رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمل عبدالملك

[email protected]
@amalabdulmalik

مساحة إعلانية

مقالات

252

أمل عبدالملك

سقوط الأقنعة الأخلاقية

08 فبراير 2026 , 01:38ص

شكّلت قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكبر الفضائح الأخلاقية والقانونية في العصر الحديث، بعدما كشفت التحقيقات تورطه في شبكة واسعة من الاستغلال الجنسي لفتيات قاصرات، بمشاركة أو تواطؤ شخصيات نافذة من عالم المال والسياسة والإعلام، لم تكن الصدمة في حجم الجرائم فحسب، بل في طبيعة العلاقات التي مكّنت هذه الممارسات من الاستمرار لسنوات طويلة دون محاسبة حاسمة، الأمر الذي أثار تساؤلات عميقة حول العدالة، والنفوذ، وحدود المساءلة في المجتمعات الغربية.

في الغرب، كانت ردود الفعل الشعبية والإعلامية قوية ومتباينة، فقد شهدت وسائل الإعلام تغطية واسعة، وطالبت قطاعات واسعة من الرأي العام بكشف جميع المتورطين دون استثناء، باعتبار أن العدالة يجب أن تكون فوق النفوذ والسلطة، وفي الوقت نفسه، ظهرت انتقادات تتعلق بتأخر المحاسبة، وبوجود ما اعتبره البعض “حماية غير مباشرة” نتيجة المكانة الاجتماعية والاقتصادية لبعض الشخصيات المرتبطة بالقضية، هذه الانتقادات لم تأتِ من خارج المجتمعات الغربية فقط، بل من داخلها أيضًا، حيث عبّر صحفيون وناشطون عن قلقهم من تأثير المال والنفوذ على مسار العدالة. وتطرح هذه القضية سؤالًا مهمًا يتعلق بالمعايير الإعلامية والسياسية العالمية: كيف كان يمكن أن يكون رد الفعل لو أن جرائم مشابهة ارتكبها أفراد ينتمون إلى خلفية دينية أو ثقافية مختلفة، خصوصًا من المسلمين؟ يلاحظ بعض المحللين أن الجرائم التي يرتكبها أفراد مسلمون غالبًا ما تُربط في الخطاب الإعلامي الأوسع بخلفيتهم الدينية أو الثقافية، بينما يتم التعامل مع جرائم أفراد من خلفيات أخرى باعتبارها أفعالًا فردية لا تمثل مجتمعاتهم بأكملها، هذه الملاحظة تفتح باب النقاش حول أهمية العدالة المتوازنة، التي ترفض التعميم وتحاسب الأفراد وفق أفعالهم، لا وفق هوياتهم.

في المقابل، تكشف هذه الفضائح حقيقة إنسانية مهمة، وهي أن الانحراف الأخلاقي ليس حكرًا على مجتمع دون آخر، وأن التقدم المادي أو العلمي لا يعني بالضرورة الكمال الأخلاقي، فالمجتمعات، مهما بلغت من تطور، تبقى عرضة للخطأ والانحراف، ما يجعل القيم الأخلاقية والتربية السليمة عنصرًا أساسيًا في حماية الإنسان والمجتمع.

ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون أن هذه الأحداث تمثل فرصة للتأمل في أهمية المنظومات الأخلاقية والدينية التي تؤكد على كرامة الإنسان، وتحريم الظلم والاستغلال، ومحاسبة المعتدي بغض النظر عن مكانته، في الإسلام، على سبيل المثال، يقوم البناء الأخلاقي على مبادئ واضحة، مثل تحريم الاعتداء، ووجوب حفظ الكرامة الإنسانية، وتحقيق العدالة دون تمييز، هذه القيم لا تقتصر على مجتمع معين، بل تقدم نموذجًا أخلاقيًا عالميًا يهدف إلى حماية الإنسان من الاستغلال والانحراف.

كما تدعو هذه القضية إلى إعادة النظر في فكرة الانبهار غير النقدي بأي حضارة أو نموذج، والتأكيد على أن التقدم الحقيقي هو التوازن بين التطور المادي والقيم الأخلاقية، فالحكمة تقتضي الاستفادة من إنجازات الآخرين في العلم والتنظيم، مع الحفاظ على الثوابت الأخلاقية التي تشكل أساس استقرار المجتمعات.

في النهاية، تبقى قضية إبستين تذكيرًا قويًا بأن العدالة والأخلاق مسؤولية إنسانية مشتركة، وأن المجتمعات القوية ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي تواجهها بشفافية، وتحاسب مرتكبيها، وتتمسك بالقيم التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون إنسانيته.

مساحة إعلانية