رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انطلقت يوم السبت 24 يناير 2026 في الدوحة أعمال المنتدى السنوي لفلسطين في دورته الرابعة التي ينظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية خلال الفترة 24-26 يناير وهو دليل إضافي على التزام دولة قطر بتوجيه من أميرها المفدى بقضية العرب والمسلمين المركزية أي الشعب الفلسطيني الذي عانى وما يزال يعاني من ممارسات الإبادة الجماعية والتشريد والتنكيل. ويُعَدّ المنتدى السنوي لفلسطين أحد أبرز الفضاءات الأكاديمية المتخصصة عالميًا في القضية الفلسطينية لما يتميّز به من رصانةٍ علميةٍ في الأوراق البحثية المقدَّمة وتنوّعٍ منهجي في المقاربات النظرية والتحليلية ومشاركة نخبةٍ من الباحثين والباحثات من مختلف أنحاء العالم العربي والعالم. وتغطي أوراق هذه الدورة طيفًا واسعًا من القضايا المركزية المتصلة بفلسطين من التاريخ والتحولات البنيوية في المشروع الوطني الفلسطيني إلى موقع فلسطين في النظامَين العربي والدولي مرورًا بتحليل الاستعمار الاستيطاني ونظام التمييز العنصري (الأبارتهايد) وحدود القانون الدولي وتحولات التضامن العالمي وأدوار الإعلام والمعرفة والجامعات في زمن الإبادة.
وقد رسّخ المنتدى عبر دوراته المتعاقبة مكانته بوصفه رافدًا أساسيًا لإنتاج معرفة نقدية معمّقة حول فلسطين واكتسب سمعةً عربيةً ودوليةً مرموقة وجذب حضورًا واسعًا من الأكاديميين والمهتمين بقضيتها وسياقاتها الإقليمية والعالمية ليغدو فضاءً جامعًا للالتقاء وتبادل الرؤى والنقاشات المعمّقة. ومن الضروري التذكير بأن هذه الدورة الرابعة تكتسي أهميةً استثنائيةً لانعقادها في لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة في تاريخ القضية الفلسطينية الحديث و في سياق تبعات حرب الإبادة غير المسبوقة في التاريخ الفلسطيني من حيث عمقها واتساع آثارها وما خلّفته من مستويات هائلة من القتل والعنف والدمار والتهجير في حقّ الشعب الفلسطيني ولا سيما في قطاع غزة إلى جانب تصاعد العنف الاستعماري (المسمى بالاستيطاني) في الضفة الغربية وفي سياق تحولات دولية جذرية تتّسم بتراجع المنظومات التقليدية التي تضمن حدا أدنى من المساءلة وتطبيق القانون الدولي. وعقَد المنتدى على مدار ثلاثة أيام وضمّ ثماني جلسات رئيسية تتوزع على مسارات متوازية إضافة إلى ثلاث ندوات عامة وثلاث ورشات عمل متخصصة من بينها محور خاص بإعادة إعمار قطاع غزة يُنظَّم بالشراكة بين إدارة السياسات العامة ومركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بما يعكس سعي المنتدى إلى الربط بين البحث الأكاديمي والتحليل السياسي والمسائل العملية الملحّة في مرحلة ما بعد الإبادة. واستهلّت (آيات حمدان) الباحثة في المركز العربي ورئيسة لجنة المنتدى السنوي لفلسطين أعمال اليوم الأول بجلسة افتتاحية أكَّدت فيها أن انعقاد هذه الدورة يأتي في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد يتزامن مع مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة الجماعية التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة.
ومن جهته شدد (مجدي المالكي) في كلمته الافتتاحية على أهمية انخراط الباحثين العرب والمتخصصين في الكتابة والتحليل ولا سيما فيما يتعلق بالسردية الفلسطينية مؤكدًا أن المنتدى في دورته الرابعة أثبت بعد ثلاث دورات سابقة نجاحه في تحقيق غايته بوصفه فضاءً للتواصل والنقاش والتفاعل وتعزيز الإحساس بالمسؤولية الفردية والجماعية لدى الباحثين مشيرا إلى أن انعقاد المنتدى يأتي في سياق تحديات ومنعطفات غير مسبوقة تمر بها القضية الفلسطينية حيث تتواصل تداعيات حرب مدمّرة ووقفٍ هشّ لإطلاق النار في غزة إلى جانب تصاعد العدوان في الضفة الغربية واستمرار السياسات الاستعمارية الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة على الأرض خارج إطار القانون الدولي وهو ما يعرقل بصورة مباشرة إمكان قيام دولة فلسطينية. وتناول (المالكي) واقع الحياة تحت الاحتلال بما فيها من تدمير البنى الصحية والتعليمية والمعيشية وسياسات خنق الحياة عبر قرصنة أموال الضرائب موضحًا دور المؤسسة في التوثيق المعرفي منذ بدء الإبادة من خلال إطلاق منصات رقمية متخصصة وإنتاج واسع للأبحاث وأوراق السياسات وفتح المجال أمام الشباب للتدريب والبحث. وختم بالتأكيد على أن استمرار هذا المنتدى هو رسالة إصرار وأن البحث العلمي في هذا السياق ليس استحقاقًا أكاديميًا فحسب بل واجب أخلاقي وبعث الأمل في استمرار المقاومة في زمن استهداف الحقيقة.
هذا وعُقدت الجلسة الأولى في ثلاثة مسارات متوازية كان أولها بعنوان «القانون الدولي والقضية الفلسطينية»، وترأسته (عائشة البصري). وقدّم (نيكولا بيروجيني) ورقته «بين المقاومة والإبادة الجماعية: التحرير الوطني الفلسطيني وإبادة إسرائيل على حدود القانون الدولي»، متناولًا حدود الشرعية القانونية. وشارك (عبد الحميد صيام) بورقة «المحكمة الجنائية الدولية والقضية الفلسطينية». كما قدّم (حميد بلغيث) و(أسماء العلوي) ورقتهما المشتركة «سياسات الضم في ضوء التأويل المتطور لقواعد القانون الدولي: قدسية المبدأ ومسؤولية الدول الثالثة»، مسلطَين الضوء على التزامات الأطراف الدولية.
أمّا المسار الثاني والموسوم «فلسطين في السياق الدولي»، فكان بإدارة (أدهم صولي) وشاركت فيه (رزان شوامرة) بورقتها «الوقائع المنفصلة: استراتيجية الصين في صناعة التصوّر وسرديات التحرر الفلسطينية». وتناولت (حورية بن علي) في ورقتها «من فضح الجريمة إلى تجريم الإدانة» محللة لكيفية توظيف الخطاب القيمي الرسمي في ألمانيا لتكريس الصمت عن الإبادة.
كما ناقش (روفشان ممدلي) في ورقته «بين التضامن وغيابه» مواقف دول جنوب القوقاز من فلسطين خلال الإبادة الجماعية في غزة.
أما المسار الثالث فكان بعنوان «حرب الإبادة على غزة في وسائل الإعلام الغربية» وترأّسته (لميس أندوني) وعرضت فيه (آمنة الأشقر) ورقتها بعنوان»عجلة الأخبار وانهيار الإطار» محللةً الفوضى البصرية الناتجة عن حرب الصورة. ومن جهتها ناقشت (ديانا بطو) و(نضال رافع) في ورقتهما المشتركة «كيف (لا) تتم تغطية الإبادة؟» مع تحليل تجارب الصحفيين الفلسطينيين المريرة في تغطية الحرب. وقدّم (جميل قروش) ورقته بعنوان «تأطير الأبعاد الإنسانية حول السرديات العاطفية في تغطية تبادل الأسرى لدى وسائل إعلام غربية كبرى» ثم قدمت عروض تاريخية لمراحل متعاقبة من ماضي فلسطين واختتمت الندوة بمقاربات تحليلية متكاملة تناولت التحوّلات البنيوية في السياسة الأمريكية إزاء فلسطين.
واستعرض خليل جهشان، رئيس الندوة، في ورقته (دونالد ترامب) وحركة ماغا والقضية الفلسطينية: السعي للهيمنة الأمريكية في المنطقة» ملامح توجّه التيار الشعبوي اليميني في الولايات المتحدة الأمريكية محللًا ما إذا كانت سياسات (ترامب) تجاه فلسطين وإسرائيل تمثل نزعة عابرة أم مسارًا مؤسسيًا طويل الأمد؟ ثم كان تاج المنتدى هو المتعلق بالمشروع الوطني الفلسطيني في السياق الدولي والعربي الراهن في خلاصة قدمها (عزمي بشارة) حوصل فيها أهم ما أضافه المنتدى من تعميق للدراسات الأكاديمية حول فلسطين ماضيها ومستقبلها. العجيب أن المحتل قتل عديد الشهداء الأبرياء بعلة «انتظار تسليم جثة آخر رهينة» قبل المرور الى المرحلة الثانية من اتفاق السلام! وأخيرا تسلم المحتل جثة رهينته وننتظر فتح معبر رفح والمعابر الأخرى لإنقاذ من تبقى حيا من الغزاويين!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4671
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4329
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1488
| 13 مايو 2026