريان الطاقة العالمي يجب أن يملك أيضاً حق المشاركة في رسم خرائط الاستقرار القادمة.

306

| 01 أبريل 2026

دول الخليج والمنظومة الجديدة للدفاع

يمكن النظر إلى المرحلة الراهنة باعتبارها نقطة تحول استراتيجية في مفهوم الأمن الخليجي، لأن التحديات التي فرضتها البيئة الإقليمية لم تعد تشبه ما عرفته المنطقة في العقود الماضية. فمصادر التهديد تغيرت، وأدوات التأثير توسعت، وأصبح من الواضح أن أي قراءة تقليدية لمفهوم الدفاع لم تعد كافية أمام تطور الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية التي يمكن أن تستهدف المنشآت الحيوية خلال دقائق معدودة. إن المنظومة الجديدة للدفاع لا تقوم فقط على امتلاك أنظمة اعتراض حديثة، بل على بناء شبكة مترابطة من القدرات تبدأ من الإنذار المبكر، وتمر بتحليل المعلومات، وتنتهي بسرعة القرار الميداني. ولهذا فإن بناء مركز خليجي متكامل لتبادل المعلومات الدفاعية قد يصبح في المرحلة المقبلة ضرورة لا تقل أهمية عن امتلاك السلاح نفسه، لأن سرعة تبادل المعلومة أصبحت في الحروب الحديثة جزءاً من عنصر الحسم. كما أن التجارب الأخيرة أثبتت أن المنشآت الاقتصادية لم تعد بعيدة عن دائرة التهديد، ولذلك فإن حماية حقول الطاقة، ومحطات الكهرباء، وشبكات المياه، والموانئ، والمطارات، أصبحت جزءاً أساسياً من مفهوم الدفاع الوطني. فالخطر لم يعد موجهاً فقط إلى المواقع العسكرية، بل إلى مفاصل الاقتصاد التي تقوم عليها الحياة اليومية والاستقرار الاجتماعي. وفي هذا الإطار، فإن الصناعات الدفاعية المحلية ستأخذ أهمية أكبر خلال السنوات المقبلة، لأن امتلاك القدرة على الصيانة والتطوير والتحديث داخل المنطقة يمنح مرونة عالية في التعامل مع الظروف الطارئة. كما أن هذه الصناعات تفتح الباب أمام إعداد كوادر وطنية تمتلك المعرفة الفنية الدقيقة، وهو ما تحتاجه أي منظومة دفاعية حديثة. ومن الجانب السياسي، فإن المنظومة الجديدة للدفاع تفرض أيضاً قدراً أعلى من التنسيق الخليجي، لأن طبيعة المخاطر لم تعد تسمح بتأخر القرار المشترك عند وقوع أي تطور مفاجئ. فالأمن في الخليج أصبح مترابطاً، وأي استهداف لمنشأة في دولة واحدة ينعكس أثره على بقية الدول بحكم الترابط الاقتصادي والجغرافي. كما أن الأمن البحري سيظل ركناً رئيسياً في هذه المنظومة، لأن استقرار الملاحة في الخليج ومضيق هرمز يرتبط مباشرة بحركة الطاقة العالمية والتجارة الدولية. ولهذا فإن حماية الممرات البحرية تحتاج إلى حضور دائم، وقدرات مراقبة متقدمة، وتنسيق مستمر مع الشركاء الإقليميين والدوليين. ومن الجوانب التي تفرض نفسها بقوة أيضاً الأمن السيبراني، لأن الحروب الحديثة قد تبدأ بشلل إلكتروني قبل أي تحرك عسكري مباشر. ولذلك فإن حماية الأنظمة الرقمية للمؤسسات الحيوية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني. وفي المرحلة المقبلة، قد تتجه دول الخليج إلى توسيع مفهوم الدفاع ليشمل الأمن الغذائي والدوائي، لأن الحروب الحديثة لا تستهدف فقط المجال العسكري، بل قد تستخدم أدوات الضغط الاقتصادي وسلاسل الإمداد لتعطيل الحياة اليومية. ولهذا فإن بناء مخزون إستراتيجي مستدام من المواد الأساسية أصبح جزءاً من التفكير الدفاعي الحديث. كما أن التدريب المشترك بين المؤسسات العسكرية والمدنية سيأخذ أهمية أكبر، لأن إدارة الأزمات الحديثة تتطلب جاهزية شاملة تشمل مختلف القطاعات. فالمطارات، والموانئ، وشبكات الاتصالات، والمؤسسات الصحية، جميعها أصبحت تدخل ضمن دائرة الأمن الوطني في الظروف الاستثنائية. وتبقى المسألة الأهم أن دول الخليج أصبحت تدرك أن التحديات المقبلة قد لا تمنح وقتاً طويلاً لاتخاذ القرار، ولذلك فإن الاستثمار في العنصر البشري والتخطيط المسبق والتدريب المشترك سيكون هو الأساس الحقيقي لأي منظومة دفاعية ناجحة. فالقوة الحديثة لا تُقاس فقط بحجم ما يُمتلك من معدات، بل بقدرة هذه المعدات على العمل ضمن رؤية موحدة واستجابة دقيقة. إن المتغيرات التي تعيشها المنطقة اليوم لم تعد تسمح بالنظر إلى الأمن الخليجي باعتباره ملفاً مؤجلاً أو مرتبطاً بردود الفعل المؤقتة، لأن طبيعة التهديدات الحديثة تفرض بناء منظومة دفاعية قادرة على الاستجابة السريعة والعمل الوقائي قبل وقوع الخطر. فالخليج لم يعد أمام تحد عسكري فقط، بل أمام اختبار استراتيجي طويل يتطلب الجمع بين القوة والتخطيط والتنسيق والاعتماد على القدرات الذاتية. وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، فإن نجاح دول الخليج في بناء هذه المنظومة الجديدة لن يكون فقط ضمانة لحماية حدودها ومنشآتها، بل سيشكل أيضاً ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد الإقليمي وحماية المصالح الدولية المرتبطة بهذه المنطقة الحيوية. ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة انتقال حقيقي من مفهوم الدفاع التقليدي إلى مفهوم الأمن الشامل الذي يجمع بين الردع، والجاهزية، والرؤية الموحدة للمستقبل.

213

| 30 مارس 2026

توازن التهدئة وفرص السلام

برغم التحذيرات المبكرة التي صدرت عن دول مجلس التعاون الخليجي إلى أمريكا من مخاطر الانخراط العسكري المباشر إلى جانب إسرائيل في الحرب ضد إيران، فإن مسار الأحداث اتجه نحو التصعيد العسكري الذي تجاوز في آثاره الحسابات الأولية التي قيل إن الحرب قامت لأجلها. فقد كان التبرير المعلن يتمثل في السعي إلى تقليص الترسانة الصاروخية الإيرانية، ووقف مسار تخصيب اليورانيوم، ومنع طهران من بلوغ مرحلة امتلاك قدرة نووية عسكرية، في ظل مخاوف متزايدة من تغير موازين القوة الإقليمية. غير أن القراءة الأوسع للمشهد تكشف أن الحرب سرعان ما تجاوزت هذه الأهداف المعلنة، لتدخل في مسارات أكثر تعقيدًا ترتبط بمستقبل النفوذ في المنطقة وبإعادة رسم موازين السيطرة في الشرق الأوسط. فمنذ الضربة الأولى، التي استهدفت قيادات بارزة ومراكز عسكرية وقواعد صاروخية، كان واضحًا أن الرهان يقوم على إضعاف البنية العسكرية الإيرانية بسرعة، ودفع الداخل الإيراني إلى حالة ارتباك واسعة تقلل من قدرة الرد. إلا أن ما جرى لاحقًا أظهر أن الأهداف الرئيسية للحرب لم تتحقق بالصورة التي رُسمت لها، إذ استمرت القدرات الإيرانية في الرد، واتسعت دائرة المواجهة بدلًا من انحسارها. إن ما تكشفه تطورات الحرب الحالية هو أن التقديرات التي بُنيت عليها بعض التصريحات السابقة بشأن إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية لم تكن دقيقة بالقدر الكافي، لأن الواقع الميداني يثبت أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات عسكرية فاعلة تمكنها من مواصلة الرد وإدارة المواجهة بوتيرة لم تتراجع حتى الآن. وفي المقابل، فإن إيران منذ تولي النظام الحكم فيها قبل نحو سبعة وثلاثين عامًا، اتجهت بصورة واضحة إلى إعطاء أولوية كبيرة لتعزيز جانبها العسكري، فجعلت من بناء القدرات الدفاعية والصاروخية والنووية محورًا أساسيًا في سياساتها الإستراتيجية، مستفيدة من تعاون واسع مع روسيا والصين وكوريا الشمالية وأطراف أخرى في نقل التقنيات والتسليح، في حين لم يحظَ تطوير البنية التحتية المدنية بالمستوى نفسه من الاهتمام.، واستفادت إيران من طبيعتها الجغرافية، ولا سيما المناطق الجبلية الواسعة، في بناء جزء مهم من بنيتها العسكرية داخل عمق الجبال وتحتها، حيث أقيمت منشآت عسكرية ومواقع مرتبطة بالقدرات الصاروخية والنووية في مواقع يصعب الوصول إليها بسهولة، وبعضها يقع على أعماق كبيرة تحت سطح الأرض، وهو ما وفر لها درجة عالية من الحماية أمام الضربات الجوية التقليدية وحتى أمام أنواع متطورة من القنابل الخارقة للتحصينات. وهذا يفسر لماذا لم تؤدِ الضربات الأولى في الحرب الحالية إلى إنهاء القدرة الإيرانية بالصورة التي كان يُعتقد أنها ستتحقق سريعًا، كما يفسر استمرار إطلاق الصواريخ والقدرات الهجومية بوتيرة تؤكد أن جزءًا مهمًا من البنية العسكرية ما زال قائمًا. فالتصريحات الأمريكية التي قيلت سابقاً القضاء الكامل على البنية العسكرية النووية والصاروخية الإيرانية لم تؤكدها التطورات اللاحقة، بل جاءت الوقائع الميدانية لتبين أن إيران ما زالت قادرة على إدارة الحرب بقوة عسكرية مستمرة، وأن قدرتها على الرد ما زالت حاضرة، بل إن بعض المؤشرات تدل على أن وتيرة الرد أخذت تتصاعد مع مرور الوقت، وهو ما ظهر في استمرار الضربات الموجهة نحو إسرائيل. ورغم أن دول الخليج سعت منذ البداية إلى تحييد أراضيها عن أي استخدام عسكري مباشر، لتفادي إعطاء أي ذريعة لفتح جبهة جديدة في المنطقة ومع استمرار الحرب، لم تعد المواجهة مقتصرة على الجانب العسكري، بل دخلت في طور جديد تمثل في استهداف المنشآت الاقتصادية والبنية المدنية لدول الخليج في اعتداء سافر يتجاوز كل القوانين ومبادئ حسن الجوار. فقد بدأت إسرائيل باستهداف منشآت الطاقة داخل إيران، وهو ما فتح الباب أمام رد اقتصادي مضاد، حين امتدت الضربات الإيرانية إلى منشآت حيوية في المنطقة، وكان من أبرزها استهداف حقل الشمال في دولة قطر، وهو تطور نقل المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة، لأن استهداف الطاقة لم يعد يهدد طرفًا بعينه، بل ينعكس مباشرة على مصالح الدول وشعوبها وعلى الأسواق العالمية وعلى استقرار المنطقة بأكملها. ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، بدا واضحًا أن استمرار العمليات العسكرية لم يعد مرتبطًا فقط بتحقيق الأهداف الأولى المعلنة، لأن تدمير كامل البنية العسكرية الإيرانية لم يتحقق، كما أن تغيير موازين القوة لم يُحسم، وهو ما يطرح السؤال الأساسي: إذا لم تصل الحرب إلى غايتها المعلنة، فلماذا يستمر القتال؟ الجواب الأقرب أن الحرب تجاوزت مسألة البرنامج النووي وحده، وأصبحت مرتبطة أيضًا بمنع تشكل معادلة إقليمية جديدة ترى فيها إسرائيل نفسها الطرف العسكري الأوحد القادر على فرض التوازن في الشرق الأوسط. فإسرائيل تنظر إلى أي قوة إقليمية صاعدة باعتبارها تحديًا مباشرًا لمعادلة التفوق التي تحرص على استمرارها. ومن هنا بدأت دول مجلس التعاون تنظر إلى أن الأولوية لم تعد في متابعة مسار الحرب، بل في البحث عن مخرج يوقف هذا النزيف المدمر قبل أن يتوسع أكثر. فالمنطقة لم تعد تحتمل استمرار ضرب منشآت الطاقة والممرات البحرية والمنشآت المدنية، لأن الخطر لم يعد سياسيًا فقط، بل اقتصادي وأمني وبيئي أيضًا. ولهذا يجب أن توقف أمريكا الحرب كما شاركت في بدايتها، وأن تمارس ضغطًا مباشرًا على إسرائيل لوقف هجماتها، لأن واشنطن تظل الطرف الأكثر قدرة على التأثير في القرار الإسرائيلي. وفي المقابل، فإن القوى الإقليمية والدولية، عليها أن تمارس ضغطًا سياسيًا متوازنًا على إيران لوقف الردود العسكرية وعدم توسيع دائرة المواجهة، والعودة إلى طاولة المفاوضات من جديد لإيجاد حل إيجابي لجميع الأطراف المتحاربة وضمان الاستقرار السلمي للمنطقة فالمعادلة اليوم لم تعد تحتمل منطق الغلبة العسكرية، لأن كل يوم إضافي من الحرب يضيف خسائر جديدة دون أن يحقق حسمًا حقيقيًا لأي طرف.

402

| 24 مارس 2026

جنودنا المرابطون.. درع الوطن في زمن الحرب

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه خرائط التوتر يومًا بعد يوم، تبقى التحية الصادقة والتقدير العميق موجهة إلى جنودنا الابطال المرابطين، أولئك الذين يقفون على أهبة الجاهزية لحماية الوطن وصون أمنه واستقراره. فمع اشتداد الحرب الجارية اليوم بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، أصبحت المنطقة كلها أمام مرحلة غير مسبوقة من القلق، حيث لم تعد المواجهة محصورة داخل حدود طرف واحد، بل امتدت آثارها إلى محيط الخليج بأكمله. لقد بدأت الحرب بضربات استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حساسة داخل إيران، غير أن أخطر تحول فيها كان انتقالها سريعًا إلى قطاع الطاقة، حين امتد الرد الإيراني ليطول منشآت حيوية في الخليج. وفي هذا السياق برز الهجوم الذي استهدف حقل الشمال في قطر بوصفه تطورًا بالغ الحساسية، ويُعد حقل الشمال أكبر حقل غاز طبيعي في العالم وأحد أهم ركائز الاقتصاد القطري ومصدرًا رئيسيًا لإمدادات الغاز العالمية، ولذلك فإن أي استهداف له لا يمثل اعتداءً سافرا على منشأة اقتصادية فحسب، بل يحمل تداعيات مباشرة على أمن الطاقة العالمي وعلى استقرار الأسواق الدولية. ومع هذا التطور، جاء الرد الإيراني سريعًا، حيث اتجهت الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو منشآت الطاقة في الخليج، ووصل أثر ذلك إلى منشآت حيوية في قطر، كما طالت التهديدات والضربات مرافق في دول خليجية أخرى، في تطور أكد أن الحرب دخلت مرحلة لم تعد فيها البنية التحتية بمنأى عن الخطر. وفي دولة قطر، لم يكن ما جرى مجرد تطور عابر في سياق الحرب، بل حمل دلالة واضحة على أن الصراع الإقليمي بات يقترب من المصالح الحيوية المباشرة للدولة، خاصة عندما طال الاستهداف الغاشم أحد أهم مصادر الطاقة المرتبطة باقتصادنا الوطني. ولذلك أعاد هذا المشهد التذكير بحجم المسؤولية الوطنية الملقاة على المؤسسات الأمنية والعسكرية، لأن أي تهديد للبنية الاقتصادية أو الطاقة لا يمس الداخل الوطني فقط، بل يرتبط أيضًا بمكانة قطر في الاقتصاد العالمي، ومن هنا تتجدد قيمة الدور الذي يقوم به جنود الوطن، ليس فقط في الحماية الميدانية، بل في بث الطمأنينة بأن الدولة قادرة على إدارة المخاطر مهما تعقدت الظروف. أما بقية دول المجلس، فقد وجدت نفسها أمام واقع جديد؛ فالمملكة العربية السعودية واجهت محاولات استهداف لمنشآت نفطية، والإمارات تعرضت منشآت فيها لحالة استنفار دفاعي، فيما ارتفعت درجات التأهب في البحرين والكويت وسلطنة عمان، لأن التهديد لم يعد نظريًا بل أصبح جزءًا من الحسابات اليومية للأمن الخليجي. إن أخطر ما في هذه الحرب أنها نقلت الصراع من المجال العسكري التقليدي إلى المجال الاقتصادي المباشر، حيث أصبحت الطاقة هدفًا، والموانئ هدفًا، والملاحة البحرية هدفًا، ومضيق هرمز نفسه تحت ضغط متواصل، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكلفة التأمين البحري، وخلق حالة من القلق العالمي تجاه استمرارية الإمدادات. كما أن الآثار السلبية للحرب لا تقف عند الاقتصاد فقط، بل تمتد إلى البيئة والأمن الغذائي، لأن أي استهداف لمنشآت الطاقة أو محطات التحلية أو البنية الساحلية قد ينعكس مباشرة على المياه والهواء والخدمات الأساسية، وهو ما يجعل استمرار الحرب خطرًا متعدد الأبعاد لا يقتصر على طرف دون آخر. وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال مشروع: أين دور الأمم المتحدة؟ وأين موقف مجلس الأمن الدولي من حرب بدأت تهدد الطاقة العالمية والسلم الإقليمي؟ فرغم صدور مواقف دولية تدعو إلى التهدئة، فإن الواقع الميداني ما زال يسبق التحركات السياسية، وما زالت الحاجة قائمة إلى تحرك أكثر فاعلية يمنع اتساع الصراع. ومن هنا، فإن أهمية الجندي المرابط تتجاوز البعد العسكري إلى البعد الوطني الأشمل؛ لأنه يقف في لحظة تاريخية تحتاج إلى وعي واستعداد وصبر، في وقت تتغير فيه التهديدات بسرعة. فحماية الوطن اليوم تعني حماية الأمن، والطاقة، والمرافق الحيوية، والثقة العامة. ولهذا فإن تهنئتنا لجنودنا المرابطين ليست مجرد كلمات تقدير، بل اعتراف بدورهم في مرحلة دقيقة تمر بها المنطقة، مرحلة تحتاج فيها الأوطان إلى رجال ثابتين في الميدان، يدركون أن أمن الداخل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية معقدة. إن تحية الجنود المرابطين اليوم ليست مجرد تقدير لواجبهم العسكري، بل هي تقدير لدورهم في حماية وطن يقف وسط واحدة من أخطر التحولات الإقليمية، حيث أصبحت يقظة الجندي جزءًا من حماية الاستقرار الوطني في زمن تتسارع فيه المتغيرات. فالتحية لهم، وهم يسهرون ليبقى الوطن مطمئنًا، والتحية لكل يد تعمل بصمت لحماية الدولة، في وقت تتقاطع فيه السياسة مع الأمن، والحرب مع الاقتصاد، والخطر مع الأمل.

408

| 21 مارس 2026

الخليج بين العواصف الإقليمية

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات عميقة في موازين القوى، خصوصًا مع تصاعد الحروب والصراعات الإقليمية التي لم تعد تقتصر آثارها على حدود الدول المعنية بها، بل تمتد لتؤثر في استقرار المنطقة بأكملها. وفي ظل المواجهة الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى والاستهداف الايراني الغاشم لدول مجلس التعاون الخليجي، يبرز سؤال استراتيجي مهم: هل آن الأوان لدول مجلس التعاون الخليجي أن تعزز منظومتها الدفاعية عبر تشكيل قوة عسكرية مشتركة قادرة على حماية أمنها واستقرارها دون أن تكون طرفًا في صراعات الآخرين؟ لقد تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 في مرحلة إقليمية حساسة، وكان من أبرز أهدافه تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين الدول الأعضاء. ومنذ ذلك الوقت ظهرت عدة مبادرات لتعزيز هذا التعاون، أبرزها إنشاء قوات درع الجزيرة التي شكلت نواة للعمل العسكري الخليجي المشترك. غير أن التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، إضافة إلى التطور الكبير في طبيعة التهديدات العسكرية والتكنولوجية، تجعل من الضروري اليوم الانتقال إلى مستوى أعلى من التكامل الدفاعي بين دول المجلس. إن فكرة إنشاء قوة عسكرية خليجية مشتركة لا تعني إنشاء جيش موحد يلغي الجيوش الوطنية لكل دولة، بل تعني بناء منظومة دفاعية متكاملة تقوم على التنسيق والتخطيط المشترك وتبادل المعلومات والقدرات العسكرية. فالتحديات الأمنية الحديثة لم تعد تقليدية كما كانت في الماضي، بل أصبحت تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية وتهديدات الملاحة البحرية، وهي تحديات تتطلب استجابة جماعية تتجاوز قدرات أي دولة بمفردها. كما أن الموقع الجيوسياسي لدول مجلس التعاون الخليجي يمنحها أهمية استراتيجية استثنائية، فهي تقع في قلب منطقة تمثل شريانًا رئيسيًا للطاقة العالمية، وتشرف على ممرات بحرية حيوية في مقدمتها مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز إلى العالم. ولذلك فإن استقرار هذه المنطقة لا يمثل مصلحة خليجية فحسب، بل يمثل عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي. إن تشكيل قوة عسكرية خليجية مشتركة يمكن أن يسهم في تعزيز الردع الإقليمي ويمنح دول المجلس قدرة أكبر على حماية أمنها دون الحاجة إلى الاعتماد الكامل على القوى الخارجية. فالهدف من هذه القوة ليس الدخول في حروب أو الانخراط في صراعات إقليمية، بل حماية أمن دول المجلس ومنع أي تهديد قد يطال استقرارها أو يمس مصالحها الحيوية. وفي ظل الأزمات التي تمر بها المنطقة اليوم، يصبح من الضروري أن تمتلك دول مجلس التعاون قدرة دفاعية مشتركة تمكنها من حماية أمنها واستقرارها بعيدًا عن تداعيات الصراعات المحيطة بها. فدول الخليج أكدت مرارًا أنها ليست طرفًا في الحروب التي تشهدها المنطقة، وأن سياستها تقوم على التوازن والحفاظ على علاقات مستقرة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. كما أن التعاون العسكري الخليجي المشترك يمكن أن يسهم في رفع كفاءة استخدام الموارد الدفاعية، من خلال التكامل في مجالات التدريب والتسليح والتخطيط العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية. ففي عالم تتزايد فيه كلفة التكنولوجيا العسكرية، يصبح العمل الجماعي خيارًا استراتيجيًا يحقق الكفاءة ويعزز القدرة الدفاعية في الوقت نفسه. ومن المهم التأكيد أن أي قوة عسكرية خليجية مشتركة يجب أن تقوم على مبدأ الدفاع المشترك وحماية الاستقرار الإقليمي، لا على الانخراط في محاور أو صراعات مع أي طرف. فسياسة دول مجلس التعاون عبر العقود الماضية قامت على التوازن والانفتاح وبناء العلاقات مع مختلف القوى الدولية، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة الخليج كمنطقة استقرار نسبي في محيط إقليمي مضطرب. اليوم، ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تتزايد الحاجة إلى رؤية خليجية مشتركة للأمن والدفاع، رؤية تقوم على التكامل لا التنافس، وعلى التعاون لا الانفراد. فالأمن في عالم اليوم لم يعد مسألة وطنية خالصة، بل أصبح منظومة إقليمية متكاملة تتطلب تنسيقًا دائمًا واستعدادًا مشتركًا لمواجهة التحديات. إن إنشاء قوة عسكرية خليجية مشتركة قد لا يكون مجرد خيار سياسي، بل قد يصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة القادمة. فالدول التي تبني أمنها على التعاون والتكامل تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وحماية استقرارها. ويبقى السؤال المطروح أمام دول مجلس التعاون الخليجي: هل حان الوقت للانتقال من مرحلة التنسيق الدفاعي إلى مرحلة القوة الخليجية المشتركة القادرة على حماية أمن المنطقة واستقرارها؟

234

| 18 مارس 2026

ما حك جلدك مثل ظفرك...

يقول المثل العربي: «ما حكَّ جلدك مثل ظفرك»، وهو مثل يعكس حقيقةً سياسية أثبتتها تجارب التاريخ مراراً، وهي أن الدول التي تعتمد في حماية أمنها وسيادتها على قوى خارجية قد تكتشف في لحظات الأزمات أن تلك القوى تتحرك وفق مصالحها الخاصة قبل أي التزامات أخرى. وقد جاءت الحرب القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لتضع دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار حقيقي لطبيعة التوازنات الأمنية في المنطقة. فمنذ اندلاع هذه المواجهة، حرصت دول المجلس على تبني سياسة الحياد وعدم الانجرار إلى الصراع، إدراكاً منها لخطورة تحول أراضيها إلى ساحة مواجهة بين قوى كبرى. ولهذا اتخذت بعض الدول إجراءات احترازية كان من أبرزها إخلاء القواعد الأمريكية من بعض المعدات والأفراد حتى لا تتحول هذه القواعد إلى أهداف عسكرية مباشرة أو إلى ذريعة تستخدمها الأطراف المتحاربة لتوسيع رقعة الحرب. لكن المفاجأة التي كشفتها تطورات الأحداث أن هذه الخطوات الاحترازية لم تمنع امتداد خطر الحرب إلى المنطقة، فقد تعرضت بعض المواقع وهي خالية من القوات، لضربات إيرانية في رسالة سياسية وعسكرية واضحة. وبدلاً من أن تتجه واشنطن إلى تعزيز مظلة الحماية الأمنية لدول الخليج في هذه المرحلة الحساسة، بدا أن الأولوية العسكرية الأمريكية اتجهت بشكل واضح إلى دعم إسرائيل في حربها، سواء من خلال نقل بعض الإمكانات العسكرية من المنطقة، أو عبر تزويدها بالسلاح والذخائر والتقنيات العسكرية المتطورة، إضافة إلى الدعم اللوجستي والاستخباراتي. هذا الواقع أوجد مفارقة لافتة، إذ بدت دول مجلس التعاون وكأنها تحافظ على الاستقرار الإقليمي الذي يخدم المصالح الأمريكية، بينما تتركز القوة العسكرية الأمريكية في جبهة أخرى. وبذلك تحولت المعادلة، ولو مؤقتاً، إلى وضع تبدو فيه دول الخليج وكأنها هي التي تحمي المصالح الأمريكية في المنطقة عبر الحفاظ على الاستقرار ومنع توسع الحرب، في حين تُوجَّه الإمكانات العسكرية الأمريكية إلى مسار الصراع الرئيسي. إن هذا المشهد يعيد إلى الأذهان حقيقة طالما تكررت في العلاقات الدولية، وهي أن الدول الكبرى لا تمتلك حلفاء دائمين بقدر ما تمتلك مصالح دائمة. وقد عبّر عن هذه الحقيقة أكثر من مسؤول أمريكي في مناسبات مختلفة عندما أشار إلى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تقوم أساساً على حماية المصالح الاستراتيجية قبل أي اعتبارات أخرى. ومن هنا يمكن القول إن ما حدث خلال هذه الأزمة يمثل درساً استراتيجياً مهماً لدول مجلس التعاون الخليجي. فالاتفاقيات الدفاعية والتحالفات الدولية قد توفر قدراً من الدعم أو الردع، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً كاملاً عن امتلاك القدرة الذاتية على حماية السيادة الوطنية. لقد أثبتت تجارب التاريخ أن الدول التي نجحت في حماية أمنها واستقرارها هي تلك التي بنت قوتها الدفاعية بنفسها، وامتلكت القدرة على الردع المستقل، حتى وهي تحافظ في الوقت نفسه على علاقات وتحالفات دولية متوازنة. ودول مجلس التعاون الخليجي تمتلك اليوم من المقومات ما يجعلها قادرة على تحقيق ذلك. فهي تمتلك اقتصادات قوية وموارد مالية ضخمة وموقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية في قلب العالم، إضافة إلى بنية تحتية عسكرية متطورة وخبرات متراكمة في مجالات الدفاع والأمن. لكن هذه المقومات تحتاج إلى أن تتحول إلى مشروع استراتيجي خليجي مشترك، يقوم على تعزيز التكامل العسكري والأمني بين دول المجلس. ومن هنا تبرز الحاجة إلى خطوات عملية قد يكون من أهمها تطوير منظومة الدفاع الخليجي المشترك، بحيث لا تظل فكرة التعاون الدفاعي مجرد إطار نظري، بل تتحول إلى قوة ردع حقيقية قادرة على حماية المنطقة. ويمكن أن يشمل ذلك إنشاء قيادة عسكرية خليجية موحدة قادرة على إدارة الأزمات واتخاذ القرار الدفاعي المشترك، إضافة إلى بناء منظومة دفاع جوي وصاروخي خليجية متكاملة تغطي كامل المجال الجوي لدول المجلس وتعمل بتنسيق كامل بين الجيوش الخليجية. كما أن تطوير الصناعات العسكرية الخليجية قد يشكل خطوة مهمة لتقليل الاعتماد الكامل على استيراد السلاح من الخارج، خصوصاً في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا العسكرية عاملاً حاسماً في ميزان القوة. إن الهدف من بناء هذه القوة المشتركة لا يعني السعي إلى التصعيد أو الدخول في سباقات تسلح، بل يهدف أساساً إلى تحقيق الردع وحماية السيادة الوطنية ومنع أي طرف من التفكير في تهديد أمن المنطقة. كما أن وجود قوة خليجية متماسكة قد يسهم أيضاً في تعزيز الاستقرار الإقليمي، لأن التوازن في القوة غالباً ما يكون عاملاً رئيسياً في منع الحروب وليس إشعالها. وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، سواء على مستوى النظام الدولي أو موازين القوى في الشرق الأوسط، فإن المرحلة المقبلة قد تفرض على دول مجلس التعاون أن تنتقل من دور المتأثر بالتحولات الدولية إلى دور الفاعل في صياغتها. فدول الخليج ليست مجرد منطقة غنية بالطاقة أو موقعاً جغرافياً مهماً فحسب، بل هي أيضاً كتلة اقتصادية وسياسية قادرة على التأثير في معادلات المنطقة إذا ما توحدت رؤيتها الاستراتيجية. ولهذا فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الأزمة هو أن الأمن الحقيقي لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى من الداخل عبر وحدة الصف وتكامل القدرات. وإذا استطاعت دول مجلس التعاون الخليجي أن تتجاوز خلافاتها الثانوية وتعمل بروح الشراكة الاستراتيجية، فإنها ستكون قادرة ليس فقط على حماية سيادتها، بل أيضاً على فرض حضورها كقوة إقليمية مؤثرة في مستقبل الشرق الأوسط. ففي عالم تحكمه المصالح والتوازنات، تبقى الحقيقة الثابتة أن الدول التي تمتلك القدرة على حماية نفسها هي وحدها التي تستطيع حماية مصالحها ومستقبلها.

477

| 17 مارس 2026

أسبوع على الحرب.. هل يتشكل شرق أوسط جديد؟

مرّ أسبوع على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وهو أسبوع لم يكن عادياً في تاريخ المنطقة، بل كشف عن لحظة تحول قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة. فالحروب الكبرى في هذه المنطقة لا تقاس بعدد أيامها، بل بما تتركه من آثار استراتيجية قد تغيّر موازين القوى الإقليمية والدولية. منذ الضربات الأولى بدا واضحاً أن الهدف العسكري المباشر تمثل في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً تلك المرتبطة بالبرنامج النووي والصاروخي. وقد اعتمدت الضربات على التفوق العسكري والتكنولوجي في محاولة لإحداث صدمة استراتيجية تقلل من قدرة إيران على الرد أو على إطالة أمد المواجهة. فالقوة العسكرية المستخدمة في الأيام الأولى حملت رسالة واضحة مفادها أن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى إعادة رسم قواعد الردع في المنطقة. غير أن أخطر ما كشفه الأسبوع الأول من الحرب هو تعمد إيران توسيع دائرة الصراع باستهداف جيرانها بحجة أن صواريخها لاتصل إلى الأراضي الأمريكية ولتشمل مناطق أخرى في الشرق الأوسط، خصوصاً منطقة الخليج العربي التي تمثل القلب الاقتصادي للطاقة في العالم. فهذه المنطقة ليست مجرد ساحة قريبة من الحرب، بل هي شريان حيوي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية. وهنا يبرز مضيق هرمز بوصفه إحدى أكثر النقاط حساسية في هذه المواجهة. فإغلاق هذا المضيق أو تعطيل الملاحة فيه – ولو لفترة قصيرة – قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة. فجزء كبير من تجارة النفط البحرية في العالم يمر عبر هذا الممر الحيوي، ما يعني أن أي تصعيد عسكري في محيطه قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة. ومن هنا تدرك دول مجلس التعاون الخليجي أن استقرار هذه المنطقة يمثل أولوية استراتيجية لا يمكن التفريط بها. ولذلك اتسم موقف هذه الدول بدرجة عالية من الحكمة والاتزان، حيث حرصت على تجنب الانجرار إلى دائرة الحرب، وفي الوقت ذاته عملت على حماية أمنها واستقرارها الوطني. لكن التطورات الأخيرة تركت أيضاً أثراً واضحاً في مستوى الثقة بين دول الخليج وإيران، خصوصاً بعد استهداف المنشآت أو المناطق المدنية بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة. فمثل هذه الأحداث تثير مخاوف حقيقية من أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية.وفي خضم هذه التطورات بدأ يظهر سؤال استراتيجي مهم: ما الذي يمكن أن يحدث بعد هذه الحرب؟ وهل نحن أمام مواجهة محدودة أم أمام مرحلة جديدة من التحولات الكبرى في الشرق الأوسط؟في هذا السياق يمكن تصور ثلاثة محاور رئيسية لمستقبل المنطقة بعد هذه الحرب. الأول يتمثل في احتمال حدوث تغييرات داخلية كبيرة في إيران قد تؤدي إلى إضعاف النظام السياسي القائم أو حتى تغييره. مثل هذا قد يحدث إذا استمرت الضغوط العسكرية والاقتصادية لفترة طويلة. غير أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الأنظمة التي تتعرض لضغوط خارجية قد تميل أحياناً إلى التماسك الداخلي بدلاً من الانهيار. أما الثاني فيتمثل في بقاء النظام الإيراني مع إضعاف قدراته العسكرية، خصوصاً فيما يتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي. وفي هذه الحالة قد تنتهي الحرب إلى نوع من التوازن الجديد في المنطقة، حيث تبقى إيران قوة إقليمية لكنها أقل قدرة على التأثير العسكري المباشر. أما الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في احتمال توسع الحرب لتتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة تشمل أطرافاً أخرى في الشرق الأوسط. مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية وإلى حالة من عدم الاستقرار قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. غير أن هناك تحليلاً آخر بدأ يظهر في بعض الأوساط السياسية، وهو أن هذه الحرب قد لا تكون مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. فبعض التحليلات ترى أن الهدف النهائي قد يتمثل في فرض نظام إقليمي جديد تصبح فيه إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في المنطقة، بينما تبقى الولايات المتحدة القوة الدولية المهيمنة على النظام العالمي. هذا التصور- إن صح- يعني أن المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة جديدة من التحولات الجيوسياسية التي قد تغيّر طبيعة التحالفات والتوازنات القائمة منذ عقود. غير أن مثل هذه المشاريع الكبرى غالباً ما تصطدم بواقع معقد من التوازنات الإقليمية والدولية التي تجعل من الصعب فرض نظام إقليمي جديد بالقوة العسكرية وحدها. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة دقيقة من تاريخه الحديث. فالقرارات التي ستتخذ في الأيام والأسابيع القادمة قد تحدد شكل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة لسنوات طويلة قادمة. إن المنطقة اليوم بحاجة إلى صوت العقل أكثر من أي وقت مضى، لأن الشرق الأوسط الذي عانى طويلاً من الصراعات لا يمكن أن يتحمل حرباً جديدة طويلة الأمد. ولذلك فإن الأمل يبقى معقوداً على أن تنجح الجهود السياسية والدبلوماسية في احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى صراع إقليمي واسع قد يعيد رسم خريطة المنطقة لعقود قادمة.

558

| 07 مارس 2026

شهر.. غلبَ سبعين عاماً
شهر.. غلبَ سبعين عاماً

سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات...

17628

| 16 يونيو 2026

الذهب.. متى يكون استثماراً ذكياً ومتى يتحول إلى خطأ مكلف؟
الذهب.. متى يكون استثماراً ذكياً ومتى يتحول إلى خطأ مكلف؟

مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر...

17247

| 20 يونيو 2026

العقار يمرض ولا يموت.. ولكن هل ما زال يحقق الثروة؟
العقار يمرض ولا يموت.. ولكن هل ما زال يحقق الثروة؟

تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار...

8523

| 14 يونيو 2026

العرب يخطفون الأضواء
العرب يخطفون الأضواء

في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية،...

4422

| 15 يونيو 2026

أين اختفى منتخب التصفيات؟
أين اختفى منتخب التصفيات؟

خمسة أهداف في شباك تونس، نتيجة قاسية تجاوزت...

2856

| 17 يونيو 2026

قطر وأخطر أزمة شهدها العالم
قطر وأخطر أزمة شهدها العالم

على مدار السنوات الماضية، وفي ظل الأزمات التي...

1611

| 16 يونيو 2026

الجغرافيا تستعيد أهميتها في الشرق الأوسط
الجغرافيا تستعيد أهميتها في الشرق الأوسط

كان يُعتقد لفترة طويلة أن انتشار الإنترنت وتوسع...

984

| 14 يونيو 2026

حين تتدرّب المدن لا المنتخبات فقط
حين تتدرّب المدن لا المنتخبات فقط

مع انطلاق كأس العالم 2026، لا يبدو المشهد...

681

| 14 يونيو 2026

ما الذي يبقى منّا؟
ما الذي يبقى منّا؟

في إحدى الأمسيات الشعرية القديمة، اقتربت مني شابة...

615

| 14 يونيو 2026

ما بعد التحول الرقمي: هل تُبرمج الخوارزميات عقول أبنائنا؟
ما بعد التحول الرقمي: هل تُبرمج الخوارزميات عقول أبنائنا؟

في أواخر القرن الثامن عشر، وبينما كان وباء...

612

| 17 يونيو 2026

كثر العطاء «يورث الحسايف»
كثر العطاء «يورث الحسايف»

لا يخلو أي إنسان من الكارهين، سواء كان...

522

| 15 يونيو 2026

من تجارب الحياة.. تجربة الفقد
من تجارب الحياة.. تجربة الفقد

الفكرة القائلة "لا تعرف قيمة ما تملك إلا...

516

| 18 يونيو 2026

أخبار محلية