رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا نقيًا يُعاش من الداخل، بل يكشفه ككيانٍ مُعاد الصياغة عبر شبكاتٍ من القياس المسبق والتأويل الخوارزمي. إحساسُ اللحظة لا يصل خامًا، بل مُحمَّلًا بقراءاتٍ سبقت التجربة وأعادت ترتيب معناها، حتى يغدو الجسد نتيجة تحليلٍ مستمر لا معطىً بريئًا للخبرة. والإحساس بهذا المعنى لم يعد مرجعًا نهائيًا للحقيقة الجسدية، بل صوتًا داخل نسقٍ من مؤشرات تُعيد تعريف الحيّ بوصفه قابلًا للحساب. وفي هذا الانزياح، لا يتبدّل ما نعرفه عن الجسد فقط، بل يتبدّل شكل المعرفة نفسه: هل نختبر ذواتنا كما هي، أم كما تُعاد صياغتها في لغة الأرقام؟ هنا يبدأ «التكميم الرقمي» بوصفه انتقالًا من الجسد كخبرةٍ ومعنى، إلى الجسد كإشارةٍ وقراءة.
إن الجسد في العصر الرقمي لم يعد يُختبر بوصفه واقعة حسّية خالصة، بل كمنظومة إشارات قابلة للالتقاط والمعالجة. ما كان يُدرك عبر التعب أو الخفة أو القلق، يُعاد اليوم تمثيله في هيئة أرقام ومخططات واحتمالات. الخوارزمية لا تكتفي بتسجيل ما يحدث، بل تعيد ترتيب معناه؛ فهي تمنح المؤشر أولوية على الشعور، والقياس أفضلية على الحدس، والتنبؤ مكانة تتقدم على التجربة المباشرة.
هنا تبدو العلاقة بين الإنسان وجسده أبعد من علاقة سكنٍ داخلي، بل علاقة إدارة مستمرة. فالأجهزة الذكية، والساعات القابلة للارتداء، وتطبيقات تتبع المؤشرات الحيوية، تؤسس لنمط جديد من الوعي: وعيٍ يُبنى من الخارج إلى الداخل. يتكوّن الإدراك الذاتي عبر شاشة، وتُصاغ الطمأنينة أو القلق استنادًا إلى قراءة رقمية، لا إلى إحساس عابر. وهكذا ينتقل مركز الثقل من الذات إلى نظام القياس، ومن الخبرة الحيّة إلى التفسير الخوارزمي.
بالتالي فإن هذا التحول لا يقتصر على تتبّع النشاط البدني، بل يمتد إلى تخوم القرار الطبي ذاته. فالتقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي باتت تُنتج تقديرات مبكرة للمخاطر، وتُنشئ نماذج تنبؤية تُعيد تعريف مفهوم الوقاية. لم يعد الطب ينتظر ظهور العرض كي يتدخل؛ بل يسعى إلى رصد احتماله قبل أن يتجسد. الجسد، في هذه اللحظة، يصبح مصدر بيانات متدفقة، تُغذّي أنظمة تحليل تتعامل معه كحقل احتمالات مفتوح.
غير أن السؤال الأعمق لا يتعلّق بدقة هذه القياسات، بل بآثارها المعرفية والوجودية: ماذا يحدث حين يتقدّم التفسير الرقمي على التجربة؟ وحين يُعاد تشكيل الثقة في الذات عبر مؤشرات خارجية؟ هنا يتبدّل موقع الإنسان من فاعلٍ يختبر جسده إلى مراقبٍ ينتظر قراءة عنه. ومن هذا المنعطف يبدأ «التكميم الرقمي» لا كعملية تقنية فحسب، بل كإعادة ترتيب لعلاقة الإنسان بحدوده البيولوجية ومعنى حضوره الجسدي.
ليس ما يجري مجرد تطوّر تقني عابر، بل هو جزء من إعادة تشكيل اقتصادية واسعة لقطاع الصحة الرقمية. تشير تقديرات حديثة إلى أنّ سوق الأجهزة الطبية القابلة للارتداء تراوح بين 45 و55 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بنمو سنوي مركب يتجاوز 20%، ما قد يدفعه إلى حدود 150–170 مليار دولار قبل عام 2030. أمّا سوق التكنولوجيا القابلة للارتداء بمفهومه الأوسع – الذي يشمل الساعات الذكية، وأساور تتبّع النشاط، والمجسّات الحيوية المنزلية – فقد تجاوز بالفعل عتبة 180 مليار دولار عالميًا، ويتجه ليقترب من 300–350 مليار دولار مع نهاية العقد الحالي وفق تقديرات مؤسسات أبحاث السوق الدولية.
هذه الأرقام لا تعبّر عن تحوّل في سلوك المستهلكين فحسب، بل تكشف عن اندفاع استثماري كثيف من شركات التكنولوجيا الكبرى – مثل Apple وGoogle وSamsung إلى جانب صناديق رأس المال الجريء التي ترى في الصحة الرقمية أحد أعمدة اقتصاد البيانات المقبل. فالأجهزة القابلة للارتداء لم تعد مجرد ملحقات ذكية، بل تحوّلت إلى منصّات جمع بيانات حيوية عالية القيمة، تُغذّي نماذج تحليلية وتطبيقات تأمين صحي وخدمات تنبؤية جديدة.
غير أنّ تصاعد الاستثمار يوازيه تصاعد في حساسية الأسئلة المؤجلة. فهذه الأجهزة، مهما بلغت دقتها، لا تعمل داخل فراغ طبي محايد، بل ضمن بيئات خوارزمية تُصمَّم وتُحدَّث وفق اعتبارات تجارية وتقنية محددة. هنا يصبح الحدّ الفاصل بين «المعلومة الصحية الإرشادية» و»الإيحاء الطبي» حدًا هشًا؛ إذ قد ينتج عن قراءة ناقصة اطمئنان زائف، فيما قد يقود إنذار خوارزمي مبالغ فيه إلى قلق مفرط أو تدخلات غير ضرورية. وبين هذين الطرفين يتشكّل مجال رمادي، تتقاطع فيه اعتبارات السوق مع قرارات تمسّ الجسد مباشرة.
في هذا السياق، لا يقتصر التحدي على دقة المستشعر أو كفاءة الخوارزمية، بل يمتد إلى سؤال الحوكمة والمعايير والمساءلة: من يحدّد حدود التفسير؟ ومن يملك حق تحويل الإشارة الرقمية إلى توصية تُغيّر سلوك الإنسان أو قراره الصحي؟ هنا تتكشّف أبعاد «التكميم الرقمي» بوصفه مسارًا اقتصاديًا ومعرفيًا في آنٍ واحد، لا مجرد تطور في أدوات القياس.
هذا الأمر لا يتوقف عند دقة القياس، بل يمتد إلى ملكية البيانات. فالمعلومات الصحية، وهي من أكثر أنواع البيانات خصوصية، باتت تُجمع خارج المؤسسات الطبية التقليدية، وتُخزن في منصات رقمية عابرة للحدود. وفي ظل تفاوت الأطر التنظيمية بين الدول، يبرز خطر تحوّل هذه البيانات إلى مورد تجاري، أو إلى أداة غير مباشرة للفرز والتمييز، سواء في التأمين أو التوظيف أو تقييم ما بات يُعرف بـ»الجدارة الصحية» للأفراد.
عودٌ على بدء، فإن ما يسمى «التكميم الرقمي» لا يعني مجرد تحويل الجسد إلى أرقام، بل إعادة صياغة الإنسان ضمن منطق القياس الدائم. إنّه انتقال من كائن يعيش خبرته عبر الإحساس والتأويل، إلى كيان يُعاد تعريفه عبر مؤشرات ومعادلات واحتمالات. في هذا التحول، لا يُختزل الجسد فحسب، بل يُعاد ترتيب معنى الذات ذاتها: ما يُقاس يكتسب أولوية، وما لا يُرصد يتراجع إلى الهامش. هنا يتشكّل «الإنسان بعد التكميم الرقمي» بوصفه إنسانًا محاطًا بقراءات عنه، تُضيء بعض أبعاده لكنها قد تُظلِم أبعادًا أخرى، في مفارقةٍ تجعل الدقة التقنية تتقدّم أحيانًا على عمق الفهم.
رمضان.. الصمت الذي يروي القلب
يطل رمضان بهدوئه الخاص، وكأن الزمن نفسه يتباطأ ليمنحنا فرصة للنظر داخل أنفسنا، والاستماع إلى أصوات قلوبنا. الصيام... اقرأ المزيد
108
| 20 فبراير 2026
نحو بيئة داعمة للذكاء الاجتماعي المبكر
يُعد الذكاء الاجتماعي إحدى الركائز الأساسية في بناء شخصية الطفل المتكاملة، خاصة في الصفوف الأولى من التعليم، حيث... اقرأ المزيد
57
| 20 فبراير 2026
تحديات الحضانة
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل مكانة أساسية في تعزيز استقرار المجتمع القطري، ودعم تماسكه، إذ... اقرأ المزيد
57
| 20 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6540
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
972
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
810
| 18 فبراير 2026