رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمل عبدالملك

[email protected]
@amalabdulmalik

مساحة إعلانية

مقالات

354

أمل عبدالملك

المعلمون صناع الغد

15 أغسطس 2026 , 10:50م

تنتهي الإجازة، وتعود المدارس إلى استقبال خطوات المعلمين والطلاب من جديد، وتعود معها الحياة إلى الفصول الدراسية، بكل ما تحمله من تفاصيل صغيرة، وأحلام كبيرة، وأسئلة تنتظر من يجيب عنها، ومع بداية عام دراسي جديد، لا يعود المعلم إلى مدرسته ليؤدي وظيفة فحسب، بل يعود إلى ميدان يمارس فيه واحدة من أعظم المهن وأسمى الرسالات: صناعة الإنسان وبناء الأجيال.

فالمدرسة ليست مكاناً لتلقين المعلومات وحفظ المناهج فقط، والمعلم ليس ناقلاً للعلوم والمعارف فحسب، إنه شخصية مؤثرة قد تبقى كلماته ومواقفه في ذاكرة الطالب سنوات طويلة، وربما لا يدرك المعلم أن جملة تشجيع قالها في لحظة عابرة، أو موقفاً إنسانياً احتوى فيه طالباً، قد يكون له أثر عميق في مستقبله وثقته بنفسه.

ولهذا فإن الاستعداد للعام الدراسي لا ينبغي أن يقتصر على تجهيز الكتب والخطط والوسائل التعليمية، بل يجب أن يبدأ من استعداد المعلم نفسه، أن يعود بروح جديدة، وطاقة إيجابية، ورغبة حقيقية في العطاء، أن يراجع أسلوبه، ويطوّر أدواته، ويبحث عن طرق أكثر ابتكاراً في إيصال المعلومة، ويواكب التطورات العلمية والتقنية التي غيَّرت شكل المعرفة وطريقة وصولها إلى الأجيال الجديدة.

لكن الأهم من كل ذلك، أن يعرف المعلم طلابه قبل أن يحكم عليهم، فليس كل طالب يدخل الفصل الدراسي بالظروف نفسها، هناك من يعيش في بيت مستقر ومطمئن، وهناك من يحمل هموماً لا يعرفها أحد، وهناك طالب يعاني من ضعف في التحصيل، وآخر يواجه صعوبة في التركيز، وثالث قد يحتاج إلى كلمة ثقة أكثر من حاجته إلى إجابة صحيحة، وقد يكون وراء بعض السلوكيات التي تبدو مزعجة أو غير منضبطة أسباب نفسية أو أسرية أو اجتماعية تحتاج إلى الفهم قبل العقاب.

وهنا تظهر عظمة المعلم الحقيقي؛ حين يستطيع أن يجمع بين الحزم والرحمة، وبين التربية والعلم، وبين الانضباط والاحتواء.

الطالب لا يحتاج إلى معلم يعرف مادته العلمية فقط، بل يحتاج إلى من يفهم مرحلته العمرية، ويقدّر مشاعره، ويحترم اختلاف شخصيته وقدراته، ويرى فيه إنساناً قبل أن يراه رقماً في كشف الدرجات، كما يحتاج إلى من يكتشف مواهبه، ويشجعه على السؤال، ويعلّمه التفكير لا الحفظ فقط، ويمنحه مساحة للخطأ والتعلم والنمو.

والمعلم القدوة لا يعلّم من خلال الدرس وحده، بل من خلال سلوكه اليومي، في احترامه للآخرين، وفي التزامه، وفي طريقة حديثه، وفي عدله بين طلابه، وفي تعامله مع الاختلاف، فالطلاب يتعلمون مما يرونه أكثر مما يتعلمون مما يسمعونه.

ومع عودة المعلمين إلى مدارسهم، فإن أجمل ما يمكن أن يحملوه معهم هو الإيمان بأن كل عام دراسي فرصة جديدة لصناعة أثر جميل، فرصة لأن يخرج من بين أيديهم طبيب أو مهندس أو عالم أو كاتب أو قائد، وربما قبل كل ذلك إنسان صالح وواعٍ وقادر على خدمة مجتمعه.

كل التوفيق للمعلمين والمعلمات في عامهم الدراسي الجديد، وللطلبة والطالبات في رحلة علم جديدة، نسأل الله أن يكون عاماً حافلاً بالنجاح والإنجاز، وأن يكلل جهود الجميع بالخير، وأن يوفق كل معلم ومعلمة لأداء هذه الرسالة العظيمة، وكل طالب وطالبة لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم.

مساحة إعلانية