رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

246

عادل الحامدي

حين فرحت غزة بانتصار إسبانيا

20 يوليو 2026 , 10:44م

لم تكن ليلة تتويج إسبانيا بكأس العالم مجرد لحظة رياضية عابرة بالنسبة لكثير من الفلسطينيين والعرب، ولا مجرد نتيجة على لوحة ملعب انتهت بصافرة حكم. ففي الوقت الذي كانت فيه القنابل تسقط على غزة، وكانت أصوات الطائرات الحربية تختلط بأصوات النازحين والثكالى، وجد آلاف الفلسطينيين في انتصار المنتخب الإسباني مساحة نادرة للفرح، ورسالة رمزية تتجاوز حدود كرة القدم إلى معاني العدالة والتضامن والإنسانية.

قد يبدو غريباً أن يبحث شعب يعيش تحت القصف عن لحظة ابتهاج في مباراة كرة قدم، لكن التاريخ الفلسطيني لطالما كان شاهداً على أن الإنسان لا يتخلى عن حقه في الفرح حتى في أحلك الظروف. فالفرح في زمن المأساة ليس ترفاً، بل فعل مقاومة للحصار النفسي ومحاولة للتمسك بالحياة في مواجهة محاولات تحويل الإنسان إلى مجرد رقم في نشرات الأخبار.

لم يكن انحياز الفلسطينيين لإسبانيا وليد تسعين دقيقة في ملعب، بل جاء امتداداً لصورة سياسية وإنسانية تشكلت خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتبط اسم إسبانيا، في الوعي الفلسطيني والعربي، بمواقف سياسية أكثر قرباً من خطاب العدالة الدولية، وبأصوات داخل المجتمع الإسباني رفعت شعارات التضامن مع فلسطين، وخرجت في مظاهرات واسعة تندد بالحرب على غزة وتطالب بوقف قتل المدنيين.

وفي خضم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون، تحولت رايات إسبانيا التي رفعت في شوارع غزة والضفة ومخيمات اللجوء إلى أكثر من احتفاء رياضي؛ فقد حملت معنى رمزياً يتعلق بالبحث عن صوت آخر في عالم بدا لكثيرين عاجزاً عن وقف نزيف الدم الفلسطيني. كانت لحظة شعر فيها البعض بأن هناك شعوباً ما زالت ترى الإنسان قبل الحسابات السياسية، وترى في معاناة المدنيين قضية أخلاقية لا مجرد ملف دبلوماسي.

ولم تكن المفارقة غائبة عن المشهد. ففي المدينة التي أنجبت الشاعر الفلسطيني معين بسيسو، الذي حمل غزة إلى القصيدة وجعل من معاناة شعبه جزءاً من الذاكرة الإنسانية، كانت أصوات الاحتفال تتحدى واقعاً قاسياً من الدمار والخوف. غزة التي عرفت كيف تحول الألم إلى شعر، وكيف تجعل من الصمود لغة يومية، وجدت في انتصار رياضي عابر لحظة لاستعادة شيء من الحياة التي تحاول الحرب انتزاعها.

لقد كان التعاطف مع المنتخب الإسباني أيضاً تعبيراً عن صورة أوسع في العالم العربي، حيث وجد كثيرون في إسبانيا نموذجاً لدولة أوروبية اختارت، في لحظات عديدة، اتخاذ مواقف أكثر استقلالية عن المزاج السياسي الغربي التقليدي تجاه القضية الفلسطينية. وقد تعزز هذا الشعور مع مواقف الحكومة الإسبانية التي دعت إلى الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، وانتقدت سياسات الاحتلال، وطالبت بحماية المدنيين.

لكن المسألة لا تتعلق بإسبانيا وحدها، ولا بالسياسة الرسمية فقط. فالرياضة كثيراً ما تتحول إلى مرآة تعكس الصراعات والقيم التي تعيشها المجتمعات. وكما حمل لاعبون فلسطينيون وعرب في مناسبات رياضية سابقة أعلام فلسطين إلى منصات عالمية، وكما رفع لاعبو المنتخب المغربي العلم الفلسطيني خلال مونديال قطر، فإن الملعب لم يعد مجرد مساحة للتنافس، بل أصبح أيضاً مساحة للتعبير عن الهوية والذاكرة والمواقف الإنسانية.

في المقابل، فإن انحياز الفلسطينيين لإسبانيا لا يعني بالضرورة خصومة مع الشعب الأرجنتيني أو إنكاراً لمكانة الكرة الأرجنتينية وتاريخها الكبير. فالجماهير لا تختار دائماً منطقياً أو وفق حسابات رياضية بحتة؛ أحياناً تختار وفق الرموز والمعاني التي تراها في اللحظة التاريخية. وفي زمن الحرب، تصبح الإشارات الصغيرة ذات أثر كبير، وتتحول التفاصيل إلى رسائل.

لقد أثبتت هذه اللحظة مرة أخرى أن كرة القدم أكبر من كونها لعبة. فهي قد تصبح لغة مشتركة بين شعوب بعيدة، ومنصة تعبر من خلالها المجتمعات عن أحلامها وغضبها وآمالها. وقد تكون أحياناً الملاذ الأخير لشعب محاصر يبحث عن نافذة يرى منها العالم بصورة مختلفة.

فرحة الفلسطينيين بانتصار إسبانيا لم تكن هروباً من واقعهم، بل كانت عودة مؤقتة إلى إنسانيتهم التي تحاول الحرب سحقها. ففي وسط الركام، أرادوا أن يقولوا إنهم ما زالوا قادرين على الفرح، وأن الإنسان الذي يفقد بيته أو أحباءه لا يفقد بالضرورة حقه في لحظة ابتسام.

وربما تكون الرسالة الأعمق في تلك الليلة أن الشعوب لا تُقاس فقط بما تحمله من آلام، بل أيضاً بقدرتها على الاحتفاظ بالأمل. فحتى تحت القصف، يمكن لكرة تتدحرج في ملعب بعيد أن تصل إلى قلب مدينة محاصرة، وتحمل معها لحظة فرح صغيرة تقول إن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تقاوم.

مساحة إعلانية