رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمل عبدالملك

[email protected]
@amalabdulmalik

مساحة إعلانية

مقالات

630

أمل عبدالملك

ماذا فعلت بنا السرعة؟

09 أغسطس 2026 , 01:00ص

كان الانتظار يوماً جزءاً طبيعياً من الحياة، ننتظر رسالة، موعداً، سفراً، خبراً، لقاءً، أو حتى فنجان قهوة، كان للانتظار طعم خاص، وكان الوقت الذي يفصلنا عن الأشياء يمنحها قيمة أكبر، أما اليوم، فنحن نعيش في عالم يريد كل شيء الآن… وفوراً.

ضغطة واحدة تكفي لتصل الرسالة، وبضع ثوانٍ تكفي لمشاهدة خبر من الطرف الآخر من العالم، وطعامنا يصل إلى باب المنزل، ونتيجة السؤال تظهر أمامنا قبل أن نكمل كتابته، لقد اعتدنا السرعة إلى درجة أننا بدأنا نعتبر الانتظار مشكلة.

نغضب إذا تأخر الرد، ونشعر بالقلق إذا لم تصل الرسالة، وننتقل من فيديو إلى آخر إذا لم يجذبنا المحتوى خلال ثوانٍ قليلة، حتى الأفلام التي كنا نشاهدها لساعات، أصبحنا نسرّعها، وكأننا في سباق دائم مع الوقت.

لكن السؤال الأهم: ماذا فعلت بنا هذه السرعة؟

ربما جعلتنا أكثر إنجازاً، لكنها في المقابل جعلتنا أقل صبراً، أصبحنا نريد النتائج قبل أن نمنح الأشياء وقتها الطبيعي لتنضج.

نريد النجاح سريعاً، والعلاقات بلا تعقيدات، والشفاء من الحزن في أقصر وقت، وتحقيق الأحلام دون المرور بكل الطريق، حتى المشاعر لم تعد تأخذ وقتها.

نحزن ونريد أن نتجاوز الحزن سريعاً، نفشل ونريد نتيجة جديدة فوراً، نختلف مع شخص فنغلق الباب بدلاً من أن ننتظر لحظة هدوء تسمح لنا بالحوار.

المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، فالسرعة ليست عدواً، والتقدم ليس خطأ، المشكلة تبدأ عندما نفقد قدرتنا على العيش خارج إيقاعها، فالانتظار ليس دائماً وقتاً ضائعاً.

أحياناً يكون الانتظار هو المساحة التي نحتاجها لكي نفهم أنفسنا، ونراجع قراراتنا، ونكتشف قيمة ما نريد، بعض الأشياء الجميلة في الحياة لا يمكن تحميلها بضغطة زر؛ تحتاج وقتاً، وصبراً، وتجارب، وربما بعض الخيبات أيضاً.

الطفل يحتاج سنوات ليكبر، والكتاب يحتاج وقتاً ليُكتب، والعلاقة تحتاج مواقف كي تصبح عميقة، والإنسان نفسه يحتاج سنوات حتى يفهم من يكون.

وربما أكثر ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من السرعة، بل شيئاً من البطء، أن نترك الهاتف جانباً دون أن نشعر بالقلق، أن نشرب قهوتنا دون أن نصورها، أن نتحدث مع من نحب دون أن ننشغل بإشعار يصل إلى هاتفنا، وأن نتعلم من جديد أن بعض الأشياء تستحق أن ننتظرها. ففي عالم يركض طوال الوقت، قد يكون امتلاك القدرة على التمهل نوعاً من القوة. وربما لم تكن المشكلة يوماً أن الحياة أصبحت سريعة، بل أننا نسينا كيف نعيشها ببطء!.

مساحة إعلانية