رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

186

عادل الحامدي

هل دخلت العدالة الدولية قفص الاتهام؟

26 يوليو 2026 , 11:13م

لم يكن كريم خان مجرد موظف دولي يشغل منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بل أصبح، شاء أم أبى، وجهاً لصراع أكبر من شخصه، وأوسع من المؤسسة التي يمثلها. فمنذ أن طرق باب المساءلة في ملف غزة، بدا وكأن العدالة الدولية نفسها دخلت منطقة محظورة، حيث تتداخل السياسة بالقانون، وتتصارع المبادئ مع المصالح، وتصبح الحقيقة رهينة موازين القوة.

قد تثبت الاتهامات الموجهة إلى خان، وقد تسقط أمام القضاء، فالأصل أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته. لكن ما يثير الريبة ليس الاتهامات في حد ذاتها، وإنما السياق الذي وُلدت فيه، والتوقيت الذي تضخمت فيه، والنتيجة التي انتهت إليها. ففي عالم السياسة، لا تُقرأ الوقائع منفصلة عن سياقاتها، لأن الزمن نفسه قد يكون شاهداً، وقد يكون دليلاً.

منذ أن أصدر كريم خان مذكرتي التوقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، دخلت المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة غير مسبوقة مع قوى دولية نافذة. لم تعد القضية تتعلق فقط بتفسير مواد نظام روما، بل أصبحت تمس توازنات النظام الدولي، وحدود ما يسمح به الأقوياء من عدالة، وما يرفضونه إذا اقتربت من حلفائهم.

لم يكن سراً أن الولايات المتحدة رفضت اختصاص المحكمة في هذه القضية، وذهبت إلى فرض عقوبات على مسؤولين فيها، كما لم يكن خافياً ما كشفته لاحقاً تقارير وتصريحات عن ضغوط مورست على المحكمة وعلى المدعي العام. وعندما تتراكم هذه الوقائع، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الرأي العام: هل نحن أمام مساءلة قانونية خالصة، أم أمام معركة سياسية تستخدم فيها الأدوات القانونية؟

لقد ولدت المحكمة الجنائية الدولية على أنقاض قرن امتلأ بالمجازر، وكانت الفكرة بسيطة وعظيمة في آن واحد: ألا يكون هناك مجرم حرب فوق القانون. غير أن الطريق من الفكرة إلى التطبيق كان دائماً محفوفاً بالعوائق. فالمحكمة التي حاكمت قادة من دول ضعيفة، وجدت نفسها كلما اقتربت من القوى الكبرى أو حلفائها، تواجه حصاراً سياسياً وإعلامياً ومالياً، وكأن العدالة مسموح لها أن تعمل، شرط ألا تمس أصحاب النفوذ.

وهنا تكمن المعضلة الأخلاقية قبل أن تكون القانونية. فالعالم لا يقيس استقلال القضاء بما يقوله القضاة عن أنفسهم، وإنما بقدرتهم على مقاومة الضغوط عندما تكون كلفة الاستقلال باهظة. وإذا ترسخ الانطباع بأن المدعي العام الذي يقترب من ملفات حساسة ينتهي معزولاً أو محاصراً، فإن الرسالة التي تصل إلى كل مسؤول دولي ستكون واضحة: حدود العدالة ترسمها السياسة.

ولعل ما يزيد من قتامة المشهد أن هذه التطورات تأتي بينما لا تزال غزة تنزف، ولا تزال صور الأطفال تحت الركام تلاحق ضمير الإنسانية. ملايين البشر لم يكونوا يتابعون تفاصيل الإجراءات القانونية، بقدر ما كانوا يبحثون عن إشارة واحدة تؤكد أن العالم لم يفقد بوصلته الأخلاقية، وأن القانون ما زال قادراً على حماية الضعفاء، ولو رمزياً. لكن ما جرى أعاد إنتاج السؤال القديم: هل العدالة الدولية ميزان واحد، أم موازين متعددة تختلف باختلاف هوية الضحية وهوية المتهم؟

إن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات تستطيع أن تؤجل العدالة، لكنها لا تستطيع أن تلغيها. فكم من قوة ظنت أن نفوذها أبدي، ثم تحولت إلى فصل في كتب التاريخ، بينما بقيت ذاكرة الضحايا حية. العدالة قد تتعثر، وقد تُحاصر، وقد تُستغل أحياناً، لكنها تظل فكرة عصية على الموت، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلاً وهو يؤمن بأن القوة وحدها هي التي تصنع الحق.

إن القضية اليوم ليست قضية كريم خان، بل قضية المحكمة الجنائية الدولية نفسها، بل قضية النظام الدولي الذي يرفع راية القانون ثم يتردد في الدفاع عنها عندما تتعارض مع مصالح الكبار. فإذا فقدت المحكمة ثقة الشعوب، فلن يكون ذلك بسبب شخص غادر منصبه، وإنما لأن الناس سيقتنعون بأن القانون لم يعد سيداً، بل تابعاً.

وحين تصل البشرية إلى هذه القناعة، فإن الخسارة لن تكون خسارة مؤسسة أو مسؤول، بل خسارة آخر الأوهام الجميلة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية؛ الوهم الذي قال إن الإنسانية تعلمت من مآسيها، وإن الدم البشري أصبح متساوياً في ميزان العدالة.

ويبقى السؤال معلقاً، لا أمام المحكمة وحدها، بل أمام العالم كله: من يحاكم الذين يحاكمون العدالة؟ ومن يعيد الثقة إلى قانون دولي يفقد، يوماً بعد يوم، هيبته الأخلاقية قبل سلطته القانونية؟

مساحة إعلانية