رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل أكثر من ثلاثة عقود، وتحديداً في صيف عام 1994، كنت أغادر الرباط باتجاه دمشق. لم تكن رحلة عادية بين مدينتين، بل انتقالاً بين مرحلتين من العمر، وبين فضاءين سيصنعان لاحقاً كثيراً من تكويني الفكري والإنساني. كنت قد أنهيت دراستي الجامعية في القسم الأدبي بجامعة محمد الخامس، وحصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة والأدب، ثم شددت الرحال إلى عاصمة الشرق الأوسط دمشق، أحمل في حقيبتي كتباً قليلة، وفي قلبي حنيناً كبيراً إلى مدارج تلك الجامعة، وإلى زملاء وأساتذة تعلمت على أيديهم أولى أبجديات التفكير في الأدب، ثم في الفكر، ثم في السياسة.
كنت أظن أن السنوات ستفعل فعلها، وأن المدن الجديدة ستطغى على المدن الأولى، لكنني اكتشفت أن الجامعات تشبه الأمهات؛ قد تغادرها، لكنها لا تغادر ذاكرتك أبداً. ولذلك، حين عدت بعد أكثر من ثلاثين عاماً إلى كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس ـ أكدال، على مرأى حجر من مدرجات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مشاركاً في الندوة الوطنية التي نظمتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، بشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والجمعية المغربية للعلوم السياسية، شعرت أنني لا أعود إلى قاعة أكاديمية فحسب، بل أعود إلى جزء من سيرتي الشخصية.
كان عنوان الندوة: "في طبيعة ومعنى اللحظة الدولية الراهنة"، وهو عنوان يلامس سؤالاً يشغل العالم كله، لكنه بالنسبة إلينا نحن العرب ليس سؤالاً أكاديمياً مجرداً، بل سؤال وجود ومصير. فنحن لسنا مراقبين لما يجري في العالم، وإنما نقف في قلب الزلزال، وتدور أغلب الحروب والصراعات الكبرى فوق أرضنا، أو على حدودها، أو بأدوات من داخلها.
في الورقة التي قدمتها، حاولت أن أميز بين الحدث والتحول. فليس كل حدث كبير تحولاً تاريخياً، لكن التحولات هي الاتجاهات العميقة التي تعيد تشكيل النظام الدولي والسياسات العالمية لعقود مقبلة. وانطلاقاً من هذا الفهم، رأيت أن العالم، ولا سيما المنطقة العربية، يعيش منذ نهاية القرن العشرين، وتسارعاً منذ العقد الأخير، سلسلة من التحولات البنيوية التي لا يمكن قراءتها منفصلة عن بعضها.
توقفت أولاً عند تراجع القطبية الأحادية، وصعود الصين وعودة روسيا لاعباً دولياً، مع ما رافق ذلك من اهتزازات في بنية النظام الدولي، وإن ظل النفوذ الأمريكي حاسماً، خصوصاً في منطقتنا العربية.
ثم ناقشت صعود الشعبوية واليمين المتطرف في الغرب، وما ترتب عنه من تصاعد العنصرية، والتضييق على الجاليات العربية والإسلامية، وإعادة تعريف المصالح الغربية على نحو أكثر أنانية وخشونة.
لكن التحول الأخطر، في تقديري، كان ذلك الذي أصاب العالم العربي نفسه. فمنذ الثورات العربية عامي 2010 و2011، شهدنا اصطفافاً غربياً وإقليمياً مع قوى الثورة المضادة، تحت عناوين الاستقرار ومحاربة الإرهاب، بينما كانت النتيجة الفعلية إعادة إنتاج الاستبداد، وتوسيع دوائر الفساد، ومحاصرة التجارب الديمقراطية الوليدة، وإغلاق المجال العام أمام القوى المجتمعية.
أما فلسطين، فقد كانت في قلب الورقة، لأنها في الحقيقة أصبحت في قلب التحولات الدولية نفسها. فحرب الإبادة على غزة لم تكن مجرد عدوان جديد على الفلسطينيين، وإنما كشفت انهيار كثير من المنظومات الأخلاقية والقانونية التي ادعى الغرب لعقود أنه حارسها. كما كشفت في المقابل يقظة غير مسبوقة داخل المجتمعات الغربية، حيث أخذت الجامعات، والنخب الثقافية، والحركات الشبابية، تعيد النظر في السردية الصهيونية، وتتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني ضد استعمار استيطاني وفصل عنصري.
وتناولت كذلك التحولات التكنولوجية الكبرى، وعلى رأسها ثورة الذكاء الاصطناعي، باعتبارها ساحة جديدة للصراع بين الدول الكبرى، لكنها في الوقت نفسه تفرض على العرب تحديات غير مسبوقة في مجالات المعرفة والإعلام والسيادة الرقمية.
وخلصت إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يحدث في العالم؟ بل: أين موقع العرب من هذه التحولات؟ وهل سيبقون مجرد ساحات للصراع بين الآخرين، أم يتحولون إلى فاعلين في صناعة مستقبلهم؟
لم تكن الندوة مجرد مناسبة للحديث، بل كانت مناسبة للإصغاء أيضاً. ففي الجلسات التي أدارها ونظمها ثلة من الأساتذة والباحثين، استمعت إلى قراءات عميقة ومتكاملة حول النظام الدولي الجديد، وموقع المغرب في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، والعلاقات المغربية الأوروبية، وتحولات السياسة الخارجية المغربية، وهو ما جعل اللقاء أقرب إلى ورشة فكرية جماعية لفهم عالم يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على اللحاق به.
وكان مما زاد هذا اللقاء قيمة أنني تشرفت بالمشاركة إلى جانب أسماء أكاديمية وفكرية وازنة، في مقدمتها الأستاذ الدكتور سعيد الصديقي، والأستاذ الدكتور إسماعيل حمودي، والأستاذ الدكتور علي كريمي، والأستاذ الدكتور عبد الحميد بن خطاب، والأستاذ الدكتور مصطفى السحيمي، والأستاذ الدكتور رضا الفيلالي حوز، والأستاذ الدكتور إسماعيل قطرب، والأستاذ الدكتور نور الدين الإدريسي، وتحت إشراف الأستاذ الدكتور عبد الله ساعف، أحد أبرز أعلام الفكر السياسي المغربي والعربي.
خرجت من الجامعة وأنا أشعر بأن الزمن لا يمضي دائماً إلى الأمام. أحياناً يعود بك إلى البدايات، لا لتعيشها من جديد، وإنما لتدرك أن بعض الأمكنة لا تنتهي صلاحيتها في القلب. جامعة محمد الخامس كانت بالنسبة إليّ أكثر من مؤسسة تعليمية؛ كانت أول نافذة أطللت منها على الأدب، ثم على الفكر، ثم على السياسة. وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، أدركت أنها ما تزال تفتح النافذة نفسها، ولكن على عالم أكثر اضطراباً.. وأكثر حاجة إلى الفكر.
وأنا أغادر جامعة محمد الخامس، لم يكن يغادرني إحساس آخر لا يقل أهمية عن النقاشات الفكرية التي شهدتها قاعاتها؛ وهو أن المغرب، رغم ما يحيط بالمنطقة من عواصف وحروب واستقطابات حادة، يواصل إدارة شؤونه الداخلية بكثير من الحكمة والاتزان وعمق الدولة وعراقة المجتمع. ففي الوقت الذي تتقاذف فيه المنطقة أسئلة المصير، يحتضن المغرب حوارات فكرية رصينة، ونقاشات سياسية وطنية هادئة وعقلانية، يستعد من خلالها لاستحقاقاته الديمقراطية المقبلة، وفي مقدمتها الانتخابات التشريعية، بما يعكس حيوية مؤسساته وقدرة نخبه على إدارة الاختلاف داخل إطار الاستقرار.
وعلى الضفة الأخرى من الحياة، كان المغاربة، كما عهدتهم دائماً، يلتفون حول منتخبهم الوطني لكرة القدم في مشواره نحو كأس العالم، لا باعتبار كرة القدم مجرد لعبة، بل باعتبارها لحظة وطنية جامعة، يلتقي فيها الاعتزاز بالهوية مع الثقة بالنفس، ويعبّر فيها شعب عريق عن طموحه المشروع إلى مكانة تليق بتاريخ المغرب وحضارته وحضوره المتجدد بين الأمم. ولعلها واحدة من أجمل مفارقات هذا البلد؛ أن يجمع، في اللحظة نفسها، بين هدوء الفكر، وحيوية السياسة، ودفء الانتماء، فيظل قادراً على صناعة الأمل، حتى في زمن يبدو فيه العالم أقل اطمئناناً وأكثر اضطرابا.
إرث مستدام تركه باني قطر الحديثة رحمه الله
بمشاعر من الحزن والأسى استقبل أهل قطر والخليج والأمتان العربية والإسلامية نبأ وفاة فقيد الوطن الكبير باني قطر... اقرأ المزيد
426
| 19 يوليو 2026
الأمير الوالد... إرث وطن لا يغيبه الرحيل
ودعنا صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله في مشهد مهيب لم تشهد... اقرأ المزيد
207
| 19 يوليو 2026
تحديات الوساطة والمساعي الدبلوماسية
تعكس الأعمال العسكرية والاعتداءات الإيرانية المرفوضة وغير المبررة، والتي أخذت منحى تصعيديا خطيرا من خلال استهدافات طالت حتى... اقرأ المزيد
87
| 19 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
5769
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1857
| 12 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن، لأنها ترتبط برجالٍ تركوا أثرًا عميقًا في وجدان شعوبهم، وأسهموا في صناعة مراحل جديدة من البناء والتطور. ومن بين تلك اللحظات، يأتي رحيل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ليحمل مشاعر الحزن والفقد في قلوب أبناء قطر، لكنه في الوقت ذاته يفتح صفحات مشرقة من سيرة قائد ترك بصمة راسخة في تاريخ الوطن، وأسهم في رسم ملامح الدولة الحديثة. ونحن أبناء هذا الوطن نستحضر اليوم سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ دولتنا، لا بوصفها صفحات في سجل التاريخ فحسب، بل باعتبارها مرحلة عشنا آثارها ورأينا خلالها قطر تنتقل بخطى ثابتة من مرحلة البناء المتدرج إلى مرحلة الحضور المؤثر إقليميًا ودوليًا. فقد امتلك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، رؤية بعيدة المدى جعلت من التنمية مشروعًا شاملًا يقوم على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ مكانة الدولة بين الأمم. لقد أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أن الثروات الطبيعية لا تصبح مصدر قوة حقيقية إلا عندما تُدار بعقلية استراتيجية تستثمرها لصالح الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، شهدت دولة قطر تحولًا اقتصاديًا كبيرًا، كان من أبرز مظاهره تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، وأسهم في دعم مشاريع التنمية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولم يكن الاقتصاد في تلك المرحلة هدفًا منفصلًا عن الإنسان، بل كان وسيلة لتحقيق حياة أفضل للمواطنين. فقد انعكس النمو الاقتصادي على مختلف جوانب الحياة من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص جديدة أمام أبناء الوطن، مما عزز رفاه المجتمع ورسخ الثقة بمستقبل قطر. وقد احتل بناء الإنسان مكانة مركزية في فكر سمو الأمير الوالد، رحمه الله، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن. ولهذا حظي قطاع التعليم باهتمام كبير، وشهدت الدولة توسعًا في المؤسسات التعليمية، ودعمًا للبحث العلمي، وانفتاحًا على أفضل التجارب العالمية. كما تطور القطاع الصحي بصورة لافتة، من خلال بناء منظومة صحية حديثة تهدف إلى توفير خدمات ذات جودة عالية، بما يعكس اهتمام الدولة بصحة الإنسان وكرامته. وفي الجانب المؤسسي، شهدت قطر خلال تلك المرحلة خطوات مهمة نحو ترسيخ دعائم الدولة الحديثة. فقد جاء إقرار الدستور الدائم لدولة قطر محطة بارزة في مسيرة التطور الوطني، حيث أسهم في تعزيز العمل المؤسسي، وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، وترسيخ مفهوم المسؤولية الوطنية في إدارة شؤون البلاد. أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد تمكنت قطر من بناء حضور دولي مميز قائم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول. وأصبحت الدبلوماسية القطرية عنوانًا للحوار والوساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مما عزز مكانة الدولة وأثبت أن تأثير الدول لا يقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على المبادرة وصناعة الأثر. ومن أبرز المحطات التي جسدت نهج سمو الأمير الوالد، رحمه الله، في السياسة الخارجية، زيارته التاريخية إلى قطاع غزة في أكتوبر عام 2012، حيث كانت زيارة ذات أبعاد إنسانية وسياسية مهمة، وعكست اهتمام دولة قطر بدعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانب قضاياه الإنسانية والتنموية. وقد ارتبطت هذه الزيارة بإطلاق منحة لإعادة إعمار القطاع بلغت 400 مليون دولار، أسهمت في تنفيذ عدد من المشاريع الإسكانية والتنموية، من أبرزها مدينة الشيخ حمد السكنية، وتطوير عدد من الطرق الحيوية، إلى جانب دعم القطاع الصحي من خلال إنشاء مستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية. كما حملت الزيارة رسالة تؤكد أهمية دعم التنمية وتعزيز مقومات الحياة الكريمة للشعوب. كما أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أهمية الإعلام والمعرفة في تعزيز حضور الدولة وبناء قوتها الناعمة، فشهدت قطر خلال تلك المرحلة تطورًا إعلاميًا وثقافيًا لافتًا، كان من أبرز مظاهره تأسيس قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت إحدى المنصات الإعلامية العربية المؤثرة، وأسهمت في تعزيز حضور قطر على الساحة الإعلامية الدولية. كما واصلت الدولة اهتمامها بالمجالات الثقافية والتعليمية والمعرفية، بما يعكس رؤية شاملة للتنمية تجمع بين الإنسان والعلم والهوية. ومن التحولات التاريخية المهمة في مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، تسليم مقاليد الحكم عام 2013 إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة عكست رؤية تقوم على استمرارية الدولة وتجدد القيادة. وقد مثل هذا الانتقال لحظة مهمة في تاريخ قطر السياسي، إذ أكد أن بناء الوطن مشروع مؤسسي تتواصل فيه الأجيال، وأن مسيرة التنمية تستند إلى مؤسسات قوية ونهج واضح للمستقبل. ولم تتوقف مسيرة التنمية عند هذه المحطة، بل واصلت الدولة طريقها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وكان من أبرزها استضافة بطولة كأس العالم 2022، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة. فقد عكست هذه الاستضافة مستوى التطور الذي وصلت إليه الدولة في مجالات البنية التحتية والتنظيم والقدرة على استضافة أكبر الأحداث العالمية، كما قدمت صورة مشرقة عن المجتمع القطري وثقافته وقيمه. وعندما نتحدث عن أثر هذه المسيرة على المواطن القطري، فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع اقتصادية، بل عن واقع عاشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالتطور الذي شهدته الدولة انعكس على التعليم والصحة والخدمات، وأسهم في تعزيز شعور المواطن بالأمن والاستقرار والفخر بما تحقق لوطنه. وأرى أن أهم ما يميز هذه المسيرة التنموية هو قرب أثرها من المواطن، إذ أصبحت نتائجها واضحة في حياته اليومية وفي البيئة التي يعيش فيها، مما عزز شعوره بالانتماء والثقة بمستقبل وطنه. إن القادة الحقيقيين لا يُقاس أثرهم فقط بما ينجزونه خلال فترة مسؤوليتهم، وإنما بما يتركونه من أسس تستمر بعد رحيلهم. وسيبقى اسم سمو الأمير الوالد، رحمه الله، حاضرًا في تاريخ قطر وذاكرة أبنائها، بما حملته مسيرته من رؤية وإنجازات أسهمت في بناء الدولة الحديثة وتعزيز حضورها في العالم. وسيظل رحيل سمو الأمير الوالد، رحمه الله، محطة حزن في وجدان القطريين، لكنه سيبقى أيضًا مناسبة لاستحضار مسيرة قائد لم يترك وراءه إنجازات ومؤسسات فقط، بل ترك شعورًا راسخًا لدى أبناء وطنه بأن البناء الحقيقي هو ما يستمر أثره عبر الأجيال. فالأوطان لا تحفظ أسماء قادتها بما حققوه من مشاريع فحسب، بل بما زرعوه من ثقة وأمل في نفوس أبنائها، وستبقى مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، جزءًا من ذاكرة قطر، وشاهدًا على مرحلة صنعت الكثير من ملامح حاضرها ومستقبلها.
1311
| 18 يوليو 2026