رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تستعد قطر لدخول مرحلة صحية جديدة مع اقتراب تطبيق منظومة التأمين الصحي الجديدة، وهي خطوة أراها مفصلية في تطوير القطاع الصحي وتعزيز جودة الخدمات، وتحقيق توازن أكبر بين كفاءة التمويل وسهولة الوصول إلى الرعاية. فقد أصبحت المنظومة الحديثة ضرورة وطنية، وليست مجرد خيار تنظيمي، خاصة في ظل التوسع السكاني وتزايد الاعتماد على القطاع الصحي الخاص الذي يشكل اليوم ركيزة مهمة في تقديم خدمات العلاج والتشخيص والرعاية المتقدمة. ومن هنا تأتي أهمية تقييم مدى جاهزية القطاع الخاص لاستقبال هذه المنظومة، واستيعاب حجم الطلب المتوقع، وتطوير قدراته التشغيلية والفنية، وضمان قدرته على الالتزام بمعايير الرقابة والشفافية. إن التأمين الصحي، بأي نموذج يُطبَّق، لا يُقاس نجاحه فقط ببدء العمل به، بل بقدرته على الصمود أمام التحديات التي تبرز في المراحل الأولى، وفي مقدمتها ضبط الممارسات الطبية، وإدارة المطالبات، ومنع تضخم الفواتير أو تكرار الإجراءات، وهي أمور شهدتها دول عديدة عند الانتقال إلى التأمين الإلزامي. ولذلك أرى أنّ الرقابة الصارمة على تعامل المرافق الصحية الخاصة وشركات التأمين أصبحت جزءًا جوهريًا من نجاح المنظومة، بحيث تكون هناك محاسبة واضحة لمن يبالغ في الأسعار أو يقدّم خدمات غير ضرورية أو يحاول الالتفاف على متطلبات النظام. فالشأن الصحي لا يحتمل المجاملة، ولا يمكن تركه دون ضوابط دقيقة تحفظ المال العام وتضمن العدالة للمريض. وتبرز أهمية إدراج معلومات التأمين الصحي داخل البطاقة الشخصية، وهو اقتراح مهم يسهم في الحد من التلاعب، ويضمن سرعة التحقق من حالة المؤمن عليه، ويحمي النظام من استخدام البطاقات بطرق غير قانونية. هذه الخطوة، إن طُبقت بشكل محكم، ستشكل نقلة نوعية في سهولة تقديم الخدمة داخل المستشفيات والعيادات، وتختصر إجراءات التسجيل والتحقق، وتسد باب التزوير أو الاستغلال الذي قد يحدث في أي نظام تأميني. كما أنها تتماشى مع رؤية قطر في التحول الرقمي وربط الجهات الحكومية والخدمية ببنية موحدة ترفع من كفاءة الأداء وتقلل الأخطاء البشرية. ومن مؤشرات النجاح التي يمكن البناء عليها أن قطر اليوم تمتلك منظومة طبية متقدمة تتوزع بين مرافق حكومية بمستوى عالمي، وقطاع خاص نشط قادر على التوسع والاستثمار، وهو ما يجعل مشروع السياحة العلاجية خطوة طبيعية في هذا التطور الصحي. فتأشيرة السياحة العلاجية ليست مجرد مبادرة سياحية، بل مشروع اقتصادي وصحي يعكس ثقة الدولة في قدرات قطاعها الطبي، وقدرته على استقبال المرضى من الخارج دون التأثير على جودة الخدمة المقدمة للمواطنين والمقيمين. قد يتساءل البعض عن مدى جاهزية القطاع الخاص لهذا الدور، لكن المؤشرات الحالية — من توسعات مبانٍ جديدة، وزيادة في عدد الأطباء والاستشاريين، وتحسين الخدمات الفندقية الطبية — تدل على التوجه الصحيح في هذا المجال. وبرغم ذلك، تظل مسألة المواعيد وتدفق المرضى من أهم التحديات التي ستواجه المؤسسات الخاصة. فالضغط المتوقع بعد تطبيق النظام الجديد قد يؤدي إلى ازدحام، وهو ما يستدعي رفع الجاهزية التشغيلية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للعيادات، وإعادة تنظيم الجداول بطريقة تضمن سرعة الخدمة دون التأثير على الجودة. على المستشفيات والمراكز الخاصة أن توازن بين الربحية والواجب المهني، وأن تستثمر في تحسين إدارة الوقت، وتطوير أنظمة الحجز عن بُعد، واستخدام برامج الفرز الذكي لتحديد الحالات الطارئة وغير الطارئة. كما أرى أن من الواجب الأخلاقي والإنساني أن تراعي منظومة التأمين الجديدة احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال منحهم تغطيات خاصة وتسهيلات حقيقية في الخدمة دون إرهاقهم بالإجراءات أو التكاليف. فهذه الفئة تُعد الأكثر احتياجًا للعلاج الدوري والمتابعة المستمرة، وأي نظام صحي ناجح يجب أن يضعها في صدارة أولوياته، وأن يضمن لهم مسارات علاجية ميسرة تحميهم من التعقيد وترفع جودة حياتهم. وهذا جزء من التزام قطر تجاه مبادئ العدالة الاجتماعية ودعم الفئات التي تحتاج إلى رعاية مضاعفة. ولا يقلّ عن ذلك أهمية ضبط الأسعار، فنجاح التأمين الصحي مرهون بوجود أسعار عادلة وشفافة، تمنع المغالاة التي قد يمارسها البعض عند وجود جهة تأمين. فالتجارب السابقة أثبتت أن رفع الأسعار في بعض الخدمات مثل الأشعة والعمليات البسيطة قد يرهق النظام ويؤدي إلى خسائر مالية كبيرة. ومن هنا تأتي ضرورة وضع تسعيرة واضحة تستند إلى معايير طبية دقيقة، وتمنع الانحراف، وتحمي المريض من استغلال لا مبرر له. كما أنّ وجود آليات تدقيق إلكترونية يمنع مضاعفة الفواتير أو إدخال خدمات غير مطلوبة، وهو ما يسهم في الحفاظ على استدامة النظام وموثوقيته. ولا بد من التأكيد على أن الوعي المجتمعي عنصر رئيسي في إنجاح المنظومة. فالمريض يجب أن يعرف حدود تغطيته، وخطوات تقديم المطالبات، وما له وما عليه، وكيفية التصرف عند وقوع مشكلة أو رفض مطالبة. كثير من مشكلات الأنظمة التأمينية في العالم جاءت من جهل المستفيدين بحقوقهم أو سوء التعامل مع شركات التأمين. ولذلك فإن إطلاق حملات توعوية واسعة أمر لا بد منه قبل التطبيق وبعده، حتى لا يحدث ارتباك أو سوء فهم يؤدي إلى تذمر الناس، بينما النظام نفسه قد يكون جيدًا لكن طريقة الاستفادة منه غير واضحة. إن قطر تتجه بثقة نحو بناء نموذج صحي أكثر حداثة واستدامة، ويأتي التأمين الصحي الجديد ليؤكد أن الدولة ماضية في تطوير خدماتها، ورفع جودة الرعاية، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكًا حقيقيًا في بناء منظومة صحية متكاملة. ومع التطور الرقمي، والرقابة الصارمة، والتحسين المستمر، سيكون هذا النظام خطوة راسخة نحو مستقبل صحي يليق بقطر وأهلها وكل من يعيش على أرضها.
الأب.. ظِلٌّ لا يميل
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد
633
| 31 يوليو 2026
أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت
وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة... اقرأ المزيد
279
| 31 يوليو 2026
حصص التربية الرياضية بالأندية
الرياضة محور أساسي من محاور العملية التعليمية، يقول تعالى في سورة البقرة آية 247 (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ... اقرأ المزيد
147
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
9480
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1635
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1350
| 30 يوليو 2026