رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمل عبدالملك

[email protected]
@amalabdulmalik

مساحة إعلانية

مقالات

225

أمل عبدالملك

يرحل صانع النهضة ويبقى إرث المجد خالدا

18 يوليو 2026 , 11:35م

هناك رجال يمرون في صفحات التاريخ، وهناك رجال يكتبون التاريخ بأيديهم، ويتركون بصماتهم في حاضر أوطانهم ومستقبل أجيالها، وبرحيل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وغفر له، فقدت قطر والأمة العربية قائداً استثنائياً، ورجل دولة امتلك رؤية سبقت زمانها، وحكمة صنعت نهضة أصبحت نموذجاً يحتذى به في المنطقة والعالم.

لقد كان الخبر مؤلماً لكل قطري، بل لكل من عرف سيرة هذا القائد الذي كرّس حياته لخدمة وطنه وشعبه، حتى أصبحت قطر في عهده قصة نجاح عالمية تُروى، ودولة صغيرة في مساحتها، عظيمة في حضورها وتأثيرها ومكانتها الدولية.

حين تولى سموه قيادة البلاد، لم يكن ينظر إلى الحاضر فحسب، بل كان يرسم ملامح مستقبل يمتد لعقود قادمة، آمن بأن الاستثمار الحقيقي هو الإنسان، فكانت النهضة التعليمية إحدى أبرز الركائز التي قامت عليها الدولة الحديثة، شهدت قطر إنشاء المدينة التعليمية، واستقطبت أعرق الجامعات العالمية، وتطورت المدارس والمؤسسات الأكاديمية، وأصبحت الدولة مركزاً إقليمياً للعلم والبحث والابتكار، إيماناً بأن بناء العقول هو أعظم استثمار يمكن أن تقدمه الدولة لأبنائها.

وفي القطاع الصحي، شهدت البلاد طفرة غير مسبوقة في إنشاء المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة، وتطوير الخدمات الصحية وفق أعلى المعايير العالمية، حتى أصبحت قطر من الدول الرائدة في جودة الرعاية الصحية، ووفرت لمواطنيها والمقيمين على أرضها منظومة صحية متقدمة تواكب أفضل النظم الدولية.

أما الاقتصاد، فقد قاد الأمير الوالد مسيرة تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستثمارات المحلية والعالمية، مستفيداً من ثروات البلاد الطبيعية لبناء اقتصاد قوي ومستدام، وأصبحت قطر لاعباً اقتصادياً مؤثراً على الساحة الدولية، وامتدت استثماراتها إلى مختلف قارات العالم، بينما شهدت الدولة نهضة عمرانية وتنموية غير مسبوقة، جعلت بنيتها التحتية من بين الأفضل عالمياً.

وفي مجال الرياضة، كان الأمير الوالد صاحب رؤية آمنت بأن الرياضة ليست مجرد منافسات، بل رسالة حضارية وجسر للتواصل بين الشعوب، ومن هذا الإيمان بدأ الحلم الكبير باستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم، وهو الحلم الذي تحقق عندما فازت قطر بحق تنظيم مونديال 2022، في إنجاز تاريخي للعرب والمنطقة بأسرها، ولم يكن ذلك النجاح وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات طويلة من التخطيط والعمل والإصرار، حتى قدمت قطر للعالم بطولة استثنائية نالت إشادة الجميع، ورسخت مكانة الدولة على الخارطة الرياضية العالمية.

وفي الإعلام، سيبقى اسم الأمير الوالد مرتبطاً بأحد أهم المشاريع الإعلامية العربية في العصر الحديث، بإطلاق قناة الجزيرة، التي أحدثت تحولاً جذرياً في المشهد الإعلامي العربي، وفتحت آفاقاً جديدة للإعلام المهني، حتى أصبحت من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيراً وانتشاراً على مستوى العالم، وأسهمت في إيصال صوت المنطقة إلى مختلف الشعوب.

ولم تكن النهضة في قطر مقتصرة على الاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو الإعلام، بل شملت الإنسان وجودة الحياة، فقد تحولت الدولة إلى نموذج عالمي في الأمن والاستقرار والخدمات والبنية التحتية، وأصبحت وجهة يقصدها الملايين للعمل والاستثمار والسياحة والعيش الكريم، حتى بات كثيرون يتمنون أن تكون لهم فرصة للإقامة في هذا الوطن الذي وفر لأبنائه والمقيمين فيه بيئة تنعم بالأمان والكرامة والفرص.

ورغم كل هذه الإنجازات، ظل الأمير الوالد قريباً من الناس، متواضعاً في تعامله، بسيطاً في حضوره، يحمل هموم وطنه وشعبه، ويؤمن بأن القيادة مسؤولية قبل أن تكون مكانة، ولذلك لم تكن محبة القطريين له محبةً رسمية يفرضها المنصب، بل كانت علاقة وفاء متبادلة بين قائد أحب شعبه فأحبه شعبه، ووقف إلى جانبه في مختلف المراحل، فبادله المواطنون التقدير والامتنان والدعاء الصادق.

لقد رحل زعيم عربي من طراز نادر، يصعب أن يتكرر، بعدما ترك مدرسة في القيادة، ورؤية في البناء، وإرثاً وطنياً سيبقى شاهداً على مرحلة صنعت فيها قطر مجدها الحديث، ورغم قسوة الفقد، فإن العزاء يكمن في استمرار مسيرة النهضة بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، الذي واصل البناء على الأسس الراسخة التي وضعها الأمير الوالد، وقاد قطر بثبات نحو المزيد من الإنجازات والريادة.

نسأل الله تعالى أن يتغمد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه عن قطر وشعبها خير الجزاء، وأن يجعل ما قدمه لوطنه في ميزان حسناته.

كما نتقدم بأحر التعازي وصادق المواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وجميع أبناء الأمير الوالد، وكافة آل ثاني الكرام، وإلى الشعب القطري الوفي، وإلى الأمتين العربية والإسلامية، سائلين الله عز وجل أن يلهم الجميع الصبر والسلوان، وأن يحفظ قطر ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يبارك في قيادتها الرشيدة، ويجعل مستقبلها امتداداً للمجد الذي صنعه رجالها المخلصون.

مساحة إعلانية