رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست قيمة الثورات في أنها تبدّل الحكام فحسب، بل في أنها تغيّر أخلاق المجال العام. وأخطر ما يمكن أن يحدث بعد سقوط الاستبداد أن تنتقل أدواته من يد إلى أخرى، وأن يبقى المنطق نفسه، وإن تغيّرت الشعارات والأسماء.
ومن هذا الباب، تبدو الطريقة التي يجري بها التعاطي مع اتحاد الكتاب العرب في سوريا، وما رافقها من منح عضوية شرف لاتحاد كتاب سوريا الأحرار، مناسبة للتأمل أكثر منها مناسبة للاصطفاف. فالقضية لا تتعلق بمؤسسة ثقافية فحسب، وإنما بالسؤال الأكبر: كيف ينبغي للدولة الجديدة أن تنظر إلى الثقافة؟ وكيف ينبغي للكتّاب أنفسهم أن يتعاملوا مع ماضيهم المختلف؟
قد يكون من الطبيعي أن يشعر كثيرون بالمرارة تجاه مؤسسة تحولت، عبر عقود، إلى أحد الأذرع الثقافية للنظام السابق، وأن يتطلعوا إلى قطيعة واضحة مع إرثها. فهذا الاتحاد، في مراحل طويلة، لم يكن مجرد بيت للأدباء، بل كان، في كثير من الأحيان، جزءاً من البنية الرمزية التي منحت الاستبداد غطاءً ثقافياً، وأقصت أصواتاً كثيرة دفعت ثمن استقلالها نفياً وسجناً ومنعاً.
لكن من الطبيعي أيضاً ألا تتحول لحظة التحرر إلى لحظة تشفٍّ.
فآخر ما ينبغي أن يتميز به الكاتب هو التشفي.
الكاتب، بحكم مهنته الأخلاقية قبل موهبته الفنية، مطالب بأن يرى الإنسان حتى في خصمه، وأن يدافع عن العدالة لا عن الانتقام، وعن الحقيقة لا عن تصفية الحسابات. وإذا كان السياسي قد يجد في الإقصاء وسيلة لإدارة الصراع، فإن الكاتب يفقد شيئاً من جوهره كلما اقترب من هذه الغريزة.
فالكتابة، في جوهرها، فعل تجاوز لا فعل ثأر.
ولعل أكثر ما يميز المبدع الحقيقي هو فرادته. إنه لا يعيش داخل القطيع، حتى لو كان هذا القطيع على حق. إنه يحتفظ دائماً بمسافة نقدية بينه وبين السلطة، أي سلطة، وبين الجماعة، أي جماعة. ولذلك كانت علاقة الإبداع بالتبعية علاقة ملتبسة عبر التاريخ.
فالكاتب الذي يتحول إلى موظف سياسي، مهما كانت القضية التي يدافع عنها نبيلة، يخسر جزءاً من حريته، ومع الوقت يخسر شيئاً من تأثيره أيضاً. إذ يصبح صوته متوقعاً، وموقفه معروفاً سلفاً، فتغيب عنه المفاجأة التي هي روح الأدب، ويذبل فيه السؤال الذي هو روح الفكر.
ليست المشكلة أن يكون للكاتب موقف سياسي، فالأدب العظيم لم يولد في الفراغ، وإنما المشكلة أن تتحول السياسة إلى وصي على الخيال، أو أن تتحول المؤسسة الحزبية إلى مرجعية نهائية للضمير الثقافي.
ولعل التجربة السورية تقدم نماذج بالغة الدلالة.
فالمفكر الطيب تيزيني، الذي ظل سنوات محسوباً على الفضاء الفكري اليساري القريب من السلطة في بعض مراحله، انتهى به الأمر إلى الوقوف مع مطالب الحرية حين انفجرت الثورة، مدركاً أن الفكر إذا لم ينحز إلى الإنسان فقد قيمته كلها.
وكذلك فعل صادق جلال العظم، الذي لم يكن خصماً تقليدياً للنظام في كل مراحل حياته، لكنه لم يتردد في إعلان موقف واضح إلى جانب الثورة عندما أصبحت الدماء السورية هي الحقيقة الكبرى التي لا يجوز للفيلسوف أن يتجاوزها.
ولم يكن هذان النموذجان استثناءً كاملاً. فقد عرف الوسط الثقافي السوري عدداً من المثقفين والكتّاب اليساريين الذين استفادوا، بدرجات متفاوتة، من فضاء حكم البعث ومؤسساته الثقافية، لكنهم عندما تحولت البلاد إلى ساحات قتل واعتقال وتهجير، اكتشفوا أن الانتماء الأخلاقي أعلى من الانتماء الحزبي، وأن الدم يعيد ترتيب الأولويات كلها.
وهنا تكمن قيمة المثقف الحقيقي. إنه لا يقاس بعدد بيانات التأييد التي كتبها، ولا بعدد المناصب الثقافية التي شغلها، بل بقدرته على مراجعة نفسه عندما تتغير الوقائع، وبشجاعته في الاعتراف بأن الإنسان أهم من الأيديولوجيا.
ولهذا، فإن الدولة السورية الجديدة ستكون أمام اختبار بالغ الحساسية.
هل ستبني مؤسسات ثقافية مستقلة، يتساوى فيها الجميع أمام معايير الإبداع والكفاءة؟ أم ستستبدل ولاءً بولاء، واتحاداً باتحاد، وقائمة سوداء بقائمة أخرى؟
إن منح التكريم أو عضوية الشرف لأي كيان ثقافي قد يحمل دلالة رمزية مفهومة في سياق الاعتراف بتضحيات كتّاب حُرموا طويلاً من حقهم الطبيعي في التعبير، لكن هذا الاعتراف يفقد جزءاً من معناه إذا تحول إلى إعلان انتصار فريق ثقافي على فريق آخر. فالثقافة ليست ساحة غلبة، وإنما فضاء تعدد.
لقد عانت سوريا طويلاً من اتحادات تكتب وفق ما تريده السلطة، لا وفق ما يمليه الضمير. ولن يكون من الحكمة أن تنتقل من نموذج يحتكر الثقافة باسم الدولة إلى نموذج يحتكرها باسم الثورة.
فالحرية لا تتجزأ.
والمؤسسة الثقافية التي تولد من رحم الحرية يجب أن تتسع لكل صاحب قلم، مهما اختلفت خلفيته، ما دام لم تتلطخ يده بالتحريض على القتل أو التبرير المباشر للاستبداد. أما الاختلاف الفكري والسياسي، فهو مادة الثقافة، لا سبب إلغائها.
إن الأمم التي تخرج من الحروب تحتاج إلى ذاكرة عادلة، لا إلى ذاكرة منتقمة.
وتحتاج إلى كتّاب يضمدون الجراح، لا إلى كتّاب يوسعونها.
فالثورات قد تنتصر بالسلاح، لكنها لا تنتصر في التاريخ إلا بالأخلاق.
وأحسب أن الكاتب السوري اليوم أمام فرصة نادرة ليعيد تعريف دوره. ليس بوصفه تابعاً للسلطة الجديدة، ولا ناطقاً باسم المعارضة القديمة، وإنما بوصفه ضميراً مستقلاً للأمة، يراقب الجميع، وينتقد الجميع، وينحاز دائماً إلى الإنسان.
ففي النهاية، لا يبقى من الأنظمة إلا ما تكتبه عنها الكتب، ولا يبقى من الثورات إلا ما يحفظه الأدب.
أما الكاتب، فلا يخلده انتصاره على خصومه، وإنما يخلده انتصاره على نزعة التشفي داخله، وتمسكه بحريته حتى وهو يقف في صف العدالة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5781
| 07 يوليو 2026
سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد عشر لاعباً يساندهم خمسمائة مليون قلب عربي نابض بالأمل في التأهل لدور ربع النهائي. هذه المساندة الجماهيرية ليست رياضيةً فحسب، وإنما هي حبٌّ عظيمٌ لمنتخب الساجدين الذي أحيا الحماسة في شعوب أمتنا عندما عبر المدرب حسام حسن عن النواة الصلبة في ضمائرنا ونفوسنا المتمثلة بفلسطين الحبيبة، حين حمل العلم الفلسطيني في الملعب، فهزَّ وجداننا بالحب لمصر وشعبها اللذينِ لهما مكانةٌ عظيمةٌ في تاريخنا الماضي، وحاضرنا، ومستقبلنا. تابعنا الأداء الفني الرفيع والبطولي المتميز للمنتخب المصري، وشاهدنا الجماهير في مدن وقرى وبوادي ديارنا العربية وهي تسانده بالتشجيع في البيوت والمجمعات الرياضية والمقاهي والساحات، وكأنما كل فرد في أمتنا يشعر شعوراً راسخاً بأن المنتخب يمثله شخصياً، ويمثل مجتمعه المحلي، وأمته المتعطشة لإثبات الوحدة النفسية والعقلية لشعوب تجمعها حضارةٌ مجيدةٌ، ولو كان ذلك من خلال كرة القدم. الذي لفت أنظار العالم هو الحماسة العظيمة لأهلنا في غزة الجريحة الذين تجمعوا بين الخيام والدمار وقد تعلقت قلوبهم بأداء المنتخب المصري، وكيف أرسل إليهم حسام حسن رسالةً تحمل توقيعات قلوب أبناء أمتنا برفع العلم الفلسطيني، مما جعل من مباراة اليوم مع الأرجنتين مباراةً تتابعها شعوبنا وهي تهتف للمنتخب المصري من أعماق قلوبها مؤمنةً بأهمية الفوز لمصر والأمة العربية. نحن ندرك جيداً أن الأداء الفني في المباراة هو الفيصل، ولكننا نؤمن بأن وقود الروح القتالية للاعبي المنتخب المصري هو مساندة الجماهير العربية لهم. ولذلك، نتوجه إليهم برسالة محبةٍ عظيمةٍ ممهورةٍ بثقتنا بجدارتهم بالفوز إن شاء الله. ونقول لهم إننا ننتظر منهم تركيزاً كاملاً، وحضوراً ذهنياً لا يغيب طوال التسعين دقيقة، مع تأكيدنا على ثقتنا بأن الكابتن حسام حسن قادر على استثمار طاقات اللاعبين، وتوظيفهم توظيفاً سليماً يحقق الأمل المنشود من المباراة. الأنظار متجهة إلى الأسطورة الكروية العربية؛ محمد صلاح الذي سيكون الركيزة الأساسية في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية. إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية مانحاً المنتخب خياراتٍ متعددةً وخطورةً مستمرةً نحو مرمى الخصم. كلمةٌ أخيرةٌ: يا لاعبي منتخب مصرنا الحبيبة، حين تسجدون بعد إطلاق صافرة النهاية وقد حققتم الفوز، بإذن الله، ستلامس جباهكم قلوبنا التي كانت معكم في أرضية الملعب.
1452
| 07 يوليو 2026
• في كل صيف، تتكرر الحكاية نفسها؛ وجهات تُقترح، وحقائب تُجهز، وتذاكر تُحجز، وأحاديث لا تنتهي عن لندن وإسطنبول وباريس وسويسرا… وكأن الاستمتاع لا يبدأ إلا بتجهيز الحقائب والعبور من صالة المغادرة. حتى أصبح السفر عند البعض مرادفًا للإجازة، وكأن الوطن يتوقف عن صناعة الفرح مع ارتفاع درجات الحرارة. • لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا: هل المشكلة في حرِّ قطر… أم في نظرتنا إلى الصيف؟ فالاستمتاع ليس درجة حرارة، ولا مدينة على الخريطة، ولا تذكرة سفر، بل ثقافة حياة، ونظرة ترى الجمال فيما نملكه قبل أن تبحث عنه في مكان آخر. • وفي قطر، ورغم حرارة الصيف، لم يترك الوطن هذا الفصل موسمًا للركود، بل هيأ له كل أسباب الراحة والاستمتاع؛ من مرافق حديثة، وشواطئ ومنتجعات، ومساحات ثقافية وترفيهية، إلى بنية تحتية متطورة جعلت الحركة أكثر سهولة وجودة. ولذلك، فإن الصيف ليس موسمًا للهروب من الوطن، بقدر ما هو فرصة لاكتشافه من جديد. • ومع بداية الإجازات الصيفية، تتجه كثير من العائلات إلى مدن أوروبية مثل لندن وباريس ومدن في ألمانيا وسويسرا وغيرها، طلبًا للأجواء المعتدلة والاستجمام. غير أن كثيرًا من المسافرين يفاجؤون بموجات حر صيفية قد تكون أكثر إرهاقًا مما توقعوا، ليس بسبب ارتفاع درجات الحرارة وحدها، بل لأن كثيرًا من المباني القديمة، وبعض الشقق السكنية، والمتاجر الصغيرة، وحتى بعض وسائل النقل، لم تُصمم تاريخيًا للاعتماد الواسع على أجهزة التكييف كما هو الحال في دول الخليج، فيتحول الانتقال بين الأماكن إلى رحلة بحث عن مكان بارد أو نسمة هواء. • أما في قطر، فقد أصبح التكييف جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية حتى اعتدناه ولم نعد نستشعر عظمة هذه النعمة. فمن المنزل إلى السيارة، ومن المواقف إلى المجمعات التجارية، ومن المتاحف إلى المكتبات، ومن المطاعم إلى المقاهي، صُممت معظم المرافق لتوفر بيئة مريحة تجعل الحركة ممكنة مهما ارتفعت درجات الحرارة. إنها نعمة لا يشعر الإنسان بقيمتها إلا عندما يغادرها. • ولذلك لم تعد المجمعات التجارية الكبرى، مثل بلاس ڤاندوم، ودوحة فستيفال سيتي، وڤيلاجيو، وقطر مول، ومشيرب قلب الدوحة، مجرد أماكن للتسوق، بل أصبحت وجهات متكاملة للحياة والترفيه؛ تضم المقاهي والمطاعم، ودور السينما، ومدن الألعاب، والفعاليات، والمعارض، والمساحات التي تستوعب جميع أفراد الأسرة، فيقضي الناس ساعات طويلة بين الحركة والراحة دون أن يشعروا بحرارة الصيف أو ملل الإجازة. • ولا يتوقف جمال الصيف عند المرافق المغلقة، فالبحر في قطر له حكايته الخاصة. فشواطئ سيلين، واللؤلؤة، والمنتجعات البحرية، ومنتجع سلوى، وجزيرة بن غنام، وغيرها من الوجهات، تمنح الأسرة فرصة للاسترخاء والاستمتاع بين زرقة البحر وصفاء السماء، حيث تمتزج الأنشطة البحرية بأجواء الراحة والسكينة، مع توافر مختلف الخدمات التي تجعل قضاء يوم كامل تجربة آمنة وممتعة. • وهناك من يختار أن تكون الإجازة داخل البيت، فيكتشف أن أجمل الرحلات قد تبدأ من خلف الباب. فالبيت ليس مكانًا للنوم فقط، بل مساحة تصنع فيها العائلة أجمل ذكرياتها. تعود الكتب المؤجلة إلى الأرفف، وتُفتح دفاتر الكتابة، وتفوح روائح المعجنات والحلويات، ويشارك الأطفال والديهم إعداد الطعام وترتيب المائدة، فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى ذكريات لا تُنسى. • ومن أجمل ما تحرص عليه كثير من الأسر إعداد برامج صيفية منزلية للأطفال تجمع بين المتعة والفائدة؛ من الرسم، والقراءة، والأشغال اليدوية، والطهي، والعناية بالنباتات، والمشاركة في ترتيب المنزل، فيتعلم الطفل المسؤولية، ويكتسب مهارات جديدة، ويقضي إجازته في بيئة آمنة مليئة بالمحبة والحوار. • كما تزخر قطر ببرامج ثقافية وتعليمية تثري الإجازة الصيفية؛ فمكتبة قطر الوطنية، ومتاحف مشيرب، ومؤسسة قطر، وغيرها من المؤسسات، تقدم برامج وورش عمل تناسب مختلف الأعمار، لتصبح الإجازة فرصة لتنمية العقل، واكتشاف المواهب، وبناء المعرفة، إلى جانب الترفيه والاستمتاع. • ولا يقتصر الأمر على تنوع الوجهات، بل يمتد إلى التخطيط المتواصل لصناعة تجربة سياحية متجددة. فمن خلال حملة زوروا قطر (Visit Qatar)، وتقويم قطر السنوي للفعاليات، أصبحت الأنشطة الثقافية، والترفيهية، والرياضية، والفنية تُنظم على مدار العام، لتمنح المقيم والزائر خيارات متنوعة تناسب جميع الأعمار والاهتمامات. فالصيف في قطر لم يعد موسمًا ساكنًا، بل أصبح موسمًا حافلًا بالمهرجانات، والمخيمات الصيفية، والورش التعليمية، والعروض العائلية، إلى جانب العروض الفندقية والبرامج السياحية التي تجعل من كل فصل تجربة مختلفة. • وتكمن قيمة هذه المبادرات في أنها لا تروّج لمكان فحسب، بل تصنع تجربة متكاملة تعكس هوية قطر، وتبرز ما وصلت إليه من تطور في قطاع السياحة وجودة الحياة. فمن يتابع تقويم قطر أو منصات «زوروا قطر» يدرك أن لكل أسبوع فعالية، ولكل فصل قصة، وأن هذا الوطن أصبح وجهة سياحية وثقافية تتجدد باستمرار، وتستقبل زوارها ببرامج متنوعة تجعل كل زيارة مختلفة عن سابقتها. • وحتى الصحراء، التي يظن البعض أن الصيف يبعد الناس عنها، أصبحت مع تطور وسائل التبريد والخيام الحديثة وجهة مميزة في ساعات المساء. جلسة بين الكثبان الرملية، وفنجان قهوة، وأحاديث الأصدقاء، وصوت المذياع، وسماء تتلألأ بالنجوم… كلها تفاصيل تجعل من الصحراء مساحة يستعيد فيها الإنسان هدوءه بعيدًا عن صخب المدينة. • ولعل أجمل ما في كل ذلك أننا كثيرًا ما نبحث عن السعادة في مكان بعيد، بينما تكون بين أيدينا دون أن نشعر بها. فالإنسان يعتاد النعمة حتى تصبح جزءًا من يومه، ولا يدرك قيمتها إلا عندما يفقدها أو يقارنها بغيرها. ولذلك، فإن إعادة اكتشاف الوطن ليست رحلة إلى مكان جديد، وإنما رحلة إلى عين ترى ما اعتادت عليه، وقلب يقدّر ما يملكه. • آخر جرة قلم: الاستمتاع لا تحدده مساحة، ولا تصنعه مدينة، ولا يختصره فصل من فصول السنة. إنه ثقافة، وأسلوب حياة، وروح تعرف كيف ترى الجمال فيما حولها. وفي قطر، لا ننعم ببحر وشواطئ وصحراء ومنتجعات ومرافق عالمية فحسب، بل ننعم أيضًا بالأمن، وجودة الحياة، وبنية تحتية متطورة، وتكييف أصبح جزءًا من تفاصيل يومنا حتى نسينا أنه نعمة. ولعل أعظم استثمار تصنعه الدول ليس في بناء الأماكن فحسب، بل في صناعة التجارب والذكريات. وهذا ما نجحت قطر في ترسيخه؛ فكل موسم يحمل فعالياته، وكل زيارة تفتح بابًا لاكتشاف جديد، حتى أصبح الوطن وجهة تتجدد في كل فصل من فصول العام. وما أجمل أن نرى وطننا بعين السائح، وقلب المحب، فنكتشف أن أجمل الإجازات ليست دائمًا تلك التي تبدأ من صالة المغادرة، بل قد تكون تلك التي تبدأ من لحظة امتنان، ومن قرار بأن نستمتع بما وهبنا الله من نعم العائلة والصحبة والأمن والامان في وطننا الغالي قطر.
1224
| 08 يوليو 2026