رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

78

د. أحمد المحمدي

قوة الحضارة الإسلامية

08 فبراير 2026 , 12:40ص

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا فحسب، بل كان قبل ذلك مشروعًا تربويًا وأخلاقيًا متكاملًا. 

فقد صنع الإنسان قبل الدولة، وربّي الضمير قبل المؤسّسة، فانبثق مجتمع يرى القيم معيارا لحركته في التاريخ. 

ومن هنا كان الثبات على المبدأ مفتاحًا لفهم قوّة التجربة الإسلامية في نشأتها الأولى، كما يفسّر هذا مظاهر الضعف التي منيت به حين تراجع حضور القيم في مراحل لاحقة.

لقد أسّست السيرة النبوية قاعدة راسخة مفادها أن المبادئ لا تخضع لميزان الربح والخسارة. ففي غزوة بدر، ومع شدّة الحاجة إلى النصرة، رفض النبي صلى الله عليه وسلم الاستعانة بمشرك، وقال: «ارْجِعْ؛ فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ».

كما تجلّى الوفاء بالعهد حين قيّد حذيفة وأبوه بعهدٍ ألّا يقاتلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انْصَرِفَا؛ نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ».

إنّ هذه المواقف تؤكّد أن القيادة النبوية أرادت ترسيخ قاعدة أخلاقية مفادها أن الغاية لا تبرّر الوسيلة إذا ناقضت القيم.

نشأ الصحابة على هذه التربية حتى أصبحت القيم جزءًا من تكوينهم النفسي والروحي. فبلال بن رباح تحمّل التعذيب تحت لهيب الصحراء مردّدًا: «أَحَدٌ أَحَدٌ». وثبت سعد بن أبي وقاص على إيمانه رغم تهديد أمّه امتثالًا لقوله تعالى:

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.

وضرب صهيب الرومي مثالًا فريدًا حين قدّم ثروته كلّها مقابل حرّية الهجرة، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:

«رَبِحَ صُهَيْبٌ».

كما أعلن أبو ذر إسلامه في قلب مكّة غير هيّابٍ للأذى، ثم لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ماشيًا مثالًا للإصرار والوفاء. وتبلغ هذه الروح ذروتها في موقف الحسن بن علي حين تنازل عن الخلافة حقنًا لدماء المسلمين، مقدّمًا وحدة الأمّة على طموح السلطة.

لم ينقطع حضور هذه القيم بانتهاء عصر الصحابة؛ فقد ظلّ العلماء يمثّلون الضمير الأخلاقي للأمّة، فثبتوا على ما يرونه حقًّا ولو خالف السلطان. كما تحوّل الأدب العربي إلى مساحةٍ تجسّد العلاقة بين الكلمة والموقف، وقد انتهت حياة المتنبي قتيلًا حين أبى الفرار بعد تذكيره بقوله:

فالخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني

والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ

كما ثبت الأشتر النخعي في المعركة مستحضرًا قول ابن الإطنابة:

أبتْ لي عفّتي وأبى بلائي

وإقدامي على البطلِ المشيحِ

وقولي كلّما جشأتْ وجاشتْ

مكانَكِ تُحمَدي أو تستريحي

ويقابل هذه النماذج المشرقة ظهور شخصيات باعت القيم طلبا للجاه والمال، فنافقت الخلفاء أو بالغت في مدحهم بما لا يجوز ولا يصح مثل قول ابن هانئ الأندلسي:

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ

فاحكم فأنت الواحدُ القهّارُ

وقد وصف القرآن عاقبة هذا المسار بقوله:

﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾.

إن التجربة التاريخية تكشف أنّ قوّة الحضارة الإسلامية ارتبطت بسلامة مجرى القيم في المجتمع. فعندما كانت المبادئ حيّةً فاعلة، قادت الأمّة العالم، وحين تحوّلت القيم إلى شعاراتٍ مجرّدة بدأ الضعف والتراجع، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.

مساحة إعلانية