رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاحظنا أن عبارة "حرب عبثية" أصبحت متداولة في معاجم الدبلوماسية والإعلام بكل أصنافه: الورقي والإلكتروني، كما لا حظنا أن قادة دول الشرق الأوسط بدأوا يشعرون بعد دخول الحرب مرحلة جديدة من التأرجح بين توقع الانفراج وتوقع الانفجار. ولنستعرض بوادر الأمل التي جاءتنا من العاصمة الصينية (بيجين) التي زارها الرئيس الأمريكي (ترامب) وخصته قيادتها بأفخم استقبال وخلاصة الأمل باختصار جاء من اتفاق مبدئي بين العملاقين على صرف النظر الأمريكي عن ملف (تايوان) وصرف النظر الصيني عن ملف إسرائيل ما يعني بكل بساطة تنازلا أمريكيا ولو مؤقتا عن تسليط عقوبات على الصين بتسليح تايوان وتنازلا صينيا عن اعتبار إسرائيل وما تدعيه من حقها في الدفاع عن نفسها شرطا للاتفاق على حل دبلوماسي أمريكي صيني يؤدي في النهاية إلى السلام في منطقة الشرق الأوسط. وطبعا فهم رئيس الحكومة الإسرائيلية أنه أصبح فاقدا للغطاء العسكري والسياسي الأمريكي وأن الولايات المتحدة فضلت السلام الشامل على حماية إسرائيل. ومن جهة أخرى جاء أمل انفراج ثانٍ بالإعلان عن موعد لقمة قريبة تجمع حضرة صاحب السمو بأخيه فخامة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتخصيصها لدعم جهود الجمهورية الباكستانية في الوساطة لإنهاء الأزمة، كما تم لقاء بين قادة دول مجلس التعاون خصص لتوحيد مواقف الدول الستة إزاء وضع حد للحرب بالبحث عن وسائل سلمية لفتح مضيق (هرمز) أمام جميع السفن المارة منه مع رفض استعمال المضيق كسلاح حرب! وفي ذلك الأمل الكبير لنزع فتيل الحرب ما دام فتح أو غلق المضيق هو الذي يعيد السلام للمنطقة وللعالم وفي هذا الصدد تؤكد دولة قطر على ضرورة خضوع حرية المرور من المضيق إلى القانون الدولي وحده. ثم لا بد من الإشارة إلى قمة بروكسل التي جمعت قادة دول الاتحاد الأوروبي مع زعماء آخرين من خارج الاتحاد لبحث فرضيتين: إما فتح المضيق بالتشاور الدبلوماسي وإما حشد القوات العسكرية لإنهاء الحرب بالقوة.
وفي هذا السياق وجه الرئيس ماكرون حاملة طائرات فرنسية إلى مياه الخليج تحسبا لأي طارئ. ونعود إلى أهم محاور التقرير الذي ذكرناه في بداية المقال فنورد أهم ما جاء في تحليل اشتهر بدقته وتناقلته وسائل إعلام عديدة منها شبكة الجزيرة ونشرة قناة (العربي) وترجمته وكالات غربية عديدة بسبب عمق الرؤية السياسية وصواب التوقعات الإستراتيجية التي منها بدايات تململ لدى المجتمع الأمريكي واعتبار بعض نخبه "الحليف الإسرائيلي" عبئا ثقيلا من الصعب الانخراط في مخططاته وتحمل تداعيات الحرب اقتصاديا وطاقيا (القصد هنا هو نفاد المخزون الإستراتيجي من الوقود) واجتماعيا. وبدأت الكتب المخصصة لهذه الحرب تصدر في عواصم أمريكية وأوروبية لتؤرخ للحظة تاريخية منها كتاب صدر هذا الأسبوع في باريس للكاتب (أوليفيي بو رديووت) بعنوان (حكاية حب وعنف) وكما نعلم فإن حركة النشر في الغرب أسرع بكثير من حركة النشر العربي. وهناك لديهم تصدر الكتب لتواكب اللحظات المفصلية في حرارتها فترى المواطنين هناك في عربات المترو منكبين على كتاب يتزودون بالرأي الحر من كاتب حر. ومن الأحداث اللافتة هذا الأسبوع ما أثاره وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري من ضجة خلال مشاركته في حلقة ببرنامج "ذا بريفينغ" مع الإعلامية والمتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض (جين بساكي) يوم 10 أبريل الماضي حيث كشف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) لطالما حث الإدارات الأمريكية المتعاقبة بداية من (بوش الابن) ثم (أوباما) ثم (بايدن) على شن ضربات عسكرية ضد إيران لكن كل الرؤساء السابقين رفضوا ذلك باستثناء الرئيس (ترامب). تثير تصريحات كيري سؤالا: لماذا لم يُقدِم الرئيس (ترامب) نفسه أثناء عهدته الأولى على تنفيذ طلب (نتنياهو)؟ وهو ما نجد إجابته في مذكرات (مايكل بومبيو) مدير الاستخبارات الأمريكية ووزير الخارجية السابق في حقبة (ترامب) الأولى إذ يقول: "كان وزير الدفاع (جيمس ماتيس) والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه عش الدبابير الإيرانية، فقد قال (ماتيس) لي: إذا واجهنا الإيرانيين فإنهم سيُسيطرون على سلم التصعيد وسننتهي نحن في مكان سيئ للغاية. وقبل (ماتيس) سبق لوزير الدفاع الأمريكي في عهدي (بوش الابن) و(أوباما) (روبرت غيتس) أن صرح بأن "نتائج ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية على إيران قد تكون كارثية وستؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية حيث ستدفع البرنامج النووي الإيراني إلى مزيد من التخفي والتعقيد وستطاردنا لأجيال.
ولعلمكم فإن وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (جيمس ماتيس) والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه "عش الدبابير الإيرانية".
وعلى ذات المنوال حذر وزير الدفاع الأمريكي في عهد (أوباما) (ليون بانيتا) في ديسمبر 2011 قائلاً: "سنشهد تصعيداً لن يقتصر على إزهاق أرواح كثيرة فحسب بل أعتقد أنه سيُغرق الشرق الأوسط في مواجهة وصراع سنندم عليهما، وستكون لهذا الهجوم تبعات اقتصادية وخيمة قد تؤثر على اقتصاد أوروبا الهش وعلى اقتصاد الولايات المتحدة أيضاً لذا علينا أن نكون حذرين من العواقب غير المقصودة لمثل هذا الهجوم. ولكن (بومبيو) سخر من تخوُّفات (ماتيس) و(غيتس) و(بانيتا) والبنتاغون قائلاً: "هذه العقلية المزعجة تعتقد أن علينا أن نخاف أكثر من خصوم أمريكا وليس العكس.. لقد كنت واثقاً من قدرتنا على التحكم في سلم التصعيد من خلال تفوقنا الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الهائل وقد انسحب (ترامب) من الاتفاق النووي مع إيران ثم اغتال قائد فيلق القدس (قاسم سليماني) مطلع عام 2020، لكن جاءت أزمة وباء كوفيد لتطغى على غيرها من الملفات إلى حين خروج (ترامب) من البيت الأبيض بعد هزيمته في الانتخابات أمام (جو بايدن). ولكن بغض النظر عن تعليق (بومبيو)، فقد استندت مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تقديرات مواقف ودراسات ناقشت تداعيات شن حرب على إيران، ومن أبرزها دراسة مهمة برعاية رموز من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، نُشرت عام 2012 بعنوان "تقييم فوائد وتكاليف العمل العسكري ضد إيران". وتأتي أهمية تلك الدراسة من خلفية المُوقِّعين عليها، والبالغ عددهم 32 شخصية جميعهم من المسؤولين السابقين والمتخصصين في قضايا الأمن القومي، وفي مقدمتهم (زبيغنيو بريجنسكي) مستشار الأمن القومي في عهد (كارتر) وأحد أبرز منظري الجغرافيا السياسية الأمريكيين ووزير الدفاع في عهد أوباما (تشاك هيغل) و(بول فولكر) رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي و(ريتشارد أرميتاج) نائب وزير الخارجية السابق و(نيكولاس بيرنز) السفير الأمريكي لدى حلف الناتو ثم الصين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4671
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4332
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1494
| 13 مايو 2026