رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عالم عربي تتعثر فيه السياسة بين الاستقطاب الحاد والانقسامات المزمنة، وتتحول فيه الانتخابات أحيانًا إلى مجرد طقوس شكلية أو ساحات للتنازع الذي يهدد وحدة المجتمعات، يطل المغرب كتجربة تستحق التأمل والتقدير. ليس لأنه بلغ الكمال، فالكمال ليس من صفات الدول ولا من طبائع البشر، ولكن لأنه نجح، إلى حد بعيد، في بناء نموذج سياسي قائم على التدرج والتراكم والاحتكام إلى المؤسسات، نموذج يجعل من الاختلاف مصدرًا للحيوية لا سببًا للقطيعة، ومن التنافس وسيلة لخدمة الوطن لا معبرًا لتدمير الخصوم.
في المغرب لا يدخل المواطن إلى موسم الانتخابات وهو يبحث عن أسماء مجهولة أو وجوه عابرة. الأحزاب السياسية هناك ليست نباتًا موسميًا ينبت عند كل استحقاق ثم يذبل بعده، بل هي مؤسسات صنعتها عقود من العمل السياسي والتجربة الميدانية والتفاعل مع المجتمع. أحزاب من اليمين واليسار والوسط، لكل منها رموزه وقياداته وتاريخه وخطابه وجمهوره. قد يختلف المغاربة حول البرامج والتوجهات، لكنهم يدركون أن الاختلاف جزء من الحياة السياسية السليمة، وأن التنافس الحقيقي لا يكون إلا بين مشاريع معلومة وأطراف معروفة.
وهذا ما يمنح المشهد السياسي المغربي خصوصيته. فالمتنافسون يتدافعون بقوة داخل الفضاء العام، لكنهم لا يتحولون إلى أعداء وجوديين. يتناظرون في البرلمان، ويتنافسون في البلديات والجهات، ويحتكمون إلى صناديق الاقتراع، ثم يجتمعون جميعًا تحت سقف الدولة والمصلحة الوطنية. إنها ثقافة سياسية نادرة في محيط إقليمي دفعت فيه بعض الدول أثمانًا باهظة بسبب غياب التقاليد الديمقراطية وضعف الثقة بين الفاعلين السياسيين.
لا يعني ذلك أن التجربة المغربية خالية من العيوب أو أن مسارها الديمقراطي انتهى إلى غاياته النهائية. فما زالت هناك تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية، وما زالت هناك أسئلة يطرحها المواطنون والنخب حول جودة التمثيل السياسي وفاعلية المؤسسات. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المغرب استطاع أن يراكم خبرة سياسية جعلته يقدم نموذجًا للاستقرار والإصلاح المتدرج في زمن الاضطرابات الكبرى.
ولعل من أبرز ما يميز التجربة المغربية، مقارنة بكثير من التجارب العربية المعاصرة، أنها اختارت في مراحل مفصلية من تاريخها مسار الاحتواء والمصالحة بدل الإقصاء والاستئصال. ففي الوقت الذي دخلت فيه أنظمة عربية عديدة في مواجهات مفتوحة مع القوميين واليساريين والإسلاميين، انتهى بعضها بالسجون والمنافي والمقابر، سعى المغرب، عبر مسار طويل ومعقد، إلى فتح المجال أمام مختلف التيارات للمشاركة في الحياة العامة ضمن قواعد الدولة ومؤسساتها.
وقد شكلت تجربة الإنصاف والمصالحة محطة فارقة في هذا المسار، ليس لأنها أغلقت كل ملفات الماضي، وإنما لأنها كرست مبدأ الاعتراف بالأخطاء والسعي إلى تجاوزها. ومن رحم هذا التطور السياسي أمكن لليسار المغربي، الذي كان في مراحل سابقة جزءًا من المعارضة التاريخية، أن يصل إلى قيادة الحكومة في شخص الراحل عبد الرحمن اليوسفي، في تجربة تداول اعتُبرت آنذاك من أبرز محطات الانفتاح السياسي في العالم العربي.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل التيار الإسلامي الذي وصل إلى رئاسة الحكومة عبر صناديق الاقتراع في شخص عبد الإله بنكيران، ثم سعد الدين العثماني، في سابقة تؤكد أن الدولة المغربية اختارت إدماج الفاعلين السياسيين المختلفين بدل دفعهم إلى الهامش. وحتى الجماعات التي بقيت خارج المؤسسات الرسمية، مثل جماعة العدل والإحسان، ظلت تمارس أنشطتها السياسية والفكرية وتصدر بياناتها وتدير شؤونها في المجال العام وتحت أعين الجميع، ضمن حدود القانون وما تسمح به التوازنات السياسية، لا في السراديب المظلمة ولا في المنافي البعيدة.
وربما كان هذا أحد أسرار الاستقرار المغربي؛ فالدولة التي تفسح المجال للاختلاف المنظم، مهما كانت حدته، تكون أقل حاجة إلى إدارة الصراعات بالقوة، وأكثر قدرة على تحويل التنوع السياسي إلى عنصر من عناصر التوازن الوطني.
غير أن الإشادة بالتجربة المغربية لا ينبغي أن تتحول إلى تجاهل لما يعتريها من نواقص أو ما يثار حولها من ملاحظات وانتقادات. فهناك، بلا شك، أصوات حقوقية وسياسية تتحدث عن تضييقات أو انتهاكات تطول بعض أصحاب الرأي والصحفيين والنشطاء، وهي قضايا لا يصح القفز فوقها أو التقليل من أهميتها. بل إن قوة أي تجربة سياسية تقاس أيضًا بقدرتها على الإصغاء إلى النقد ومعالجة مواطن الخلل وتوسيع فضاءات الحرية. وكثير من المغاربة أنفسهم لا ينكرون وجود هذه الإشكالات، بل يعتبرون أن المحافظة على المكتسبات السياسية والمؤسساتية تستوجب مواصلة الإصلاح وتعزيز الضمانات القانونية والحقوقية، حتى يظل التطور الديمقراطي مسارًا متجددًا لا محطة مكتملة. فالاعتراف بالنقائص لا ينتقص من قيمة الإنجازات، بل يمنحها مصداقية أكبر ويجعل السعي إلى تحسينها واجبًا وطنيًا مستمرًا.
ولعل ما يميز هذا البلد أكثر من غيره أن السياسة فيه ليست منفصلة عن المجتمع. فخلف الأحزاب والمؤسسات يقف شعب يمتلك رصيدًا هائلًا من التماسك والتضامن والشعور بالانتماء. وهذا ما ظهر بأجلى صورة خلال المحن والكوارث التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
حين ضرب زلزال الحوز مناطق واسعة من البلاد، لم يكن المشهد مجرد استجابة رسمية لكارثة طبيعية، بل كان ملحمة وطنية شارك فيها الجميع. رأى العالم قرى منكوبة، لكنه رأى أيضًا شعبًا يتحرك كجسد واحد. مئات القوافل وآلاف المتطوعين ومبادرات لا حصر لها انطلقت من مختلف المدن والجهات نحو المناطق المتضررة. لم يكن السؤال عن الهوية السياسية أو الاجتماعية للمنكوبين، بل كان السؤال الوحيد: كيف نصل إليهم؟ وكيف نخفف عنهم آلامهم؟
وتكرر المشهد ذاته مع الفيضانات والكوارث الطبيعية التي عرفتها بعض المناطق لاحقًا. ففي كل مرة كان المغاربة يقدمون صورة لافتة عن قوة المجتمع حين يتجاوز الحسابات الضيقة ويستحضر المعنى الأعمق للمواطنة. لم يكن التضامن فعلًا موسميًا ولا حملة إعلامية عابرة، بل بدا وكأنه جزء أصيل من الشخصية الوطنية المغربية.
وفي زمن اعتادت فيه دول كثيرة أن تتجه فورًا إلى الخارج طلبًا للعون والإسناد، أظهر المغرب ثقة كبيرة في إمكاناته الذاتية وفي قدرته على تعبئة موارده البشرية والمؤسساتية. ولم يكن ذلك تعبيرًا عن انغلاق أو رفض للتعاون الدولي، بل كان تأكيدًا على أن الأمم القوية هي التي تبني أولًا قدرتها الداخلية على الصمود ومواجهة التحديات.
إن الدرس المغربي لا يكمن فقط في نجاح الانتخابات أو في تداول المسؤوليات الحكومية بين الأحزاب، بل في الجمع بين السياسة والأخلاق. فحين تتأسس الحياة العامة على الاحترام المتبادل، وحين تصبح المؤسسات إطارًا جامعًا لا ساحةً للصراع المدمر، وحين يشعر المواطن أن له مكانًا في وطنه مهما كان موقعه أو رأيه، فإن السياسة تتحول من مصدر للأزمات إلى أداة للاستقرار والبناء.
ولهذا يمكن القول، ومن دون مواربة، إن المغرب يقدم درسًا يستحق أن يُقرأ جيدًا في زمن عربي مضطرب. ليس درسًا في الكمال، وإنما في كيفية إدارة الاختلاف، وفي تحويل التنوع السياسي إلى مصدر قوة، وفي بناء الجسور بين الدولة والمجتمع بدل حفر الخنادق بينهما. وهو درس في السياسة كما هو درس في الأخلاق.
ولعل سر المغرب لا يكمن فقط في مؤسساته أو في حيوية أحزابه، بل في ذلك الخيط الخفي الذي يشد أبناءه بعضهم إلى بعض كلما اشتدت المحن. هناك دائمًا من يفتح بابه للغريب، ومن يمد يده للمحتاج، ومن يرى في نجدة الآخر نجاةً لنفسه. وكأن المغاربة يدركون، بفطرتهم الجماعية، أن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده ولا تبنيها السياسة وحدها، بل يحفظها أهل الخير حين يتقدمون الصفوف في ساعات العسر. لذلك كلما تأملت هذه التجربة، السياسية والإنسانية معًا، وجدت صداها في ذلك النداء العميق الذي يسكن الوجدان المغربي: يا ملافي يا ملافي، يا ملاذي عند الشدائد. فالأوطان تبقى قوية ما دام فيها من يهبّ لنجدة أخيه، وما دام فيها من يجعل من الاختلاف رحمة، ومن التضامن عقيدة، ومن الوطن بيتًا يتسع للجميع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17544
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8043
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4410
| 15 يونيو 2026