رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

24

عادل الحامدي

المغرب الأقصى.. دولة في توازن صعب وشعب لا يخطئ الاتجاه

29 يناير 2026 , 04:37ص

قد يبدو الحديث عن المغرب الأقصى من مدخل كرة القدم ضربًا من التبسيط، لكنه في الحقيقة مدخل كاشف، ذكي، وإنساني، يتيح لنا أن نرى ما هو أبعد من المستطيل الأخضر. فحين منحت كرة القدم المغرب كأس العرب في الدوحة قبل أشهر، وحين كافح باقتدار من أجل بطولة إفريقيا، لم يكن الإنجاز رياضيًا فحسب، بل كان تعبيرًا رمزيًا عن مسار حضاري طويل، بطيء في إيقاعه، لكنه ثابت في اتجاهه.

المغرب ليس بلدًا طارئًا في تاريخ الإسلام ولا في الجغرافيا العربية. هو المغرب الأقصى بالمعنى الحضاري قبل الجغرافي: أقصى الامتداد الغربي للحضارة الإسلامية، وبوابة تفاعلها مع أوروبا وإفريقيا، ورافعة من روافع العروبة والإسلام عبر قرون. منه خرج العلماء والفقهاء والرحالة، وفيه تأسست جامعة القرويين، أقدم جامعة ما تزال قائمة في العالم، شاهدة على أن الاعتدال المعرفي والعقلاني كان جزءًا أصيلًا من تكوين هذا البلد.

كرة القدم، في هذا السياق، لم تكن إلا مرآة عاكسة. ما كشفه اللاعب المغربي في الدوحة أو في ملاعب إفريقيا لم يكن مجرد مهارة أو لياقة، بل منظومة قيم. رأينا منتخبًا ينافس بشراسة دون انزلاق أخلاقي، ويقاتل حتى اللحظة الأخيرة دون فقدان للروح الرياضية. رأينا لاعبين يقبّلون رؤوس أمهاتهم، يرفعونهن إلى منصة المجد، ويعيدون الاعتبار لقيمة الأم في زمن الاستهلاك الإعلامي السريع. كان مشهدًا إنسانيًا بليغًا، لا يقل عمقًا عن أي خطاب فكري أو سياسي.

هذه الأخلاق ليست مصادفة. إنها امتداد لثقافة مغربية ضاربة في الجذور: ثقافة الضيافة، والتواضع، والتوازن بين الأصالة والتحديث. المغرب، بخلاف تجارب عربية أخرى، اختار أن يقود نهضته بهدوء. لا شعارات كبرى، ولا قفز في المجهول، بل إصلاحات تراكمية، سياسية واقتصادية وفكرية، تحاول باستمرار أن تمسك العصا من الوسط: بين الدين والدولة، بين التراث والحداثة، بين الانفتاح والحفاظ على الهوية.

سياسيًا، شكّل المغرب واحة اعتدال في محيط إقليمي مضطرب. لم يكن محايدًا بالمعنى الأخلاقي، لكنه كان حذرًا في خياراته، مدركًا أن الاستقرار ليس نقيضًا للكرامة، وأن الإصلاح أحيانًا يحتاج نفسًا طويلًا. هذا الاعتدال، الذي قد يُساء فهمه أحيانًا، هو في جوهره تعبير عن عقل تاريخي خبر الانكسارات وتعلم من التجارب.

إن ما فعله المغرب في ملاعب كرة القدم هو ما يفعله منذ عقود في السياسة والفكر: الحضور الهادئ، الأداء المتقن، والقدرة على كسب الاحترام قبل التصفيق. ولذلك، حين نفرح لفوز رياضي مغربي، فإننا في العمق نحتفي بنموذج عربي ممكن، لا يصرخ، لا يزايد، لكنه يراكم.

المغرب الأقصى ليس مجرد فريق فاز بكأس أو نافس على بطولة. إنه فكرة: فكرة أن النهضة لا تحتاج ضجيجًا، وأن الأخلاق يمكن أن تكون جزءًا من القوة، وأن العروبة والإسلام قادران، حين يتحرران من التطرف والادعاء، على إنتاج الجمال. حتى في كرة القدم.

وطبعًا، سيسألني صديقٌ، وربما أكثر من صديق: هل يُسمّى التطبيع مع احتلال يقتل الفلسطينيين على مدار الساعة حكمةً واعتدالًا؟

وسأجيبه، بمنتهى الثقة واليقين: إن أي علاقة مع احتلال مجرم، غاصب، قاتل، لن تكون يومًا مقبولة أخلاقيًا أو إنسانيًا، لا سياسيًا ولا حضاريًا، لا سيما إذا جاءت من أخٍ في الدين، وشريكٍ في اللغة، ورفيقٍ في المصير التاريخي. ففلسطين ليست ملفًا دبلوماسيًا، بل معيارًا أخلاقيًا، ومن يسقط فيه يسقط كثيرًا.

غير أن الإنصاف يقتضي القول إن موقف الدولة شيء، وموقف الشعب شيء آخر، والمغاربة عبّروا، بوضوح لا لبس فيه، عن موقعهم الحقيقي من هذه القضية. كانوا – وربما ما زالوا – الشعب العربي الوحيد الذي ظل يخرج إلى الشوارع بالآلاف، بلا كلل ولا ملل، يهتف لفلسطين، يرفض الإبادة، ويعلن انحيازه الصريح للمقاومة بوصفها حقًا مشروعًا في مواجهة احتلال إحلالي عنصري. لم تكن فلسطين عند المغاربة “قضية خارجية”، بل جرحًا داخليًا، وواجبًا أخلاقيًا، وامتدادًا طبيعيًا لهويتهم.

وهنا تتجلى إحدى مفارقات المغرب الجميلة: دولة تحاول إدارة توازنات صعبة في عالم قاسٍ، وشعب يحتفظ ببوصلة أخلاقية لا تخطئ الاتجاه. وهذا في ذاته دليل على حيوية المجتمع المغربي، وعلى أن الاعتدال لا يعني الخنوع، وأن الحكمة لا تعني التخلي عن الثوابت. فالمغاربة، وهم يرفعون علم فلسطين في الرباط والدار البيضاء وطنجة، إنما يذكّرون الجميع بأن العروبة ليست شعارًا، بل التزامًا، وأن الإسلام ليس طقسًا، بل موقفًا.

وحين نعود إلى التاريخ، نجد أن للمغاربة بابًا في القدس، ليس مجازًا بل حقيقة: باب المغاربة. بابٌ فتحه صلاح الدين الأيوبي تكريمًا لهم، لأنهم كانوا في قلب معركة التحرير، سيفًا وفكرًا ورباطًا. ذلك الباب ليس حجرًا فقط، بل رمز لدور حضاري لم ينقطع، وإن حاولت السياسة أحيانًا أن تربكه أو تؤجله. باب المغاربة هو الذاكرة التي تقول إن المغرب كان هنا، وسيبقى هنا، ما بقي للقدس معنى.

من باب المغاربة نطل على الماضي فنرى القوافل والعلماء والمجاهدين، ونطل على المستقبل فنرى أجيالًا جديدة تهتف لفلسطين بلغات العصر وأدواته، دون أن تنسى جذورها. هناك، عند ذلك الباب، يلتقي التاريخ بالرياضة، والفكر بالسياسة، والأخلاق بالفعل اليومي. وهناك نفهم أن المغرب، وهو يقود نهضته ببطء وثبات، لا يفعل ذلك خارج قضايا أمته، بل من داخلها، وبضميرٍ حيّ، مهما حاولت اللحظة السياسية أن تُربك الصورة.

هكذا يبقى المغرب الأقصى: رافعة حضارية، وواحة اعتدال، وذاكرة مقاومة، وبابًا مفتوحًا… اسمه باب المغاربة، لا يُغلق في وجه فلسطين، ولا في وجه المستقبل.

مساحة إعلانية