رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

165

د. فاطمة سعد النعيمي

حين ترفع يديك.. السماء لا تردّك خالياً

15 مايو 2026 , 04:06ص

في لحظات الصمت العميق، حين تضيق السبل وتتشابك الطرق، لا يبقى للإنسان إلا أن يرفع يديه إلى السماء، مستشعرًا قرب الله، وموقنًا أن الدعاء ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو صلة حيّة بين العبد وربه. ومن المنظور القرآني، يتجلّى الدعاء بوصفه عبادة عظيمة، تعكس افتقار الإنسان إلى خالقه، وتؤكد أن باب الله لا يُغلق أمام من طرقه بإخلاص.

لقد قرر القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، فجعل الدعاء وعدًا بالإجابة، لا على جهة الشكل فقط، بل على نحو يتناسب مع حكمة الله وعلمه بما يصلح عباده. فليس من مقتضى الإجابة أن تتحقق المطالب كما يتصورها الإنسان، بل قد تكون الإجابة دفعًا لبلاء، أو ادخارًا لأجر، أو توجيهًا إلى ما هو خير وأبقى.

ويأتي الحديث النبوي ليضيء هذا المعنى بلمسة وجدانية عميقة، حيث يُخبر أن الله حييّ كريم، يستحيي إذا رفع العبد يديه إليه أن يردهما خائبتين. وهذه الصورة تُنشئ في قلب المؤمن يقينًا بأن الدعاء لا يضيع، وأن كل نداء صادق يجد طريقه إلى القبول الإلهي، وإن تأخرت مظاهر الإجابة.

غير أن التدبر في الهدي القرآني يكشف عن بعدٍ آخر لا يقل أهمية، وهو أن الدعاء في أوقات الرخاء هو زاد الشدائد. فالإنسان الذي يكثر من الدعاء في سعة العيش وطمأنينة النفس، يبني علاقة راسخة مع الله، فإذا نزلت به الكروب، وجد باب السماء مفتوحًا له. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في تصويره لحال الإنسان: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا… ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا نَسِيَ} [الزمر: 8]، في ذمّ من لا يعرف الدعاء إلا عند الشدة.

إن الدعاء ليس طارئًا في حياة المؤمن، بل هو نمط حياة، ومظهر من مظاهر الوعي الإيماني. فهو في الرخاء شكر، وفي الشدة افتقار، وفي كل حال عبودية خالصة. ومن هنا، فإن من أراد أن تُستجاب دعوته في لحظات الانكسار، فليُعَمِّر أوقاته بالدعاء في لحظات السكون.

وحين نُعيد قراءة واقعنا في ضوء هذا الفهم، ندرك أن الدعاء ليس هروبًا من الأسباب، بل هو أعظم الأسباب، لأنه يربط الأرض بالسماء، والضعف البشري بالقدرة الإلهية. فطوبى لمن جعل الدعاء أنيسه في كل حال، وأيقن أن يدًا رُفعت إلى الله بصدق، لا يمكن أن تعود صفرًا أبدًا.

مساحة إعلانية