رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

342

عادل الحامدي

أفول أوروبا ورسائل التدافع

08 فبراير 2026 , 01:39ص

التدافع سُنّةٌ من سنن الاجتماع الإنساني، وقانونٌ يحكم حركة التاريخ كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الكون. فلا استقرار دائم، ولا قوة خالدة، ولا إمبراطورية تظل في ذروة صعودها إلى الأبد. الدول مثل الكائنات الحية، تولد وتنمو، تبلغ أوجها، ثم تبدأ في الانكماش والاضمحلال، وقد تطول الشيخوخة أو تقصر، لكنها في النهاية حتمية. هكذا علمتنا تجارب التاريخ، من الإمبراطوريات القديمة إلى القوى الحديثة.

القارة الأوروبية تقدم اليوم نموذجًا حيًا لهذه الدورة. قارةٌ كانت لقرون مركز العالم السياسي والعسكري والاقتصادي، ومنها خرجت الجيوش والأساطيل، ورُسمت خرائط الدول، وفُرضت اللغات والثقافات والأنظمة. كانت الشمس لا تغرب عن الإمبراطورية البريطانية، كما لم تكن تغيب عن فرنسا وإسبانيا في ذروة تمددهما. أما اليوم، فتعيش أوروبا زمن الانكماش الاستراتيجي، والقلق الوجودي، وتجد نفسها لاعبًا ثانويًا في صراعات كبرى لا تملك مفاتيحها.

في قلب هذا التحول التاريخي، تبرز العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة بوصفها مثالًا صارخًا لانقلاب الأحوال. بريطانيا التي حكمت العالم بحرًا وبرًا، خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة، مثقلة بالديون، عاجزة عن الحفاظ على نفوذها الإمبراطوري. في المقابل، صعدت الولايات المتحدة قوةً كاسحة، تمتلك الاقتصاد الأقوى، والجيش الأكبر، والعملة التي ستصبح لاحقًا عماد النظام المالي العالمي.

ومنذ ذلك الحين، انتقلت قيادة العالم عبر الأطلسي، ومعها انتقل نموذج الهيمنة ذاته، لكن بأدوات أمريكية أشمل وأكثر نفوذًا.

أما العلاقة بين لندن وبكين، فهي تعكس انقلابًا تاريخيًا أكثر درامية. قبل قرنين، كانت بريطانيا تخوض حروب الأفيون لإخضاع الصين، وتفرض عليها شروط التجارة، وتنتزع منها الموانئ والجزر. كانت الصين ضعيفة، مفككة، عاجزة عن الدفاع عن سيادتها. اليوم، انقلب المشهد بالكامل. الصين قوة اقتصادية عظمى، بينما تجد بريطانيا نفسها مترددة بين إغراء السوق الصينية وضغوط التحالف الغربي.

ولأن التاريخ مدرسة للأجيال، فإن الوقوف عند أسباب هذا التحول الأوروبي ضرورة لفهم الحاضر. لقد استنزفت أوروبا نفسها بحربين عالميتين مدمرتين، ثم بنت رفاهها على مظلة أمنية أمريكية عبر حلف شمال الأطلسي. ومع الزمن، تآكلت قدراتها العسكرية، وتراجعت إرادة المواجهة، وتقدمت الحسابات الاقتصادية والرفاهية على متطلبات القوة. أضف إلى ذلك الشيخوخة الديمغرافية، والانقسام السياسي، وغياب رؤية استراتيجية موحدة، فكانت النتيجة قارة غنية، لكنها رخوة في عالم لا يرحم الضعف.

الحرب في أوكرانيا كشفت هذه الحقيقة بوضوح. دولة أوروبية تتعرض لاجتياح روسي، فلا تستطيع أوروبا حمايتها أو حتى حماية نفسها دون الدعم الأمريكي. 

وفي سياق هذا التآكل، لا يمكن تجاهل البعد الأخلاقي لأفول الغرب، كما عكسته الفضائح التي فجّرتها التحقيقات والتسريبات المرتبطة بقضية جيفري إبستين، وما كُشف عن شبكات نفوذ عابرة للحدود طالت شخصيات من عالم السياسة والمال والإعلام. بعيدًا عن الأسماء، فإن دلالة هذه القضية أعمق من كونها فضيحة جنسية. 

وهنا تبرز الرسالة الأهم للعرب والمسلمين. إن البحث عن مكان تحت الشمس، وخوض سنة التدافع، لا يتحقق بالأحلام وحدها، رغم أن الحلم ضروري لأنه يمنح الاتجاه والمعنى. لكنه لا يكفي. لا بد من الإرادة، والإرادة شرطها الإيمان بكرامة الإنسان، تلك الكرامة التي خصّ الله بها ابن آدم من دون سائر مخلوقاته. الإيمان بأن الإنسان العربي والمسلم ليس مقدرًا له أن يكون تابعًا أو هامشيًا، بل فاعلًا في التاريخ.

ولعل الخطأ الأكبر في قراءة التاريخ هو اختزاله في لحظات بعينها، والبحث عن “الفرصة” في مشهد واحد أو حدث مفصلي. ليست الفرصة، في الحقيقة، تلك اللحظة التي أسقطت فيها الشعوب العربية بعض أنظمة الاستبداد، ولا حتى تلك التي صمد فيها الفلسطينيون في غزة لأكثر من عامين في مواجهة حرب إبادة غير مسبوقة، على عظمة ما في الحدثين من دلالة. الفرصة الأعمق، والأصدق، تكمن في ما هو أبعد من اللحظة: في الصبر، وفي الإصرار، وفي الثبات على التمسك بالحلم، حتى حين يصبح مكلفًا، وحتى حين يطول الطريق وتتراكم الخسائر.

هكذا فقط تُخاض سُنّة التدافع، لا بالاندفاع الأعمى ولا بالانتظار المتردد، بل بوعي تاريخي يدرك أن الأمم لا تُقصى من مسرح التاريخ فجأة، كما لا تُستعاد مكانتها بضربة واحدة. ومن لا يمتلك إرادة الاستمرار، ولا يؤمن بكرامة الإنسان وقدرته على الفعل، سيظل على هامش التحولات الكبرى، يراقب أفول غيره دون أن يستعد لصعوده.

إن أفول أوروبا، بكل ما يحمله من دلالات، ليس وعدًا آليًا لغيرها بالصعود، بل اختبارًا قاسيًا لمن يريد أن يدخل التاريخ من بابه الواسع. فالتاريخ لا يمنح مكانه لمن ينتظر الفرصة، بل لمن يصنعها، لأن التاريخ لا ينتظر المترددين.

مساحة إعلانية