رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

573

موزا محمد الكواري

لا تحاول إثبات أنك تستحق الحب؟

09 أغسطس 2026 , 11:08م

منذ طفولتنا، نتعلم بطريقة أو بأخرى أن الحب يأتي مصحوبًا بشيءٍ ما؛ أن نكون لطفاء كي نُحب، متفوقين كي نفتخر بهم، مطيعين كي لا نخسر رضا من نحب، وأن نمنح الآخرين ما يريدون حتى نشعر أننا نستحق مكاننا في قلوبهم.

نكبر… لكن بعض هذه القواعد لا تكبر معنا.

فنجد أنفسنا في علاقات كثيرة نحاول أن نثبت فيها أننا نستحق الحب.

نعطي أكثر مما نستطيع، نتنازل عن أشياء تؤلمنا، نبرر غياب الآخرين، نلتمس لهم الأعذار، نخاف أن نقول «لا»، ونراقب كلماتنا وتصرفاتنا حتى لا نخسر أحدًا.

وأحيانًا، لا نكون في علاقة حب بقدر ما نكون في اختبار مستمر لإثبات الاستحقاق.

نعتقد أن علينا أن نكون الشخص المثالي حتى يبقى الآخر.

أن نكون دائمًا متفهمين، متاحين، صبورين، جميلين، ناجحين، هادئين، ومتسامحين… وكأن أي نقص فينا قد يكون سببًا كافيًا لأن يرحل من نحب.

لكن الحقيقة التي نحتاج إلى تعلمها متأخرين هي:

الحب الصحي لا يجعلك تقضي حياتك في تقديم امتحان للحصول عليه.

هناك فرق بين أن نحافظ على العلاقة، وبين أن نفقد أنفسنا ونحن نحاول الحفاظ عليها.

هناك فرق بين أن نكون أشخاصًا جيدين، وبين أن نحاول أن نكون «ما يريده الآخرون» طوال الوقت.

والأصعب من ذلك أن الإنسان الذي اعتاد إثبات استحقاقه للحب قد لا ينتبه إلى أنه أصبح يعيش حياته وفق سؤال واحد:

«ماذا أفعل حتى لا يتركوني؟»

بدلًا من السؤال الأهم:

«هل هذه العلاقة تمنحني الحب الذي أستحقه؟»

نقضي وقتًا طويلًا في مراقبة أنفسنا، بينما ننسى أن نراقب العلاقة.

هل أشعر بالأمان؟

هل أستطيع أن أكون على طبيعتي؟

هل أستطيع أن أختلف دون أن أخاف من فقدان الآخر؟

هل أُحب لما أنا عليه، أم لما أقدمه؟

وهل وجودي في هذه العلاقة قائم على المحبة… أم على خوفي من الوحدة؟

ليس من الخطأ أن نعطي، ولا أن نتنازل أحيانًا، ولا أن نحاول أن نكون أفضل لمن نحب.

المشكلة تبدأ عندما يصبح العطاء وسيلة لشراء الأمان.

عندما نعتقد أن كل تنازل سيضمن بقاء الآخر، وأن كل تضحية ستجعلنا أكثر استحقاقًا للحب.

وهنا يصبح الحب مرهقًا.

لأنك لا تعيشه… بل تعمل فيه.

تستيقظ كل يوم وكأن عليك أن تحافظ على وظيفتك في قلب شخص آخر.

والحقيقة أن الإنسان لا ينبغي أن يضطر إلى استنزاف نفسه حتى يثبت أنه جدير بأن يُحب.

من يحبك حقًا لن يحتاج منك أن تكون نسخة مثالية من نفسك.

سيحب قوتك وضعفك، حضورك وغيابك، أيامك الجميلة وأيامك الثقيلة.

لن يعني ذلك أن الحب الصحي بلا مسؤولية أو بلا اختلاف؛ بل يعني أن الاختلاف لا يتحول إلى تهديد، وأن الخطأ لا يصبح دليلًا على أنك لا تستحق الحب.

ربما آن الأوان أن نتوقف عن السؤال:

«كيف أجعلهم يحبونني؟»

وأن نبدأ بالسؤال:

«هل أحب نفسي بما يكفي حتى لا أقبل بعلاقة تجعلني أطلب الحب كل يوم؟»

فالحب الحقيقي لا يحتاج إلى أن تركض خلفه طوال الوقت.

ولا يحتاج أن تتخلى عن كرامتك كي يبقى.

ولا يحتاج أن تصغر نفسك حتى يشعر الآخر بكبره.

ولا يحتاج أن تقدم المزيد والمزيد كي تحصل على القليل.

وفي مرحلة ما من النضج، ندرك أن قيمتنا لم تكن يومًا مرتبطة بمن اختارنا، أو بمن بقي معنا، أو بمن غادرنا.

نحن نستحق الحب قبل أن يحبنا أحد.

ونستحق الاحترام قبل أن يمنحنا إياه الآخرون.

ونستحق أن نكون أنفسنا، دون أن نقضي العمر في محاولة إقناع العالم بأن هذه النسخة منا جديرة بأن تُحب.

وربما أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن يجد شخصًا يحبه بلا شروط، بل أن يصل إلى تلك الطمأنينة التي تقول:

«لن أؤذي نفسي بعد اليوم كي أثبت لأحد أنني أستحق أن يبقى».

مساحة إعلانية