رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال ولمستقبلهم أقام منارًا للعلم
- لقّب باسم الشعب: «دفان الفقر وحمد الخير والمأوى» لأنه لكل ضعيف ملجا
- شجعني وأثنى على كتاباتي التاريخية وهي مفخرة لي ووسام على صدري
في تواريخ الدول وأخبار الرجال، من ذكره لا ينسى، وأفعاله لا تمحى، وسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله تعالى - من هؤلاء القلة الذين يندر بهم الزمان، ويعدون على أصابع الأيام، ويقترن اسمه باسم الزمان والمكان، والبلاد والأوطان، فتاريخ قطر الحديث، اقترن باسم الأمير الوالد في كل مقال وحديث، ونهضت به حتى أصبحت مضرب المثال، وشكل بشخصيته هوية وطن وآمال، وضرب بسهم إرادته في كل ميدان، وأصابت رؤيته العنان، وشهد له بذلك كل أحد، من كل قُطْر وبلد.
فالسياسة ساسها، والمعرفة أشاعها، والإعلام رفع أعلامه، والاقتصاد شيد بنيانه، والصحة صحت في عصره، والوقف أثبت غرسه، والرياضة روضت للأجيال، والعمران عمّ كالخيال، والآثار أحييت من رمسها، والمفاخر نادت بصوتها: يا من جمع شتات المآثر، ونظم عقد الجواهر، وغرس محبة في كل قلب، فلقّب باسم الشعب: دفان الفقر، وحمد الخير، والمأوى، لأنه لكل ضعيف ملجا. يا من يحار القلم فيه من أين يبدأ، والعين ماذا تترك وتقرأ، فقد ملأت السمع والبصر، والعقل والفكر، والقرطاس والسطر، وإنما نذكر رشفة من بحر، وقطرة من نهر.
فسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله تعالى -يعتبر أبو الدستور القطري، وذلك بإصداره لأول دستور دائم لدولة قطر سنة 2004م، وصاحب رؤية بعيدة المدى باعتماده رؤية قطر الوطنية 2030 في عام 2008م، وبذلك أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال، ولمستقبلهم أقام منارًا للعلم، فمن أول مشاريعه خلال فترة حكمه -رحمه الله -إنشاء مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع سنة 1995م، والتي أصبحت صرحًا ونموذجًا تعليميًّا، جمع بين التميز الأكاديمي المحلي، والمعايير العالمية، وفي السنة التالية لتأسيسها أطلق -رحمه الله -سنة 1996م قناة الجزيرة، هذا الصرح الإعلامي الذي غير وجه الإعلام العربي بل العالمي، وكان علامة فارقة في تاريخ الإعلام، بل في تاريخ الشعوب العربية، وكان إطلاقها نابعًا من همه العربي والإسلامي، وفخره بهذا الانتماء، وسعيه للإصلاح بين الفرقاء، فكم كانت له من يد تشكر، ومساع لا تكفر، ولو نذكر، نذكر اتفاق الدوحة اللبناني 2008م، والمصالحة بين السودان وتشاد 2009م، والوساطة بين جيبوتي وإريتريا 2010م، وسلام دارفور 2011م، وإعلان الدوحة للمصالحة الفلسطينية 2012م، وبداية استضافة المفاوضات بين طالبان والأمريكان 2010م، وغيرها الكثير، بالإضافة إلى سعيه للإفراج عن العديد من الرهائن والمحتجزين، والتي أسفرت عن إطلاق سراحهم وتقدير الدول لهذا الدور المحوري.
وقد تمكنت قطر في عهده من الحصول على العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن لمدة عامين، وترأست المجلس عام 2006م، ثم ترأست الدورة 66 للجمعية العامة للأمم المتحدة 2011ـ2012م، وبهذه السياسة والدبلوماسية تشكل نموذج للدبلوماسية القطرية فريد من نوعه، أشرب بشخصية الأمير الوالد -رحمه الله تعالى ـ، وفي نفس هذا العام 1996م تحقق طموح الشيخ -رحمه الله -بإصدار أولى شحنات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح قطر في عام 2006م أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال عالميًّا، وللمحافظة على هذه الموارد برؤية الأمير الوالد -رحمه الله -أنشأ جهاز قطر للاستثمار سنة 2005م لتنمية هذه الأصول المالية وحمايتها للأجيال، وتنويع مصادر الدخل للدولة، لتصبح أحد أكبر عشر صناديق سيادية على مستوى العالم.
ولهذا الانفتاح العالمي تم وضع حجر الأساس وبدأ العمل في إنشاء مطار حمد الدولي سنة 2005م، وميناء حمد عام 2011م، وأصبحت قطر في عهده قبلة للمضيوم، وقبلة للأعمال، وقبلة للساسة، وقبلة للرياضة، ففي عهده برزت قطر كأيقونة رياضية باستضافتها العديد من الدورات العالمية ومنها دورة الألعاب الآسيوية 2006م، وفوزها بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022م وذلك في سنة 2010م كأول دولة عربية تستضيف كأس العالم، ومواكبة لهذه النهضة الرياضية تم إطلاق قنوات الجزيرة الرياضية 2003م.
ونرجع إلى عام 1996م لنسلط الضوء على جانب آخر من جوانب إنجازات الأمير الوالد -رحمه الله تعالى -وهو إصداره لأول قانون للوقف في دولة قطر، بل في الخليج، وهو سبق له أجره، وأجر كل من عمل به، وللأمير الوالد -رحمه الله -أياد بيضاء في العمل الوقفي، نابعة من إيمانه بأن الوقف أساس نهضة الأمة العربية والإسلامية على مر العصور، فأسس لها أساساً متيناً بإصدار القانون، وساهم بماله في إنشاء عدد من الوقفيات الصحية والعلمية والقرآنية، ودُشّن في عهده «مصحف قطر» 2010م وجعل له وقفًا لا ينقطع أجره بمنّ الله وكرمه، وباعتزازه بعقيدته ودينه دشّن -رحمه الله تعالى -أكبر جامع في قطر، جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب سنة 2011م، إلى غير ذلك من المشاريع الخيرية والعلمية الوقفية داخل قطر وخارجها، ومنها كلية الشيخ جاسم للعلوم والتكنولوجيا في فطاني 2007م، ومسجد الشيخ جاسم بن محمد في ميفير بلندن سنة 1997م، وتشييد وترميم مكتبة الغازي خسروبك بالبوسنة والذي بدأ بتوجيه شخصي منه -رحمه الله -سنة 2004م، وغيرها مما يعجز القلم عن حصره.
ولو نظرنا إلى جانب التراث والتاريخ، فقد كان الأمير الوالد الشيخ حمد -رحمه الله -ممن له اهتمام ومعرفة خاصة بالتاريخ القطري، وقد شجعني -رحمه الله تعالى -وأثنى على كتاباتي التاريخية، وهي مفخرة لي ووسام على صدري، وأوصاني خاصة في التاريخ بالحرص على الدقة في سرد الأحداث، وأحيا في عهده تاريخ قطر والبحث فيه بإعلانه اليوم الوطني سنة 2007م، وإنشائه لهيئة متاحف قطر سنة 2005م، وإعادة إحياء وتطوير سوق واقف سنة 2006م، وافتتاح متحف الفن الإسلامي سنة 2008م، والحي الثقافي كتارا سنة 2010م، وغيرها الكثير، وكان آخرها إدراج موقع الزبارة الأثري في قائمة التراث العالمي لليونسكو في 22 يونيو 2013م، وبعدها بثلاثة أيام 25 يونيو 2013م وقد حقق ما وعد بكلمته المشهورة «بأن أي شخص في الدنيا سيتمنى أن يكون من الشعب القطري»، ضرب الأمير الوالد الشيخ حمد -رحمه الله تعالى -أروع مثال لمن يملك الحكم لرفعة شعبه ووطنه، فبعد حوالي عقدين من الإنجاز والنجاح، تنازل عن الحكم بمحض رغبته لولي عهده سيدي سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى -حفظه الله تعالى ورعاه -ليكون خير خلف لخير سلف، ويستكمل هذه المسيرة العطرة، ويحقق الله على يديه المزيد من الرفعة والتقدم لبلاده وشعبه. وبقي الأمير الوالد -رحمه الله -والدًا لشعبه ولكل من على هذه الأرض الطيبة.
واليوم تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله سبحانه أن يرحم فقيد الوطن، ويرفع درجته في عليين، ويلحقه بالصالحين، ويبقي أثره وأجره إلى يوم الدين. ونصبّر أنفسنا ونعزيها بسيدي سمو الأمير -حفظه الله تعالى ورعاه -وإخوانه الغر الميامين، برّد الله قلوبهم باليقين، وأعلا منارهم في العالمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
13485
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
4983
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3237
| 16 أغسطس 2026